دراسة نقدية للأستاذ ياسين أرحال في رواية الحق في الرحيل لفاتحة مرشيد، بمجلة نقد 21، العدد 55، يونيو 2026.تحت عنوان: حركية السرد واستعادة الذات في رواية « الحق في الرحيل ».دراسة في حركية السرد واستعادة الذاتفي رواية “الحق في الرحيل” لفاتحة مُرشيد “لن أتوقف قبل أن أحقق لها أمنيتها في أن أكتب قصتنا” (ص 123)تشتغل رواية “الحق في الرحيل” (2013) للكاتبة المغربية فاتحة مرشيد، منذ كلمتها الأولى، داخل فضاء إشكالي يتجاوز التوصيفات الجاهزة للكتابة بوصفها فعلاً تواصلياً نحو اعتبارها ممارسةً أنطولوجيةً تعيد للذات المبعثرة تماسكها الرمزي. حين يفتتح السارد نصه بعبارة “كمصرٍّ على حتفه كنت تعلمين أنني قاتلك.. وكنت أنا أموت في كل تطرف…” (ص 12)، فإنه يضع القارئ أمام معادلة سردية مركبة: الصوت الذي يتكلم لا ينتمي كليا إلى عالم الأحياء، ولا يستسلم كليا لصمت الموتى. إنه صوتٌ يتخذ من المنطقة الوسيطة بين الكينونة والعدم موطئا لكتابته، فيحوّل الكتابة ذاتها إلى فعل استعادةٍ مؤجلٍ باستمرار، وإلى مراهنةٍ على إمكان استخلاص المعنى من قلب الفقد. ولهذا فالفرضية المركزية التي توجه هذه القراءة هي أن رواية “الحق في الرحيل” تبني، عبر بنيتها السردية المعقدة، حركة استعادة ذاتية مزدوجة: فمن جهة، يستعيد السارد/الكاتب فؤاد صوته المغتصب عبر سنوات من الكتابة بالأجرة، ومن جهة أخرى، تستعيد الكتابة نفسُها، بوصفها فعلا إنسانيا، سلطتها في مواجهة الفناء. وسنتتبع هذه الحركة عبر أربعة محاور كبرى:1. المستويات السردية وسؤال التوقيع: كيف ينتقل السارد من موقع “الشبح” إلى موقع “المؤلف”؟2. تشكيلات الزمن السردي وتجربة الفقد: كيف تبني الحركةُ الزمنيةُ المعقدةُ للسرد علاقتَها الخاصة بالذاكرة والموت؟3. التبئير والمسافة والصوت: كيف تتحول الذات الساردة عبر تدرجات الرؤية والمسافة؟4. الميتا-سرد وبلاغة الاعتراف: كيف تتأمل الروايةُ ذاتَها بوصفها كتابةً، وكيف يصبح هذا التأمل شرطاً لنجاتها؟المحور الأول: المستويات السردية – من غياب الاسم إلى سلطة التوقيعتفكيك “الشبح”: السارد في مواجهة وظيفتهيقدم “فؤاد” نفسه، في الحوار التأسيسي الذي يجريه مع “إيسلان”، بوصفه “كاتب شبح”. وهذا المصطلح، قبل أن يكون وصفا مهنيا، هو تلخيص مكثف لوضع وجودي قائم على المفارقة: الكاتب حاضرٌ في الأثر الذي ينتجه، لكنه غائب عن الاعتراف الرمزي بهذا الإنتاج. يستخدم جيرارد جنيت مفهوم “الصوت السردي” (voix narrative) للتمييز بين “من يتكلم؟” و”من يرى؟”. في حالة فؤاد، ثمة انفصام واضح بين الصوت الذي يتكلم في النص (وهو صوته هو، بوصفه الكاتب المأجور) والتوقيع الذي يحمله النص (وهو اسم الزبون/المؤلِّف). هذا الانفصام يمكن وصفه، بقليل من التوسع، بأنه شيزوفرينيا سردية مؤسسية: فؤاد ينتج خطابا لكنه مبعدٌ عن وضعية التلفظ (position d’énonciation) التي تمنح الخطاب سلطته الاجتماعية. غير أن الوضعية تتغير جذريا حين يتحول فؤاد إلى كتابة قصته الخاصة. في الفصل الثالث من الرواية، نقرأ هذا الإعلان الصريح: “لا أعلم كم من الوقت مرّ وأنا