ألبوم عائلة الخازن … عدسة تروي تاريخ لبنان
محمد تركي الربيعو
حين نفتح ألبوم صور قديم، فإن أول ما يجذب انتباهنا هو الوجوه. لكن مع مرورالزمن، تتغير طريقة قراءة الصورة. تصبح الملابس أكثر أهمية من أصحابها، والبيوت أكثر إثارة من سكانها، ويتحول الأثاث، والحدائق، والسيارات، وطريقة الجلوس، وحتى الأشياء الصغيرة الموضوعة على الطاولات، إلى مفاتيح لفهم مجتمع كامل. فالصورة تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وتختزن كثيراً من العادات والقيم والعلاقات الاجتماعية، التي يصعب العثور عليها في الوثائق المكتوبة. ولهذا أصبحت الصورة الفوتوغرافية مصدراً مهماً لقراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي، بعد أن ظلت طويلاً تُعامل بوصفها وسيلة لحفظ الذكريات.
تنطلق الباحثة اللبنانية ياسمين طعان من هذه الفكرة في كتابها «قراءة صور ماري الخازن: الجندر، والتصوير الفوتوغرافي، ولبنان في عهد الانتداب». وتعتمد في دراستها على أرشيف المصورة اللبنانية ماري الخازن لإعادة رسم ملامح المجتمع اللبناني، خلال العقود الأولى من القرن العشرين. فالصور تكشف تفاصيل البيوت، والعلاقات العائلية، والطبقات الاجتماعية، والثقافة المادية، وأنماط الترفيه، وموقع المرأة، والتحولات التي رافقت قيام دولة لبنان الكبير وبداية الانتداب الفرنسي.
تبرز قيمة الكتاب أيضاً في منهجه البحثي.. إذ حولت المؤلفة الصور إلى نقطة انطلاق لعمل ميداني واسع، زارت خلاله قصر آل الخازن في زغرتا، وتتبعت الأماكن التي التقطت فيها الصور، وقارنت بين ما يظهر فيها وما بقي من أثاث ولوحات ومقتنيات، كما أجرت مقابلات مع أفراد العائلة لاستعادة تفاصيل الحياة التي أحاطت بماري الخازن. وهكذا تحول الألبوم العائلي إلى وثيقة تاريخية تساعد على قراءة المجتمع اللبناني، في مرحلة شهدت انتقاله من أواخر العهد العثماني إلى بدايات الحداثة.
من هي ماري الخازن؟

ولدت ماري الخازن عام 1899 في مدينة زغرتا شمال لبنان، وتوفيت عام 1983 بعدما عاشت واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ البلاد. فقد عاصرت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، والحرب العالمية الأولى، وقيام دولة لبنان الكبير عام 1920، والانتداب الفرنسي، والاستقلال عام 1943، ثم السنوات الأولى من الحرب الأهلية بعد عام 1976.. أما الصور التي صنعت شهرتها اليوم، فقد التقطت معظمها خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت تغيرات اجتماعية وثقافية واسعة، مع انتشار التعليم، واتساع التأثير الأوروبي، وظهور أنماط جديدة في الحياة المدنية.
تنتمي ماري إلى واحدة من أبرز العائلات المارونية في شمال لبنان، وهي عائلة ارتبط اسمها بالنفوذ السياسي والاجتماعي منذ العهد العثماني. وأتاح لها هذا الموقع الحصول على تعليم جيد، وقدراً واسعاً من الحرية، إلى جانب الإمكانات التي مكنتها من اقتناء كاميرا في وقت ظل التصوير فيه حكراً على عدد محدود من الهواة والمحترفين.
