

عاليو مشمّل يا مشمّلي”… حين غنّى الريف السوري شوقه للأرض والأحبة..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ليست الأغنية الشعبية مجرد كلمات تُردَّد على الألسنة بل هي ذاكرة جماعية تحفظ ما عجزت الكتب أحيانًا عن حفظه. وفي التراث الغنائي السوري القديم تبرز أغنية “عاليو مشمّل يا مشمّلي” كواحدة من تلك الأهازيج التي تختزن في كلماتها البسيطة عالماً كاملاً من المشاعر الإنسانية والرموز الاجتماعية والحنين إلى زمن مضى. أغانٍ لا تُغنّى فحسب بل تُعاش.
أغانٍ تشبه رائحة التراب بعد أول مطرة، وصوت السنابل حين يمر بينها النسيم ودفء السهرات الريفية حول مواقد الحطب. ومن بين تلك الكنوز التي ما زالت تحفظ نبض الذاكرة الشعبية السورية تبرز أغنية:
عاليو مشمّل يا مشمّلي
يابو الحطاطة منيّلي
يامشمّل يا مشمّلي
ياوليف الروح ياغالي
ياويل يا ويلي شوبقي
راحوا الحبايب شوبقي
قولك ياولفي منلتقي
ويرجع زماني الأوّلي
هذه الكلمات القليلة تحمل في أعماقها حكاية طويلة من الشوق والحنين والرجاء وكأنها خرجت من قلب فلاحٍ كان يحدّق في الأفق البعيد منتظراً المطر أو عودة حبيب أو انقضاء غربةٍ طالت.
منذ المطلع الأول، “عاليو مشمّل يا مشمّلي”، يرتفع الصوت كنداءٍ قديم يقطع السهول والتلال. إنها ليست مجرد عبارة غنائية بل صرخة وجدانية تنطلق نحو السماء. أما “المشمّل” فهو الرجل الذي يلف رأسه بالشملة ذلك الرداء التقليدي الذي رافق أبناء الريف لعقود طويلة وأصبح رمزاً للهيبة والوقار والحكمة. وحين يخاطبه المغني فإنه لا يخاطب شخصاً بعينه بقدر ما يخاطب صورة الإنسان النبيل الذي تلجأ إليه القلوب ساعة الضيق.
وفي قولها “يابو الحطاطة منيّلي” تتجلى ملامح البيئة الريفية بكل تفاصيلها. فالحطاطة أو غطاء الرأس التقليدي لم يكن مجرد لباس بل علامة انتماء وهوية ومكانة اجتماعية. أما “منيّلي” فتحمل معنى التمني والرجاء وكأن المغني يبث شكواه إلى رجل يحظى بالاحترام والتقدير طالباً منه العون أو الدعاء أو المواساة.
ثم يقترب النص من القلب أكثر حين يقول:
“ياوليف الروح ياغالي”
وهنا تتحول الأغنية إلى رسالة حب خالصة. فالوليف ليس حبيباً عادياً بل هو رفيق الروح وساكن الوجدان ذلك الإنسان الذي يصبح حضوره جزءاً من معنى الحياة نفسها. وفي كلمة “يا غالي” تختصر الأغنية كل ما يمكن أن يقال عن المحبة الصادقة.
لكن سرعان ما تتسلل نبرة الأسى:
“ياويل يا ويلي شوبقي
راحوا الحبايب شوبقي”
إنه السؤال الإنساني الأبدي بعد الفقد. ماذا يبقى حين يغيب الأحبة؟ ماذا يبقى من المواسم حين تجف الحقول؟ وماذا يبقى من البيوت حين تغادرها الأصوات التي كانت تملؤها دفئاً؟ هنا تتحول الأغنية إلى مرثية رقيقة للزمن الجميل وإلى اعتراف مؤلم بأن بعض الراحلين يأخذون معهم جزءاً من أرواحنا.
ومع ذلك لا تستسلم الأغنية للحزن. ففي قلب الشجن يطل الأمل:
“قولك ياولفي منلتقي”
إنها جملة صغيرة لكنها تحمل إيماناً كبيراً. فالقلب الشعبي مهما أثقلته الخسارات يبقى مؤمناً باللقاء. لقاء الأحبة أو لقاء الفرح أو حتى لقاء الأيام التي كانت أكثر رحمة وأقل قسوة.
ثم تأتي الخاتمة التي تختصر روح الأغنية كلها:
“ويرجع زماني الأوّلي”
وما “الزمان الأول” هنا إلا صورة مثالية محفورة في الذاكرة زمن الخصب والمطر زمن الأهل والجيران زمن العلاقات الصادقة التي كانت تجمع الناس حول رغيف التنور وموقد النار وظلال الزيتون. إنه الحنين إلى عالم يبدو أبسط وأكثر دفئاً وإنسانية.
ولعل سر بقاء هذه الأغنية حتى يومنا هذا أنها لم تتحدث عن زمن محدد أو حادثة بعينها بل تحدثت عن الإنسان نفسه: عن حنينه وعن خوفه من الفقد وعن أمله الدائم بعودة ما يحب. ولهذا ظل صداها يتردد في قرى الساحل السوري وسهوله تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الحكايات القديمة.
وربما لهذا السبب أيضاً نشعر كلما سمعنا:
“عاليو مشمّل يا مشمّلي…”
أن صوتاً قديماً ينهض من أعماق الذاكرة يحمل معه رائحة الحقول المبتلة بالمطر وأصوات الحصادين وحنين الأجداد إلى أيام مضت لكنها ما زالت تسكن وجدان المكان. فالأغنية الشعبية لا تموت ما دام هناك من يرددها وما دام في القلب متسع لذكرى جميلة وفي الروح شوق إلى “الزمان الأوّلي”.
وقد رأى بعض الباحثين في هذا اللون الغنائي الشعبي امتداداً بعيداً لذاكرة زراعية ضاربة في القدم في الساحل السوري حيث ظل الإنسان عبر العصور يرفع صوته بالغناء والدعاء أملاً بالمطر والخصب وعودة الخير إلى الأرض.
عاشق اوغاريت..غسان القيم..
تصميم الفيديو بالذكاء الإصطناعي المهندس علي طراف..
الأغنية بصوت المطرب الفنان الاستاذ سامر احمد.