أكتب، ومازلت، وسأظل. لن أتوقف قبل أن أحقق لها أمنيتها في أن أكتب قصتنا. أغفو أحيانا من شدة التعب، لكنني أنتصب فجأة لأركض خلف عقارب ساعة تهرب بي إلى العالم الآخر” (ص 123). هذا المقطع يصف فعل الكتابة، ويبني له شرعية مضاعفة: شرعية الوفاء بالوعد المقطوع لإيسلان (“أمنيتها”)، وشرعية الضرورة الوجودية (“لأركض خلف عقارب ساعة تهرب بي”). الكتابة صارت واجبا أخلاقيا وفعلا لإنقاذ الذات من الانهيار. وهذا التحول في وضعية الكتابة هو، بالضبط، ما يسمح لفؤاد بالانتقال من “الكاتب الشبح” إلى “المؤلف” الذي نقرأ نصه.تراتب المستويات السردية: لعبة المرايايميز الناقد جيرارد جينيت بين ثلاثة مستويات أساسية في البناء السردي:- المستوى الخارجي-السردي (niveau extradiégétique): وهو مستوى فعل السرد الذي لا ينتمي إلى أي حكاية محكية.- المستوى الداخلي-السردي (niveau intradiégétique): وهو مستوى الأحداث المحكية داخل السرد الأول.- المستوى الميتا-السردي (niveau métadiégétique): وهو مستوى الحكايات المضمنة التي تُروى داخل الحكاية الداخلية.في رواية “الحق في الرحيل”، نجد تمفصلا واضحا بين هذه المستويات الثلاثة، لكن بتداخلات مقصودة تنتج معنى خاصا.المستوى الخارجي-السردي يتجسد في فعل الكتابة الذي يقوم به فؤاد بعد رحيل إيسلان. هذا المستوى لا يُمنح إلا إشارات متفرقة، لكنها إشارات حاسمة تذكّر القارئ بأن النص الذي بين يديه هو أثر لفعل إنتاجي راهن. نقرأ مثلا: “فتحت عيني لأجد خيوط الشمس قد اقتحمت سريري، بينما نور الغرفة لا يزال مشتعلا(…) نهضت حاملا ثقل ذاكرتي في اتجاه المطبخ، أعددت قهوة وعدت لألقي بثقل جسمي على أريكة الصالون” (ص 118). هذا المشهد يقع في زمن الكتابة، وهو يقدم لنا السارد في عزلته، محاطا بأشياء يومية، يكتب. إنه، بالمعنى الذي يريده جينيت، السارد الأول (narrateur premier)، وهو الذي يمتلك السلطة المطلقة على تنظيم السرد وتوجيهه. المستوى الداخلي-السردي هو مستوى الحكاية الإطارية: قصة حب فؤاد وإيسلان، منذ لقائهما في لندن إلى مرضها وموتها في أكادير. هذا المستوى يُروى بأثر رجعي، ويشغل معظم متن الرواية. لكن المهم هنا هو أن هذا المستوى ، ، في العمق، تأويل لاحق لتجربة معيشة. فؤاد، “يبني” معناه. حين يكتب. وهذا الفارق بين المعيش والمرويّ هو ما تسمح المستويات السردية بالكشف عنه.المستوى الميتا-سردي يتجلى في حكايات “الحلقة” التي يرويها الأصدقاء (ص 83-115). هذه الحكايات — قصة حميد عن لالة غيثة وخالته خدوج، قصة رشيد عن كلود المحامية، قصة يوسف عن شامة — تندرج داخل المستوى الداخلي-السردي، لكنها تشتغل بوصفها “مرايا” تعكس، على نحو مصغر، الثيمة المركزية للرواية: علاقة الحب بالفقد، والرغبة بالموت، والكتابة بالاختفاء. وبحسب تصنيف جينيت، تؤدي هذه الحكايات وظيفة “تفسيرية” (fonction explicative) إزاء الحكاية الإطارية: إنها تقدم متواليات من العلاقات الملتبسة التي تنتهي كلها بشكل من أشكال الموت الرمزي (انفصال، خسارة، خيانة)، ممهدةً بذلك للحظة الموت الفعلي لإيسلان.