بقلم د.علي خليفة
المسرحية للكاتب والشاعر المصري اللبناني الفرنسي جورج شحادة”1905 – 1989″
جورج شحادة هو كاتب من أصول لبنانية، وقد ولد في الإسكندرية بمصر، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، ثم سافر مع والديه إلى لبنان، وتلقى فيها تعليمه الثانوي والجامعي، وتخرج من كلية الحقوق، وسافر إلى فرنسا، وانشغل بالشعر والأدب، وصار من كبار كتاب الشعر والمسرح في فرنسا في ستينيات القرن الماضي.
وقد كتب جورج شحادة عدة مسرحيات، منها مسرحية “السيد بوبل”، ومسرحية “أزهار البنفسج”، ومسرحية “الرحيل”، ومسرحية “مهاجر بريسبان”، والمسرحية الأخيرة من أشهر مسرحياته، ومن أنضجها؛ ولهذا نراها عرضت في عدة دول أوروبية وعربية، وما زالت تعرض حتى وقتنا هذا.وتقع أحداث هذه المسرحية في تسع لوحات، واللوحة الأولى هي في رأيي أكْثرها تعبيرًا، وبراعة، وفيها نرى حوذيًّا يقود عربة يجرها حصان اسمه كوكو، ويجلس في هذه العربة مهاجر جاء من بريسبان في أستراليا لقريته التي توجد في صقلية بعد سنوات بعيدة عاشها في غربته، ويكلم الحوذي طوال هذه اللوحة حصانه كوكو، ونرى في حديثه معه قوة العلاقة بينهما، حتى لنشعر أن كوكو ليس مجرد حصان، ولكنه صديق حميم لهذا الحوذي إن لم يكن صديقه الوحيد، ويحاول الحوذي أن يشرك ذلك المهاجر في الحديث معه، ولكنه لا يجيبه، ولا يعبأ الحوذي بذلك؛ لأنه يرى أن كوكو يسمعه، وينوب عن ذلك المهاجر الذي لا يبدو متابعًا حديث ذلك الحوذي له.
ولا شك أننا نرى في صمت المهاجر عن التجاوب مع الحوذي، وعدم اهتمام الحوذي بتجاوبه معه، وتوجيه أكثر كلامه لحصانه – ما يدل على صعوبة التواصل بين الناس، وأن من يجد بديلًا عن الناس يتحدث معه وينشغل به فإنه ستهون عليه قسوة هذه الحياة كثيرًا، ولا شك أن ما نراه في هذه اللوحة بهذه المسرحية هو أحد الأفكار التي يطرحها كتاب مسرح العبث في مسرحياتهم، كما نرى هذا في مسرحية “شريط كراب الأخير” لبيكيت، ومسرحية “الساكن الجديد” ليونسكو.
ويصل هذا المهاجر لقرية بلفنتو في الليل، ويتركه ذلك الحوذي فيها، ويرحل للمحطة التي جاء منها، وفي الصباح يكتشف أهل هذه القرية جثة ذلك المهاجر الذي مات بعد وصوله لهذه القرية بقليل، وتُرَى حقيبة مع هذا المهاجر، وتُحَمَلُ لعمدة هذه القرية، فيكتشف فيها ورقة كتب فيها هذا المهاجر أن له ابنًا غير شرعي في هذه القرية، وأنه أنجبه من إحدى فتياتها، وأنه يريد أن يعوّضه بعد أن عاد لهذه القرية التي غاب عنها في بريسبان في أستراليا لسنوات كثيرة، ويكتشف العمدة أيضًا في هذه الحقيبة مبلغًا كبيرًا من المال.ويأمر عمدة بلفنتو بوضع صورة ذلك المهاجر – واسمه جالار – على شجرة كبيرة في أكبر ساحة بهذه القرية، ويقول سكرتير العمدة لأهالي بلفنتو: إن العمدة قرر أن يعطي النقود الكثيرة التي وجدها في حقيبة جالار للمرأة التي يتضح أنها أنجبت من جالار ابنًا غير شرعي.
ويحدد العمدة الاشتباه في المرأة التي كانت عشيقة لجالار في الماضي في ثلاث نساء؛ لكونهن أجمل نساء هذه القرية، وهؤلاء النساء هُن لورا زوجة سكارميلا، وروزا زوجة بيكالوجا، وماريا زوجة باربي.
ويتشكك بيكالوجا في زوجته روزا، ويثور عليها؛ من أجل أن تعترف بأنها خانته، وأن ابنها ليس ابنه، بل ابن ذلك المهاجر، وتستطيع روزا أن تقنعه بعفتها، وبأنها لم تخنه، وأن ابنها هو ابنه في الوقت نفسه، وكذلك تستطيع لورا أن تهدئ ثورة غضب زوجها سكارميلا خلال اتهامه لها بأنها كانت عشيقة ذلك المهاجر، وأنجبت ابنًا منه، ونسبته له.