لكن ما منح تجربتها مكانتها الخاصة هو علاقتها بالكاميرا. فقد رافقتها في معظم تفاصيل حياتها، وسجلت بعدستها أفراد الأسرة، والأصدقاء، والخدم، والمزارعين، والرحلات، والحدائق، والخيول، والسيارات، والقرى، والاحتفالات. وخلفت بذلك مئات الصور، التي أصبحت اليوم من أغنى الأرشيفات الخاصة بتاريخ لبنان الحديث. وتكشف هذه الصور عن شخصية مستقلة ومختلفة عن الصورة التقليدية للمرأة الأرستقراطية في ذلك الزمن. اختارت ماري ألا تتزوج، وكرست جانباً كبيراً من حياتها للتصوير، والقراءة، والسفر، وركوب الخيل، والصيد، كما عرفت بحبها للحيوانات، التي كانت تربيها داخل منزل العائلة. وتنعكس هذه الاهتمامات بوضوح في أرشيفها، الذي يقدم صورة لامرأة فضولية، كثيرة الحركة، شغوفة بتوثيق كل ما يحيط بها.
أرشيف خرج من النسيان

بقي أرشيف ماري الخازن بعيداً عن اهتمام الباحثين لعقود طويلة بعد وفاتها. وظلت صورها محفوظة داخل صناديق العائلة إلى أن أعيد اكتشافها، وانتقلت إلى المؤسسة العربية للصورة، حيث بدأت رحلة جديدة مع الباحثين والمؤرخين الذين وجدوا فيها مادة استثنائية لدراسة المجتمع اللبناني في النصف الأول من القرن العشرين. وتوضح الباحثة أن عملها بدأ بالبحث عن الذاكرة المرتبطة بماري قبل البحث في الصور نفسها. فأجرت مقابلات مع عدد من أفراد العائلة، واكتشفت أن بعضهم لم يكن يعرف شيئاً عن نشاطها في التصوير، بينما عجز آخرون عن التعرف إليها في عدد من الصور. ويكشف ذلك كيف يمكن للذاكرة العائلية أن تتآكل مع مرور الزمن، حتى تختفي معها سيرة شخص ترك وراءه أرشيفاً بصرياً بالغ الأهمية.
امتدت رحلة البحث إلى قصر آل الخازن في زغرتا، حيث تجولت الباحثة في الغرف التي عاشت فيها ماري، وبدأت بمقارنة الأثاث واللوحات والثريات والمصابيح والتماثيل الظاهرة في الصور بما بقي داخل القصر. وأتاحت هذه المقارنات إعادة بناء البيئة التي خرجت منها تلك الصور، وربط كل صورة بالمكان الذي التقطت فيه، وبالأشخاص الذين عاشوا فيه. وبفضل هذا العمل، تجاوزت الصور حدود السيرة الشخصية، وأصبحت مدخلاً لقراءة المجتمع اللبناني نفسه. فكل غرفة، وكل قطعة أثاث، وكل حديقة، وكل تفصيل صغير يظهر في الصورة، يحمل دلالة تتعلق بطريقة العيش، ومستوى الثراء، والعلاقات الاجتماعية، والذوق الفني، والثقافة السائدة في تلك المرحلة. ومن هنا تتحول الصورة من ذكرى عائلية إلى وثيقة تاريخية قادرة على سرد قصة مجتمع كامل.
مجتمع وحداثة
تكشف صور ماري الخازن مجتمعاً يقف على أعتاب مرحلة جديدة. فما تزال ملامح الريف اللبناني حاضرة في البيوت الحجرية، والحقول، وأشجار الزيتون، والعلاقات العائلية التقليدية، في وقت بدأت فيه الحداثة الأوروبية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، من العمارة والأثاث إلى وسائل النقل والأزياء. وتبدو معظم الصور وكأنها أعدت بعناية، إذ اختيرت أماكن التصوير، والملابس، وطريقة وقوف الأشخاص أمام العدسة بعناية ،تعكس المكانة الاجتماعية والذوق الشخصي، وتقدم صورة عن المجتمع كما أراد أن يرى نفسه في تلك المرحلة.
كما تكشف القصور والبيوت الكبيرة جانباً مهماً من هذا العالم. فالصالونات الواسعة والسجاد الشرقي، والثريات الكريستالية، واللوحات الزيتية، والأثاث الأوروبي المستورد، تعكس أسلوب الحياة الذي ساد بين العائلات الميسورة في شمال لبنان خلال العقود الأولى من القرن العشرين. وفي المقابل، تنتقل العدسة إلى الحقول والطرقات الترابية والقرى، حيث يظهر المزارعون والعمال في مشاهد يومية تعكس ارتباط المجتمع بالأرض والزراعة. ومن خلال هذا التنقل بين فضاء القصر والريف، تقدم ماري الخازن صورة متكاملة لمجتمع جمع بين النفوذ التقليدي والانفتاح التدريجي على مظاهر الحداثة.