من المستويات إلى التوقيع: حركة الاستعادةالانتقال الجوهري الذي تؤديه الرواية هو الانتقال من موقع إلى آخر داخل هذا الترتيب السردي. يبدأ فؤاد رحلته السردية من داخل المستوى الداخلي-السردي، بوصفه شخصية تعيش الأحداث (يلتقي إيسلان، يحبها، يرافقها في مرضها). لكنه، بعد رحيلها، ينتقل إلى المستوى الخارجي-السردي، حيث يصبح الساردَ الذي يكتب القصة. وهذا الانتقال هو تحول في الوضع الأنطولوجي: فؤاد لم يعد “شبحاً” يكتب للآخرين، وإنما صار “مؤلفا” يكتب لنفسه، ويكتب عن نفسه. و يمكن التعبير عن هذا التحول بمصطلح “سلطة التوقيع” (autorité auctoriale). يقصد بهذا المصطلح، في الدراسات السردية المعاصرة، مجموعة الاستراتيجيات التي تجعل من السارد “مؤلفا” معترَفا به داخل النص وخارجه. في حالة فؤاد، تتحقق هذه السلطة عبر ثلاثة إجراءات متضافرة:1. الإعلان المتكرر عن فعل الكتابة (مثل ص 123)، مما يرسخ حضور السارد بوصفه منتجا للنص.2. التعليق على فعل الكتابة نفسه (مثل التأمل في طبيعة الكتابة بلا مسودات، ص 123)، مما يمنح السارد سلطة الميتا-سارد الذي يعرف أكثر من شخصياته.3. إهداء الكتابة إلى إيسلان، مما يربط الكتابةَ بفعل حب، ويمنحها مشروعية أخلاقية قبل أن تكون فنية: “لن أتوقف قبل أن أحقق لها أمنيتها في أن أكتب قصتنا” (ص 123).المحور الثاني: الزمن السردي والذاكرة – كتابة الفقدالنقطة الصفر: حاضر الكتابة بوصفه أفقا للمأساةيعلّمنا بول ريكور أن “الزمن يصير زمنا إنسانيا بقدر ما يُحكى”. وفي رواية فاتحة مرشيد، نجد أن هذا الحكي ينطلق من لحظة زمنية محددة هي “النقطة الصفر” للسرد: لحظة الكتابة ذاتها. هذه اللحظة لا تتطابق مع أي حدث من أحداث القصة، هي لحظة إنتاج الخطاب، لحظة التحويل الرمزي للتجربة إلى سرد. ويسميها جينيت “الزمن الحاضر للسرد” (présent de la narration).في الرواية، يتسم هذا الحاضر بثقل خاص: إنه حاضر من يكتب في عزلة الفقد، بعد أن فقد حبيبته وساعدها على الرحيل. يقول فؤاد: “قضيت الليلة جاثما أمام جثمانها أناجيها.. وعند بزوغ أول نهار بدونها، اتصلت بالشرطة” (ص 191).هذا المشهد، بتقشفه المدهش، يحدد زمنيا “النقطة الصفر” التي ينطلق منها فعل الكتابة. إنها لحظة ما بعد الكارثة، حيث لم يعد ثمة شيء يمكن فعله إلا الكتابة. وهكذا، تتأسس الكتابة بوصفها الرد الوحيد الممكن على الموت، الرد الذي لا يلغي الموت بقدر ما يمنحه معنى.الاسترجاع الشامل: “كتابة الذاكرة” بوصفها تأويلامن هذه النقطة الصفر، ينطلق استرجاع شامل (analepse générale) يعود إلى بداية الحكاية: لقاء فؤاد بإيسلان في ليلة رأس السنة بلندن. هذا الاسترجاع هو “تأويل”. لأن السارد، وهو يسترجع، يعرف النهاية التي لم تكن تعرفها الشخصية التي عاشت الأحداث. وهذه المعرفة اللاحقة تشحن كل استرجاع بطاقة مأساوية خفية، تجعل القارئ يقرأ كل لحظة سعيدة وهي محفوفة بظل ما سيأتي. يقدم جينيت تمييزا بين الاسترجاع “التكميلي” (analepse complétive) الذي يسد فجوات في المعلومة، والاسترجاع “التكراري” (analepse répétitive) الذي يعيد ذكر حدث سبقت الإشارة إليه. في “الحق