عماد علي قيدة.. حين تستعيد الرواية التاريخ من ذاكرة المدن..«المنصرمون»..رواية تونسية تعبر من التاريخ السياسي إلى أسئلة الإنسان والذاكرة-إعداد: فريد ظفور


عماد علي قيدة.. حين تستعيد الرواية التاريخ من ذاكرة المدن
«المنصرمون».. رواية تونسية تعبر من التاريخ السياسي إلى أسئلة الإنسان والذاكرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: الرواية حين تصبح ذاكرةً للمكان
ليست الرواية مجرد حكاية تُروى، ولا التاريخ مجرد وقائع مرت وانتهت. ففي المسافة الفاصلة بينهما تولد الكتابة التي تستطيع أن تستعيد الإنسان من بين شظايا الزمن، وأن تجعل المدن شاهدة على ما عاشه أهلها من تحولات وأحلام وانكسارات.
ومن هذه المنطقة المضيئة بين الأدب والتاريخ والذاكرة، يطل الروائي التونسي عماد علي قيدة، حاملاً مشروعه الروائي الأول «المنصرمون»، الذي حصد جائزة خالد خليفة للرواية في دورتها الثانية، عن عمل غير منشور، في احتفالية ثقافية احتضنتها مدينة اللاذقية بالتزامن مع الذكرى الثالثة لرحيل الروائي السوري خالد خليفة.
لم تكن الجائزة في هذه اللحظة مجرد تكريم لكاتب شاب، بل بدت وكأنها حوار أدبي بين ضفتين: تونس وسورية، وبين جيلين من الكتابة، وبين التاريخ بوصفه وثيقة، والرواية بوصفها ذاكرة حية.
«المنصرمون».. التاريخ عندما يدخل إلى الرواية
تذهب رواية «المنصرمون» إلى التاريخ السياسي التونسي، لكنها لا تتعامل معه بوصفه سجلاً جامداً للأحداث، بل تستحضره من خلال الشخصيات والأصوات والوثائق والتحولات الإنسانية.
وتتحرك الرواية بين القرن التاسع عشر ومرحلة ما بعد الثورة التونسية، في فضاء مدينة نابل، لتبني عالماً سردياً تتقاطع داخله الأزمنة، وتتجاور الشخصيات الواقعية والمتخيلة، ويتداخل الخاص بالعام، والفردي بالوطني، والتاريخي بالوجودي.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المشروع الروائي؛ فالتاريخ لا يظهر باعتباره خلفية للأحداث فحسب، وإنما يتحول إلى شخصية غير مرئية تلاحق أبطال الرواية وتعيد تشكيل أسئلتهم.
فالمدينة ليست مجرد مكان تجري فيه الوقائع، وإنما أرشيف حي للذاكرة؛ شوارعها وبيوتها وأصوات أهلها وأحداثها السياسية والاجتماعية تتحول إلى طبقات سردية، يستطيع الروائي من خلالها أن يعيد تركيب الماضي، لا كما حدث فقط، وإنما كما بقي في الوعي الإنساني.
نابل.. المدينة بوصفها ذاكرة روائية
في «المنصرمون» تصبح نابل أكثر من جغرافيا تونسية.
إنها فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية، ويصبح المكان شاهداً على تحولات التاريخ. ومن هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها محاولة للبحث عن الإنسان داخل المدينة، وعن المدينة داخل التاريخ.
فالمدن لا تحفظ آثارها في الحجر وحده؛ إنها تحفظها أيضاً في الحكايات، وفي الوجوه، وفي أسماء الشوارع، وفي البيوت التي تتغير وظائفها بينما تبقى ذاكرتها عالقة في المخيلة.
وهذه العلاقة بين المكان والذاكرة تجعل الرواية قريبة من مفهوم «أركيولوجيا الذاكرة»؛ إذ يقوم السرد بحفر طبقات الزمن، والكشف عما اختبأ تحت السطح من قصص وأصوات وتجارب.
تعدد الأصوات.. عندما يصبح التاريخ حواراً
أشارت لجنة تحكيم الجائزة إلى أن «المنصرمون» تعتمد بنية سردية مركبة، وتوظف تعدد الأصوات والوثائق، مع الحفاظ على تشويق رحلة البطل الشخصية والوطنية والوجودية.