وتحتل العائلة موقعاً مركزياً في هذا الأرشيف. فالصور توثق الأجداد والآباء والأمهات والأبناء في المناسبات الدينية، والزيارات، والنزهات، والاحتفالات، بينما تعكس طريقة توزيعهم داخل الصورة مكانة كل فرد ودوره داخل الأسرة. ويظهر الخدم والبستانيون والعاملون في القصر في عدد من المشاهد، أحياناً إلى جانب أفراد العائلة، وأحياناً في خلفية الصورة، في مشاهد تكشف جانباً من البنية الاجتماعية التي حكمت الحياة اليومية في البيوت الكبيرة.
وتعد الأزياء من أكثر العناصر قدرة على قراءة التحولات التي عاشها المجتمع اللبناني في تلك المرحلة. فقد ظهر الرجال ببدلات أوروبية أنيقة، وربطات عنق، وقمصان ذات ياقات عالية، وقبعات أصبحت رمزاً للطبقة المتعلمة والميسورة، بينما احتفظ آخرون بالملابس التقليدية التي كانت ما تزال حاضرة في الريف وبعض المدن. ويعكس هذا التنوع مرحلة انتقالية لم تحسم فيها الهوية البصرية للمجتمع بعد، إذ تعايشت الأزياء المحلية مع الموضة الأوروبية لسنوات طويلة. أما النساء، فتبدو صورهن سجلاً بصرياً لتبدل الذوق الاجتماعي. فالفساتين الطويلة، والقبعات المزينة، والقفازات، والأحذية الجلدية، والمظلات الشمسية، والحقائب الصغيرة، والمجوهرات، كلها تعكس تأثير دور الأزياء الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، في أوساط العائلات الثرية. ولم تكن الملابس مجرد تعبير عن الأناقة، بل حملت دلالات اجتماعية وثقافية، إذ عكست مستوى التعليم، والانفتاح على الخارج، والقدرة الاقتصادية، كما عبرت عن رغبة هذه الطبقة في الاندماج مع أنماط الحياة الحديثة التي أخذت تنتشر في لبنان خلال سنوات الانتداب.
وتحتل ماري الخازن نفسها مكانة خاصة داخل هذا المشهد. ففي عدد من الصور ظهرت مرتدية سراويل وملابس مخصصة للصيد أو لركوب الخيل، وهي اختيارات بدت جريئة بالنسبة لامرأة تنتمي إلى بيئة محافظة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. كما ظهرت وهي تمسك ببندقية الصيد، أو تمتطي حصاناً، أو تقف أمام عدستها بثقة وارتياح، بعيداً عن الوقار الجامد الذي طبع صور النساء في ذلك العصر. ولعل هذه المشاهد تظهر شخصية اختارت أن تعيش وفق قناعاتها، وأن تستخدم الملابس أيضاً وسيلة للتعبير عن استقلالها وحضورها في الفضاء العام.
تجتمع هذه التفاصيل، وغيرها من التفاصيل الأخرى الموجودة في الصور، لتقدم صورة غنية عن المجتمع اللبناني في العقود الأولى من القرن العشرين. فالتاريخ لا يظهر هنا في المعارك والاتفاقيات والقرارات السياسية، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية؛ في غرفة جلوس تتوسطها ثرية كريستالية، أو في نزهة عائلية إلى الريف، أو في فستان يعكس أحدث صيحات الموضة الأوروبية، أو في قبعة اختيرت بعناية، أو في الطريقة التي وقف فيها أفراد الأسرة أمام الكاميرا. وبعد مرور قرابة قرن على التقاط تلك الصور، تزداد قيمة هذه المشاهد لأنها تحفظ حياة الناس كما كانت، وتفتح نافذة على مجتمع يتغير بهدوء، تاركاً آثاره في البيوت، والملابس، والوجوه، وكل ما التقطته عدسة ماري الخازن..
كاتب سوري