في الرحيل”، يغلب النوع المختلط: الاسترجاع يكمل معلوماتنا عن ماضي الشخصيات، لكنه، في الآن نفسه، يكرر، من زاوية أخرى، ما نعرفه مسبقا عن النهاية. عندما يقول السارد عن لقائه الأول بإيسلان: “دخلت حياتي كإصرار من قدر.. كضفة بزغت من حلم” (ص 13)، فإن صيغة الماضي التي يستخدمها (“دخلت”) تحمل في طياتها المستقبل الذي نعرفه: هذه “الضفة” ستغرق في الموت، و”الحلم” سينتهي إلى كابوس. الاسترجاع هنا مُحمّل بتأويل الفقد.الاستباقات: نبوءات الموت المعلنةيقابل الاسترجاعات في الرواية سلسلة من الاستباقات (prolepses) التي تنذر بالنهاية منذ الصفحات الأولى. يسمي جنيت هذه الظاهرة “الاستباق التكراري” (prolepse répétitive)، حيث يُستبق حدثٌ ما مرات عدة قبل وقوعه الفعلي. ويكمن الفرق بين الاستباق والاسترجاع في أن الأول يخلق أفق انتظار لدى القارئ، بينما الثاني يعيد تشكيل ذاكرة الأحداث.في الصفحة الأولى من الرواية، نقرأ استباقا مكثفا: “كمصر على حتفه كنت تعلمين أنني قاتلك.. وكنت أنا أموت في كل تطرف يجعلني استثنائياً في عينيك. أتساءل أحياناً إن كنت مجنوناً قبل أن أحبك، أم أن حبك هو الذي رفعني إلى مستوى الخارق للعادة ليقطع صلتي بالواقع” (ص 12). لا يقدم هذا الاستباق معلومات محددة عن كيفية الموت أو زمانه، لكنه يبني أفقا تراجيديا يهيئ القارئ لاستقبال ما لا يمكن تفاديه. والأهم من ذلك، أنه يربط، منذ البداية، بين الحب والقتل: “كنت تعلمين أنني قاتلك”. هذه الجملة، التي سيتكشف معناها الكامل لاحقا، تزرع في النص بذرة السؤال الأخلاقي الذي سينفجر في ذروة الرواية: هل مساعدة الحبيب على الموت “قتل” أم “تحرير”؟ الاستباق هنا لا يجيب، فقط يفتح السؤال ويبقيه معلقا حتى النهاية.ويتكرر هذا الاستباق في مواضع لاحقة بشكل أكثر وضوحا، كما في: “كان ذلك آخر عناق لنا قبل أن أساعدها على الرحيل في هدوء وسكينة” (ص 190). هنا، يتحول الاستباق إلى إعلان صريح، كأنما السارد لم يعد يحتمل ثقل ما يعرفه، فباح به. هذا التدرج في حدة الاستباقات يخلق إيقاعا زمنيا متصاعدا، يقود القارئ خطوة خطوة نحو الذروة المأساوية.الزمن بوصفه جسدا يترتب على هذا الاشتغال المعقد للزمن السردي أن الزمن نفسه يصبح، في الرواية، “جسداً” للفقد. فليس الماضي ماضيا بسيطا يمكن استعادته بالذاكرة، وليس المستقبل مستقبلا مفتوحا يمكن انتظاره بالأمل. بدلا من ذلك، تتشابك الأزمنة في حركة دائرية: الماضي يستعاد ليُفهم في ضوء النهاية؛ والمستقبل يُستبق ليُتقبَّل؛ والحاضر، حاضر الكتابة، هو الزمن الوحيد الذي يُنتج معنى، لأنه الوحيد الذي يملك القدرة على تحويل الألم إلى سرد. هذا التصور للزمن السردي يلتقي مع تأملات بول ريكور حول العلاقة بين الزمن والسرد والهوية، حيث يرى أن “السرد هو المختبر الذي تُصاغ فيه الهوية السردية للذات”. فؤاد، إذ يكتب، يسترجع ماضيا جامدا، يصوغ منه هويته السردية: من “شبح” إلى “كاتب”، ومن “عاشق مفجوع” إلى “مؤلف يوقع”.