وهذه التقنية تمنح الرواية طاقة خاصة؛ فالتاريخ الواحد لا يعود حقيقة ذات صوت واحد، وإنما يصبح مجموعة من الرؤى والذكريات والتأويلات.
كل شخصية تحمل جزءاً من الحقيقة، وكل وثيقة تفتح نافذة على زمن، وكل صوت يضيف زاوية جديدة إلى المشهد.
وهنا تتقاطع الرواية مع جوهر الفن ذاته: الحقيقة لا تُرى دائماً من زاوية واحدة.
فكما أن المصور لا يستطيع اختزال العالم في لقطة واحدة، فإن الروائي لا يستطيع اختزال التاريخ في رواية واحدة. كلاهما يحتاج إلى تعدد المنظورات، وإلى المسافة بين الضوء والظل، وبين ما يظهر وما يظل مختبئاً خلف الصورة.
من التاريخ السياسي إلى السؤال الوجودي
لا يبدو التاريخ في «المنصرمون» غاية نهائية، بل وسيلة للوصول إلى الإنسان.
فوراء الأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية يبرز سؤال أعمق: ماذا يفعل التاريخ بالإنسان؟
كيف يعيش الفرد داخل زمن متغير؟
كيف يحمل الماضي إلى المستقبل؟
وأين تنتهي الذاكرة الشخصية وتبدأ الذاكرة الوطنية؟
هذه الأسئلة تمنح الرواية بعدها الوجودي، وتجعل رحلة بطلها ليست رحلة في الجغرافيا والزمن فقط، بل رحلة داخل الذات أيضاً.
ومن هنا يمكن النظر إلى «المنصرمون» باعتبارها رواية عن الزمن الذي يمر، والإنسان الذي يبقى شاهداً عليه.
جائزة تحمل اسم خالد خليفة
تكتسب الجائزة أهمية إضافية من ارتباطها باسم الروائي السوري الراحل خالد خليفة، الذي ترك حضوراً بارزاً في الرواية العربية الحديثة، وجعل من الإنسان السوري والمدينة والذاكرة والتاريخ موضوعات مركزية في تجربته الأدبية.
أن تحمل جائزة للرواية الأولى اسم خالد خليفة يعني أن تكون الجائزة، في جانب منها، مشروعاً لاستمرار الحوار مع إرثه الأدبي.
ومن هنا تبدو لحظة تكريم عماد علي قيدة في اللاذقية ذات دلالة رمزية؛ فمدينة سورية تحتضن صوتاً روائياً تونسياً جديداً، بينما يظل اسم خالد خليفة جسراً يصل بين الأجيال والبلدان.
وقد سلّم الفنان فارس الحلو، عضو مجلس أمناء الجائزة، درع التكريم للفائز، بحضور مجموعة من الأدباء والفنانين، بينهم الروائي نبيل سليمان، والشاعران منذر المصري وحسين درويش، والفنان مجد فضة، والشاعرة ندى منزلجي، إلى جانب عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي والفني.
احتفالية تتجاوز لحظة الجائزة
لم يكن الحفل مجرد مراسم لتسليم جائزة.
فقد تضمن معرضاً لأغلفة روايات خالد خليفة، وقراءات شعرية وشهادات لأصدقائه، إضافة إلى عرض سينمائي وفقرات موسيقية.
وهكذا تشكلت الاحتفالية باعتبارها فضاءً متعدد الفنون: الرواية إلى جانب الشعر، والصورة إلى جانب السينما، والموسيقى إلى جانب الذاكرة.
وهذا التداخل بين الفنون يذكّرنا بأن الثقافة لا تعيش داخل صناديق منفصلة؛ فالرواية يمكن أن تكون صورة، والصورة يمكن أن تكون ذاكرة، والموسيقى يمكن أن تستعيد زمناً كاملاً، بينما تستطيع السينما أن تمنح الأدب وجهاً آخر.
الجائزة.. بوابة لصوت روائي جديد
تبلغ قيمة جائزة خالد خليفة للرواية ألف دولار أميركي، إضافة إلى نشر الرواية لدى دار نشر عربية، وتُمنح للعمل الروائي الأول المكتوب باللغة العربية وغير المنشور سابقاً.
