صورة عنترة بن شداد بين مسرحية عنترة لأحمد شوقي ومسرحية عنترة لأحمد سويلم

بقلم د.علي خليفة

(١)

عنترة بن شداد من أشهر الشخصيات التي عاشت في العصر الجاهلي، وشهرته الكبيرة تعود لأنه كان شاعرا كبيرا، وكان أيضا فارسا شجاعا، وتروى عنه حكايات كثيرة تدل على ذلك.ويمكننا أن نتعرف على شخصية عنترة من خلال تتبع أخباره التي وصلتنا في بعض كتب التراث العربي، ومن خلال تأمل شعره في ديوانه، كما أننا نرى صورة أخرى لعنترة تختلف كثيرا عن صورته التي نتعرف عليه فيها من تتبع أخباره وشعره في ديوانه، وهذه الصورة الأخرى نراها في سيرته الشعبية الطويلة التي احتوت على خوارق وأمور عجيبة يستحيل حدوثها.وهناك خطوط في حياة عنترة بن شداد تتلاقى فيها السيرة الشعبية عن عنترة مع الأخبار التي رويت عنه، وذكرت في بعض كتب التراث، ودار الحديث عن بعضها في شعره، وتتمثل هذه الخطوط العريضة في أن عنترة أنجبه شداد العبسي من جاريته الحبشية زبيبة، وأن “شداد” لم يعترف به ابنا له، كعادة رجال الجاهلية في عدم نسبة أبنائهم من الإماء إليهم إلا لو أتوا بأعمال عظيمة؛ ولهذا رأينا “شداد” يضطر للاعتراف بعنترة ابنا له حين هجم على بني عبس قوم شداد بعض المغيرين، واحتاجوا لمساعدة عنترة لهم في هذا الموقف.وأيضا من هذه الخطوط التي جاءت في السيرة الشعبية لعنترة واتفقت مع ما جاء في بعض كتب التراث العربي وديوانه الشعري أنه أحب ابنة عمه عبلة، وكثر غزله العفيف فيها، وتنتهي سيرته الشعبية بزواجه منها، ولكننا لا نرى في أخباره التي ذكرت في كتب التراث وفي شعره ما يؤكد حدوث هذا الزواج.

(٢)

وقد استلهمت شخصية عنترة بن شداد بأبعادها الواقعية في أخباره في كتب التراث العربي وفي شعره، وأخباره ذات الأبعاد الأسطورية الخارقة – في بعض الرويات والمسرحيات وفي بعض الأشعار، والأفلام السينمائية؛ مما يدل على أن شخصيته تحتوي على أبعاد درامية مهمة، ويمكن استغلاله لبث بعض الرموز والإسقاطات على عصرنا.وسأكتفي في هذا المقال بعرض شخصية عنترة بن شداد في مسرحية عنترة لأحمد شوقي، وفي مسرحية عنترة لأحمد سويلم، وأعرض أوجه الاتفاق والاختلاف في تصويرهما شخصيته في هاتين المسرحيتين.

(٣)

ويظهر عنترة في مسرحية عنترة لأحمد شوقي فارسا شجاعا وشاعرا عفيفا، وقد قصر غزله على حبيبته عبلة، وكان يظن في البداية أنها لا تحبه إلا لشعره وفروسيته، ولكنه بعد أن أنقذها من مع غيرها من نساء عبس من لصوص أغاروا على قبيلة عبس – اعترفت له أنها تحبه لشخصه، وكان والده شداد قد اضطر آنذاك للاعتراف به ابنا له؛ بسبب هذه البطولة التي أظهرها في استرداد نساء عبس من اللصوص الذين تمكنوا من أخذهن بالقوة من قبيلة عبس.وخلال معظم فصول هذه المسرحية الأربعة يحاول عنترة إقناع مالك والد عبلة بزواجه منها، ولكنه يصر على رفضه مع ولديه عمرو وزهير؛ لأن أمه أمة، ولسواد بشرته، كما أن عنترة في هذه الفصول الأربعة في هذه المسرحية كان يواجه كل شخص يحاول التقدم للزواج من عبلة، لا سيما صخر الذي كان لا يستطيع مواجهة عنترة لجبنه، ولكنه أرسل له عبدين قويين، وهزمهما عنترة.وكذلك نافس ضرغام الفارس الشجاع عنترة في حب عبلة وطلب الزواج منها، وعرض عنترة على ضرغام مصارعته؛ لينال الفائز منهما في هذه المبارزة عبلة، ويتزوجها، ولكن ضرغام رفض مبارزته؛ لأنه يعده رمزا لكبرياء العرب في مواجهة الفرس والروم الطامعين في العرب آنذاك، وتحسم عبلة ذلك الموقف باختيارها عنترة على ضرغام.وتنتهي أحداث هذه المسرحية نهاية سعيدة، فقد أقيمت الأفراح؛ لزفاف عبلة على صخر بعد أن أمهرها مهرا كبيرا أعطاه لوالدها، وحملت على هودج لتزف إليه، ولكن عنترة هجم على ذلك الهودج، وأخرج منه عبلة، ووضعت فيه ناجية التي كانت تحب “صخر”، وعندما وجد صخر ناجية في الهودج فوجئ بها، ولكنه رضي بالزواج منها بعد أن أقنعته عبلة أنها شديدة الحب له.وبهذا حقق عنترة – في هذه المسرحية – حلمه الآخر بعد تحقيقه حريته بالزواج من عبلة رغم اعتراض والدها وأخويها، ومحاولتهما منع زواجه منها.