المحور الثالث: التبئير والمسافة – تدرجات الرؤية وتحولات الذات التبئير الداخلي المزدوج: صوتان في صوت واحد يُعرِّف جيرارد جنيت التبئير (focalisation) بأنه “الإجراء الذي يتحكم في كمية المعلومة السردية، وفي المنظور الذي تُرى منه الأحداث”. في رواية “الحق في الرحيل”، يتبنى السارد، على مدى الرواية، تبئيرا داخليا ثابتا (focalisation interne fixe): كل ما نعرفه، نعرفه من خلال وعي فؤاد. غير أن هذا التبئير ليس أحادي البعد، هو مزدوج بنيويا. فهناك “فؤاد-الشخصية” الذي يعيش الأحداث في زمن القصة، وهناك “فؤاد-السارد” الذي يعرف نهاية هذه الأحداث ويكتب عنها بأثر رجعي.ينتج عن هذه الازدواجية ما يمكن تسميته بـ “الصوتين المتضافرين”. نلمس هذا التضافر في مقاطع مثل: “لم أكن أتخيل وأنا قادم إلى بيت الأستاذ خزعل، متمنياً لو أعفاني من هذه المجاملة، بأنني سأكون آخر من يغادر بصحبة إيسلان” (ص 18).في هذا المقطع، يمتزج صوت فؤاد-الشخصية (الذي ذهب إلى الحفل مكرها) بصوت فؤاد-السارد (الذي يعرف أن تلك الليلة كانت بداية كل شيء). المزج بين الصوتين يتم عبر استعمال صيغة الماضي التي تسمح للسارد بالتعليق الضمني على جهل شخصيته السابقة. وهكذا، يتحول التبئير الداخلي إلى أداة لإنتاج مسافة تأويلية بين الذات التي كانت والذات التي تكتب.المسافة المتغيرة: شعرية الاقتراب الابتعاد المسافة السردية (distance)، في منظور جيرارد جنيت بكمية التفاصيل التي يقدمها السارد للقارئ. النص “القليل المسافة” هو الذي يعرض الأحداث بدقة تفصيلية تجعل القارئ يشعر أنه يحضرها مباشرة (showing)، بينما النص “الكبير المسافة” هو الذي يلخص ويوجز (telling). في الرواية، تتغير المسافة باستمرار، وفقا لمنطق عاطفي صارم يمنح الأحداث أوزانها الوجودية.خذ مثلا وصف اللقاء الأول مع إيسلان: “رقصنا طويلاً وهي تتمایل بين ذراعي. قلت في نفسي: موجعة نظرتها، فيها بعض إعجاب، ولست شاباً بما يكفي لأصدق. وتهيأ لي سماعها تقول…” (ص 18). هنا، تقترب المسافة إلى أقصى درجة: نكاد نسمع أنفاس الشخصيتين، ونشهد تردد فؤاد الداخلي. أما حين يريد السارد أن يختصر سنوات من حياته قبل لقاء إيسلان، فإنه يلجأ إلى جملة واحدة لا تحتمل التفصيل: “تزوجت أنا بالصحافة وكتابة سير الآخرين دون أن أحسب حسابا للعمر الذي يجري” (ص 83). في هذه الجملة، تبلغ المسافة أقصاها: سنوات كاملة تُختزل في سطر واحد.ما يحكم هذا التغير في المسافة ليس اعتباطيا، هو “اقتصاد عاطفي” دقيق. الأحداث التي تستحق أن تُروى بتفصيل هي تلك التي تخص إيسلان، أو التي تؤدي إليها. أما ما عداها، مما يقع خارج دائرة هذا الحب المركزي، فيمكن اختزاله دون خسارة. الكتابة، في هذا التصور، هي ممارسة للانتقاء، وفي هذا الانتقاء، تكمن حريتها وجماليتها معا.التبئير “المقيد”: حين تتقاسم الذاتُ جهلَها مع القارئفي بعض المواضع الحاسمة من الرواية، يتخلى السارد عن معرفته اللاحقة لصالح وعي الشخصية آنذاك، فيخلق ما يسميه جنيت “تبئيرا مقيدا” (focalisation restreinte). هذا التقييد يظهر بوضوح في وصف بدايات مرض إيسلان: “صباح الخير حبيبي.. أحس بشيء من التعب… كأنه إرهاق.. ثم هناك قرحة في طرف لساني تزعجني.. افتحي فمك.. آه، فعلاً.. أكيد دقت شيئاً ساخناً جداً أو ربما هي عضة من أسنانك” (ص 134).