وهذا الجانب مهم في المشهد الثقافي العربي؛ لأن كثيراً من الأصوات الروائية الجديدة لا تعاني من غياب الموهبة بقدر ما تعاني من صعوبة الوصول إلى فضاء النشر والتلقي.
ومن هنا تصبح الجائزة أكثر من مكافأة مالية؛ إنها منصة للعبور من المخطوط الخاص إلى المجال الثقافي العام.
وفوز عماد علي قيدة بـ«المنصرمون» يمنح تجربته فرصة لأن تدخل دائرة القراءة العربية، وأن تتحول الرواية من نص محفوظ في ملف إلى عمل قادر على الوصول إلى القراء، وإلى النقد، وإلى حوار أوسع حول التاريخ والهوية والذاكرة.
الرواية كآلة لاستعادة الزمن
ربما تكمن أهمية «المنصرمون» في أنها تطرح، من خلال السرد، سؤالاً يشبه السؤال الذي يواجهه المصور أمام صورة قديمة:
ماذا بقي من اللحظة بعد أن مضت؟
الصورة تحفظ جزءاً من الزمن في إطار، بينما الرواية تحفظه في اللغة.
لكن كليهما لا يستعيد الماضي كما كان تماماً؛ إنهما يعيدان تأويله.
الصورة تختار زاوية وضوءاً وإطاراً، والرواية تختار صوتاً وزمناً وشخصيات ومسارات. وفي الحالتين نحن أمام فعل إبداعي يقوم على انتقاء ما يستحق أن يبقى في الذاكرة.
ومن هذه الزاوية تصبح الرواية نوعاً من التصوير بالكلمات؛ فالروائي يصور الذاكرة باللغة، ويمنح الشخصيات حياة ثانية داخل النص.
عماد علي قيدة.. صوت جديد في الرواية العربية
مع «المنصرمون» يدخل عماد علي قيدة المشهد الروائي العربي من بوابة التاريخ، لكنه لا يقف عند حدود التاريخ.
إنه يحاول أن يقرأ التحولات السياسية والاجتماعية من خلال الإنسان، وأن يحول المدينة إلى ذاكرة، والوثيقة إلى مادة سردية، وتعدد الأصوات إلى وسيلة لإعادة بناء الحقيقة.
وهذا ما يجعل تجربة الروائي جديرة بالمتابعة، لا بوصفها تجربة فائزة بجائزة فحسب، وإنما بوصفها بداية لمسار يمكن أن يتطور في الأعمال المقبلة.
فالرواية الأولى ليست دائماً خاتمة مشروع، بل قد تكون المفتاح الأول لكون روائي كامل.
خاتمة: حين لا يموت الذين تكتبهم الرواية
في نهاية المطاف، لا تقاس الرواية فقط بعدد صفحاتها، ولا الجائزة بقيمة درعها أو مكافأتها.
ما يبقى هو قدرة الكتابة على إنقاذ شيء من الزمن من النسيان.
في «المنصرمون» يفتح عماد علي قيدة نافذة على تاريخ تونس، وعلى مدينة نابل، وعلى أجيال تتقاطع فيها الذاكرة مع السياسة والحب والهوية والوجود. وفي اللاذقية، حيث ارتبط الاحتفال بذكرى خالد خليفة، بدا المشهد وكأنه يقول إن الكاتب قد يغيب، لكن الكتابة تستطيع أن تواصل الطريق.
هكذا تصبح جائزة خالد خليفة للرواية أكثر من احتفاء بفائز جديد؛ إنها سلسلة ذاكرة أدبية تنتقل من صوت إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.
وحين يكتب الروائي التاريخ من داخل الإنسان، وحين تتحول المدينة إلى ذاكرة، والوثيقة إلى سؤال، والصوت الفردي إلى شهادة جماعية، تصبح الرواية أحد أشكال مقاومة النسيان.
وربما لهذا السبب تحديداً تبقى الرواية، مثل الصورة، قادرة على فعل ما لا يستطيع الزمن فعله:
أن تمنح اللحظة الغابرة حياةً أخرى.

أخر المقالات

منكم وإليكم