(٤)

أما عن مسرحية عنترة لأحمد سويلم فإننا نرى فيها حدثين؛ حدثا خارجيا، وحدثا داخليا، والحدث الخارجي فيها عن خليفة أراد أن يلهي شعبه عن حالة الفقر والجوع التي عمت بلده بسبب جفاف النهر، فوافق أحد بطانته بأن يقوم راو شهير في مملكته برواية سيرة عنترة، وأن يقوم هو مع بطانته بتمثيل أجزاء منها أمام شعبه؛ حتى يلهيهم عن الظروف الصعبة التي تعيشها بلاده مع جفاف النهر وقلة الطعام فيها.ويظهر عنترة في الحكاية الداخلية بهذه المسرحية فارسا بطلا شجاعا، وشاعرا متغزلا في حبيبته عبلة، ويستطيع أن يحصل على حريته حين يجبر والده على الاعتراف به ابنا له حين هجم الطيئون على العبسيين، واحتاج العبسيون لمساندة عنترة لهم في هذا الموقف، وبعد ذلك حاول أن يقنع الملك زهير ملك العبسيين، و”مالك” والد عبلة بزواجه منها، واشترطا عليه أن يأتي بألف ناقة من النوق العصافير مهرا لها، ووافق عنترة على ذلك رغم أن هذه النوق العصافير لا توجد إلا في بلاد الحيرة عند الملك النعمان بن المنذر.ويغامر عنترة بالذهاب لبلاد الملك النعمان بن المنذر؛ لإحضار هذه الألف من النوق العصافير، ويختلف رجال عبس في شأن عنترة: هل سيتطيع العودة بهذه النوق العصافير أو لا، ويتزعم عمارة الزيادي منافس عنترة في حب عبلة الفريق الذي يقول بأن عنترة قد قتل ولن يعود بهذه النوق أو من غيرها، في حين يصر شيبوب أخو عنترة على أن أخاه عنترة حي، وسيعود بهذه الألف من النوق العصافير؛ ويتزوج من عبلة.وتنتهي أحداث هذه المسرحية بالرجوع للحدث الخارجي فيها، ويختلف تعليق الجمهور المتلقي للحدث الثاني بها، فمنه من يرى أن عنترة سيستطيع العودة لديار عبس بهذه النوق ويتمكن من الزواج من عبلة، ومنهم من يرى أنه لن يستطيع فعل ذلك.أما الخليفة فقد رأى أن سرد حكاية عنترة وتمثيل أجزاء منها أمام شعبه كان له أثر سيئ عكس ما تمناه من إلهائه بها، فقد صار يتطلع للشخص البطل الذي يشبه عنترة، والذي يمكنه أن يخلصه من تلك المحنة التي كان يعيشها في ذلك الوقت بعد جفاف النهر وقلة الأرزاق.

(٥)

وقد لاحظنا بعض جوانب اتفاق واضحة في شخصية عنترة في هاتين المسرحيتين، فهو فيهما فارس شجاع، ونبيل الخلق، كما أنه شاعر وقف غزله العفيف على حبيبته عبلة التي كان يتطلع لمبادلتها حبها له، ووفق في ذلك، كما أنه استطاع في هاتين المسرحيتين أن يجبر والده على الاعتراف به بسبب حاجة قبيلته له للدفاع عنها ومواجهة أعدائها، واسترداد أسراها من النساء.وتختلف شخصية عنترة في مسرحية عنترة لشوقي عن مسرحية عنترة لسويلم في أن عنترة في مسرحية عنترة لشوقي لم يكن مجرد فارس عربي شجاع، بل كان – إلى جانب ذلك – رمزا لكفاح العرب في مواجهة أطماع الفرس والروم في بلاد العرب في ذلك الوقت.كما أن عنترة في مسرحية عنترة لشوقي تبدو فيه قوة خارقة تناسب ما ذكر عنه في ذلك في سيرته الشعبية؛ ولهذا فإن بعض أعدائه قد أصيبوا بالرعب الشديد لمجرد سماعهم صياحه لهم.وأيضا من تلك الاختلافات بين هاتين المسرحيتين أن عنترة استطاع أن يتزوج عبلة بالحيلة والإرادة القوية في نهاية مسرحية عنترة لشوقي، ولكن نهاية مسرحية عنترة لسويلم مفتوحة، ولا يعرف هل سينجح عنترة في إحضار مهر عبلة من النوق الألف العصافير، أو لا؛ وأغلب الظن أن الهدف من هذه النهاية المفتوحة أن يكون للجمهور المتلقي لهذه المسرحية المشاركة بالتفكير في هذا الأمر، وما يمكن أن يكون له من رموز.

أخر المقالات

منكم وإليكم