في هذا المشهد، لا يعرف القارئ أكثر مما يعرفه فؤاد وإيسلان في تلك اللحظة: القرحة مجرد عارض عابر، والتعب مجرد إرهاق. السارد لا يستخدم معرفته اللاحقة ليخبرنا أن هذه بداية سرطان مميت. وهذا التقييد يخدم غرضاً درامياً عميقاً: إنه يجعل القارئ يعيش صدمة المعرفة كما عاشتها الشخصيات، متدرجة، نافية، ثم مقرة. وهكذا، يتحول التبئير المقيد إلى أداة لمشاركة القارئ في التجربة الوجودية للمرض، لا مجرد إعلامه بها. المحور الرابع: الميتا-سرد – الكتابة مرآةً لنفسها علامات الكتابة: النص الذي لا ينسى أنه مكتوبمن أبرز سمات رواية “الحق في الرحيل” كونها تنتمي إلى ما يُمكن تسميته بالنصوص التي تمارس “السرد الذاتي المراقبة” (récit auto-surveillé). في هذا النوع من النصوص، لا يكتفي السارد بالحكي، حيث يظل يذكّر قارئه بأن ما يقرؤه هو أثر لفعل كتابي. هذه التذكيرات إن صح التعبير، التي يسميها جنيت “علامات الميتا-سرد” (indices métanarratifs)، تتوزع في تضاعيف الرواية، وتخلق مستوى موازيا من السرد: سردٌ عن السرد نفسه.أبرز مثال على ذلك ما ورد في بداية الفصل الثالث: “لا أعلم كم من الوقت مرّ وأنا أكتب، ومازلت، وسأظل. لن أتوقف قبل أن أحقق لها أمنيتها في أن أكتب قصتنا. أغفو أحياناً من شدة التعب، لكنني أنتصب فجأة لأركض خلف عقارب ساعة تهرب بي إلى العالم الآخر. قد لا يكون لدي وقت لإعادة قراءة أو تصحيح ما أنا بصدد كتابته. لكن لا يهم، فالحياة نعيشها من دون مسودات ومن دون إمكانية تصحيح فقرة من فقراتها.. لتكن إذاً كتابة مثل الحياة” (ص 123). هذا المقطع يمثل، في كثافته، “إعلان شعرية” مصغرا. إنه يحدد، دفعة واحدة، ثلاثة مبادئ تحكم الكتابة في الرواية:1. مبدأ الوفاء: الكتابة وفاء بوعد (“أمنيتها في أن أكتب قصتنا”).2. مبدأ الضرورة: الكتابة ضرورة وجودية (“لأركض خلف عقارب ساعة تهرب بي”).3. مبدأ المماثلة: الكتابة تحاكي الحياة في شكل حدوثها (“لتكن كتابة مثل الحياة”).وهذا المبدأ الثالث هو الأخطر من منظور سردي. فأن يساوي السارد بين الكتابة والحياة معناه أنه يرفض التمييز التقليدي بين الفن والوجود، بين المصنوع والمعطى. الكتابة، في هذا التصور، ليست تمثيلا للحياة (بمعنى إعادة إنتاجها في وسط آخر)، بهذا التصور هي استمرار للحياة بوسائل أخرى. وهذا ما يفسر رفض السارد لإعادة القراءة والتصحيح: الحياة لا تُصحَّح، والكتابة التي تحاكي الحياة ينبغي ألا تُصحَّح أيضا. غير أن هذه المساواة المعلنة بين الكتابة والحياة تظل، بالطبع، وهما أدبيا. فالنص الذي بين أيدينا هو محكم البناء إلى أبعد حد. والادعاء بنفي الصقل هو، في العمق، جزء من الصقل ذاته. إنه، كما كان سيقول رولان بارت (1968)، “تأثير الواقعي” (effet de réel) الذي يشتغل على إقناع القارئ بأن ما يقرؤه ليس بناء أدبيا بل قطعة من الحياة.