عائلة أبو جاسم الغجري.حطّت خيمها وقطعانها في أرض بور وصاروا جيراناً لكل أهل القرية.وحكاية فاطمة زوجة الابن جاسم ، هي أجمل امرأة.

ما زال حقل القمح وإن كان “حصيدة ” يذكرني بعائلة البدو التي سكنت الضيعة ، عائلة أبو جاسم  حطّت خيمها وقطعانها في أرض بور وصاروا جيراناً لكل أهل القرية .
  يمشي الرجل ويتبعه قطيع الخراف و ماعز و كلب لا يسمح للقطيع بالابتعاد ، إلى جانبه أم جاسم بحركتها المتمايلة ، وغطاء رأسها الملون .
فاطمة زوجة الابن جاسم ، هي أجمل امرأة رأتها عيني ، لم ألق لجمالها مثيلاً في المجلات ولا التلفزيون ولا بعد أن انفتح العالم عبر الإنترنت ، ما زالت فاطمة في عيني منبع للرؤية البصرية الجمالية  .
امرأة ممشوقة القد ، امتلاء أنثوي تظهره النسمات التي تلصق جلابيتها على جسدها ، صدر  ممتلئ و خصر نحيف  ، سمراء بوجه قلبي و عيون بها زيتون ضاحك ، رموشها سود و كذلك حاجباها ، أنف صغير و فم قلبي مملوء بالورد .
تضع فاطمة فوق رأسها خرقاً ملفوفة كعش لتكون قاعدة لطنجرة اللبن والجبنة التي تبيعها للجيران .
أم جاسم أي حماة فاطمة  أرادتني زوجة لابنها الأصغر ، كنت في الرابعة عشرة من عمري ، قالت لوالدتي :
لو صارت عروس لابني لأتقلها بالدهب .
ابتسمت أمي لها وقالت : لسا بنتي صغيرة و رح تكفي مدرستها ، علمها أهم من الدهب .

كنت أرى قطيعهم قادماً يثير حوله و فوقه الغبار  ثم يسرح في أرضنا التي تم حصد قمحها و بقيت أعواد منها ترعاها الخراف و تمنح  “زبلاً ” للأرض من روثها ، تلك مقايضة مثمرة .

فاطمة كانت فرجتي الأجمل و هي تتحرك بين القطعان و حين تقرفص ممسكة بعود خشبي ترسم على التربة  خربشات ، أراه مشهداً سينمائياً ، أتابعها كشخصية خارجة من كتاب ، أو ممثلة فاتنة ، صوتها وهي تنادي الخراف ، حركات يدها ، و كنت أندهش بالخفة التي تسير بها  بحذائها المفتوح بين أعواد القمح الناتئة.
غادروا القرية و عادوا لديارهم لكن فاطمة عشعشت في ذاكرتي كبطلة مؤجلة ، و لأنها كثيرة بنظري، كلما استفاق بعضها ، يصحو الخيال معها و تجذب بنات أفكاري ليتحدثن عنها .
مرت أعوام و مضت السنوات ، كنت أجلس مع  أهلي أمام بيتهم  ، بجانب البيت صيدلية ، توقفت سيارة قربها و نزل منها شاب في الخمسين بقد مياس أسمر وسماره زين ، يرتدي بنطلون جينز و جاكيت أسود رسمي قليلا ، يشبه الممثل  دانزل واشنطن  يقف و ينظر لنا ، ثم يتجه صوبنا .
أدندن ممازحة : أسمر يا سمراني ….
الرجل يقترب أكثر ، و بعضنا تساءل : من هو ؟
لكنه رمى السلام وانحنى فوق أمي يقبل رأسها و يسألها : كيفك يا خالة ؟
ثم مال ليقبل يدها كأم له ،عرفته والدتي وحضنته : أهلين خالتو عيني أنت ، ما شاء الله ، صاير  رجال .
عرفت حينها أنه الرجل الذي كانت والدته ” رح تقلني بالدهب ”  لو صرت زوجة له .
جلس يعيد مع والديّ ذكريات السنوات التي عاشها في قريتنا و كيف جعلت منه رجلاً  مختلفاً في ” ديرته ” ….و كنت أفكر
هل كنت سأكون أنا لو أجبرني والدي على الزواج منه .
ما النسخة التي كنت عليها ، و هل ما أعتقده أصيل بي كالحرية والتمرد والبحث والشك كان سيبقى ، الرؤية البصرية والجمالية التي زرعتها فاطمة البدوية هل ستستمر  و أنا أعيش حياتها ؟
تخيلت  أني أرعى الغنم ، و في البراري تحت شجرة أجلس و في حضني لاب-توب أكتب عليه ،و أستمع لأوبرا كارمن ..أهو ضرب من السوريالية ؟

أخر المقالات

منكم وإليكم