أما باربي فإنه يتصرف تصرفًا مختلفًا مع زوجته ماريا، فهو لا يساوره شك في أنها عفيفة، وأنها لا يمكن أن تكون قد خانته مع ذلك المهاجر، ومع ذلك فهو يطلب إليها أن تذهب للعمدة، وتعترف أمامه أن أحد أولادهما هو ابنها غير الشرعي من ذلك المهاجر؛ حتى تأخذ النقود التي عُثِرَ عليها في حقيبة ذلك المهاجر، وترفض ماريا أن تتهم نفسها بتلك التهمة ظلمًا، ويرجوها زوجها أن تفعل ما يطلبه إليها في هذا الأمر، وعند ذلك تحاول أن تصرخ في أهل قريتها حتى تفضح زوجها، فما يكون منه عند ذلك إلا أن يطعنها بسكين معه، ويقتلها، وكان من سوء حظه أن بيكالوجا – وهو متخفٍّ – كان قد رَآه وهو يغري زوجته حتى تلصق بنفسها تلك التهمة، وأيضا ً رآه وهو يقتلها.ويشيع باربي في أهل بلفنتو أنه قتل ماريا؛ حتى يثأر لشرفه بعد أن دنسته بإنجابها أحد أبنائها من ذلك المهاجر. ويظهر أهل بلفنتو إعجابهم بباربي، ويرون أنه مصدر فخر لقريتهم، وأنه لا يستحق السجن على ثأره لشرفه.
ويطلب العمدة إلى باربي أن يذهب للشرطة، ويسلم نفسه لها؛ حتى تقل العقوبة التي ستوجه ضده، ويحصل بعد ذلك على المال الذي جاء به ذلك المهاجر.ويزداد غضب بيكالوجا من باربي حين يرى الناس يعدونه بطلًا قوميًّا لقريتهم، ويقرر أن يسرع للحاق به قبل أن يصل لمركز الشرطة؛ حتى يقتله انتقامًا لماريا البريئة، وحتى يقضي على أكذوبة بطولته الزائفة. وأعتقد أنه كان من الأنسب أن يواجه بيكالوجا أهل قريته بحقيقة ما فعله باربي مع ماريا، لا أن يسعى لقتله.
وفي المشهد الأخير من هذه المسرحية نرى نفس الحوذي يحمل على عربته مهاجرًا آخر جاء من بلد بعيد ليزور قريته في صقلية، ويكتشف ذلك المهاجر أن هذه القرية ليست قريته، فَيُعِّرَفُه الحوذي أن هذه القرية حبيبة إليه، وأن حصانه كوكو لا يستطيع أن يتجاوزها لقرى أبعد منها، ويحكي ذلك الحوذي لهذا المهاجر حكايته حين أحضر مهاجرًا آخر من وقت قريب لهذه القرية بدلًا من قرية أخرى كان يرغب في الوصول إليها، ونعرف من هذا أن المهاجر جالار لا ينتمي لهذه القرية التي مات فيها، وحدثت بسببه حوادث غريبة بها.
ويعبر ذلك المهاجر الجديد عن إعجابه بقرية بلفنتو، ويطلب إلى ذلك الحوذي أن يعود به للمحطة؛ ليعود إلى البلد الذي هاجر إليه، من وطنه صقلية.وأرى أن العبث في هذه المسرحية لا ينبع من شكلها وأسلوب بنائها، فأسلوب بنائها أسلوب كلاسيكي، ولكن العبث فيها ينبع من أحداثها ، ففيها نرى حوادث غريبة غير منطقية، ونرى آثارها العميقة في حياة بعض الشخصيات بها، فالمهاجر الأول يرتكب خطأ بإرادته في الماضي، وأراد ان يصحح بعض تبعات هذا الخطأ؛ بتعويض ذلك الابن غير الشرعي له بالحنان الأبوي والمال الكثير، ولكن هذا لا يحدث، بل إن الذي يحدث هو أن هذا المهاجر يموت في تلك القرية التي وصل إليها على سبيل الخطأ، وينتج عن موته حوادث غريبة لبعض أهل هذه القرية، ومن ثم فإن هذا المهاجر قد تسبب موته في ارتكاب أخطاء أخرى تضاف للخطأ الذي كان قد ارتكبه في الماضي، وبهذا يقصد شحادة أن يقول في هذه المسرحية: إن الحياة ليست سوى سلسلة من العبث، سواء شئنا ذلك أم أبينا.
ولا شك أن تصرف الحوذي في هذه المسرحية هو تصرف عبثي، فهو بدلًا من أن ينقل المسافرين بعربته للأماكن التي يريدونها نراه يوصلهم للمكان الذي يريده هو، ومن ثم فقد انتفى الاختيار عن الراكب، أو عن الإنسان في هذه الحياة، وهذا أيضًا مما يدخل في العبث.
وشحادة في تصوره العبثي للحياة في هذه المسرحية قريب من تصور كامي وسارتر لما في الحياة من عبث في مسرحياتهما – كمسرحية “موتى بلا قبور” لسارتر، ومسرحية “سوء تفاهم”، ومسرحية “كاليجولا” لكامي – أما الشكل الذي صيغت فيه مسرحياتهما فهو شكل كلاسيكي، مثل الشكل الذي اتبعه جورج شحادة في هذه المسرحية.