حكايات “الحلقة”: مختبر السرد تشكل حكايات الأصدقاء في “الحلقة” (ص 83-115) بنية سردية موازية تستحق تحليلا مستقلا. في هذه الحكايات، يتحول كل صديق إلى سارد داخلي (narrateur intradiégétique) يروي حكايته الخاصة أمام جمهور من المستمعين (بمن فيهم فؤاد نفسه). وهذه البنية تحقق، في الآن نفسه، ثلاث وظائف: الوظيفة التفسيرية: كل حكاية تقدم “نسخة” من العلاقة بين الحب والموت تعكس، على نحو ما، الحكاية المركزية. حكاية حميد عن لالة غيثة (ص 99-110) تقدم نموذجا للحب بوصفه انتهاكا مستمرا يمارَس في ظل الموت الرمزي للزوج المخدوع؛ وحكاية رشيد عن كلود (ص 90-113) تقدم الحب بوصفه لعبة قاسية تنتهي بالخسارة المالية والنفسية؛ وحكاية يوسف عن شامة (ص 113-117) تقدم الحب بوصفه براءة تُذبح على مذبح الأعراف الاجتماعية. هذه النسخ كلها تمهد، عبر التكرار والاختلاف، للحكاية المركزية التي ستجمع بين الحب والموت الفعلي لا الرمزي. ثم الوظيفة التباطئية: بحسب جنيت)، تؤدي القصص المضمنة وظيفة “تمطيط” (expansion) للسرد، تزيد من حجم النص وتخلق “تباطؤاً سرديا” (ralentissement narratif). في رواية عن الموت الوشيك، يتخذ هذا التباطؤ دلالة خاصة: إنه محاولة لتأخير النهاية عبر الحكي. لكن، خلافا للنموذج الشهرزادي الذي يحكي لتأجيل الموت، تحكي شخصيات “الحلقة” لتقبل الموت لا لتأجيله. فالنهاية معروفة سلفا، والحكايات ليست سوى محطات في رحلة السارد نحو تقبل هذه النهاية. و كآخر وظيفة نجد، الوظيفة التمثيلية (المحاكاة السردية): في “الحلقة”، نجد نموذجا مصغرا لعملية السرد نفسها: هناك سارد (الصديق الذي يحكي)، وهناك مستمعون (الأصدقاء الآخرون)، وهناك تعليقات على الحكي (مقاطعات، تصفيق، تعليقات ساخرة). هذه البنية تحاكي، على نحو مصغر، العلاقة بين فؤاد-السارد والقارئ الضمني. إنها تذكرنا بأن السرد لا يوجد إلا في إطار تواصلي، وأن الكتابة، مهما بدت فردية، هي دائماً حوار.خاتمة: الكتابة في مواجهة الموت ينتهي فعل الكتابة في الرواية إلى مشهد يتجاوز الكتابة نفسها: «قضيت الليلة جاثماً أمام جثمانها أناجيها.. وعند بزوغ أول نهار بدونها، اتصلت بالشرطة” (ص 191). هذا المشهد الأخير، بتقشفه الذي يبلغ حد القسوة، يذكّرنا بأن الكتابة، مهما بلغت قدرتها على استعادة الذات وإنتاج المعنى، لا تستطيع أن تلغي الموت. فؤاد، بعد أن كتب قصتهما، يظل وحيدا أمام جثمان حبيبته. غير أن شيئا ما تغير: إنه لم يعد “شبحا”. لقد صار رجلا يملك اسما، وقصة، ونصا. إنه صار “مؤلفا”. الكتابة، إذن، لا تمنح النجاة بالمعنى الديني أو الغيبي للكلمة. لكنها تمنح معنى للفقد، وتحوّل الصمت إلى كلام، والغياب إلى حضور نصي. وهذا، في حد ذاته، هو الشكل الوحيد الممكن للخلود الإنساني: أن تترك أثرا، أن توقّع اسما، أن تقول: كنت هنا، أحببت، كتبت.وهكذا، تقدم لنا رواية “الحق في الرحيل” درسا في طبيعة الأدب ذاته. الأدب لا ينقذنا من الموت، لكنه يمنحنا، ولو للحظة، وهما بأننا قادرون على أن نحكي حياتنا، وأن نجعل من هذا الحكي شكلا من أشكال المقاومة. الكتابة، كما تمارسها هذه الرواية، هي “الحق في البقاء” بعد أن يُستنفد “الحق في الرحيل”.أنجزه: أرحال ياسين: كاتب مغرب
#فاتحة مرشيد#مجلة ايليت فوتو ارت..


