من مكب النفايات إلى خراب الدولة… قراءة في فيلم “جنائن معلقة”
صادق الطائي (جريدة الزمان)
ليست السينما العراقية الجديدة مشغولة بالحروب بقدر ما أصبحت مشغولة بما تركته الحروب وراءها. فمشاهد الدبابات والانفجارات والرصاص لم تعد وحدها تختصر المأساة العراقية، بعدما تحولت آثارها الاجتماعية والنفسية إلى مادة أكثر عمقًا وإيلامًا. وإذا كانت أفلام عراقية عديدة قد انشغلت برصد العنف المباشر الذي عاشه البلد خلال العقود الأخيرة، فإن فيلم “جنائن معلقة” للمخرج أحمد ياسين الدراجي يذهب إلى مكان آخر؛ إلى الهامش الذي لا تلتفت إليه الكاميرات عادة، حيث تتراكم نفايات المدينة كما تتراكم نفايات السياسة، وحيث يعيش بشرٌ كأنهم جزء من الأشياء التي لفظها العراق خارج ذاكرته.
اختار الدراجي أن يروي حكايته من قلب مكب للنفايات يحمل، على نحو ساخر ومؤلم، اسم «جنائن بابل المعلقة»، وفي تصريح صحفي للدراجي ذكر أنه “استوحى الحبكة الرئيسية لفيلمه من قصة حقيقية وقعت لأحد اصدقائه”. إذن نحن إزاء مفارقة تختصر رحلة بلد كامل؛”جنائن بابل المعلقة” من إحدى عجائب الدنيا القديمة، إلى فضاء الفوضى في بلد يغرق في القمامة.
ومنذ اللقطات الأولى، لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شخصية رئيسية تراقب الجميع. فالمكب هنا ليس مكانًا للعمل فحسب، وإنما صورة مصغرة عن عراق ما بعد الاحتلال، حيث تختلط السلطة بالفوضى، والفقر بالعنف، والطفولة بالحرمان، والإنسان بما يفرزه الاستهلاك والحروب.
ينتمي الفيلم إلى فئة افلام الإنتاج المشترك، إذ حظي بدعم وتمويل عدة جهات إنتاجية، وقد أخرجه أحمد ياسين الدراجي، وشارك في كتابة السيناريو مع الكاتبة البريطانية مارغريت غلوفر. بينما ضم طاقم التمثيل: جواد الشكرجي، ووسام ضياء، وحسين محمد جليل، وأكرم مازن علي، وقد غابت البطولة النسوية عن الفيلم. وصُوِّرت مشاهده الرئيسية في مكب حقيقي للنفايات ببغداد مما يعرف بمراكز الطمر الصحي، وهو اختيار منح الفيلم مصداقية بصرية نادرة، وجعل الرائحة الكريهة للمكان تكاد تصل إلى المشاهد عبر الشاشة.
لم يكن غريباً أن يسجل الفيلم حضوره في مهرجان البندقية السينمائي، قبل أن يجوب عشرات المهرجانات الدولية ويحصد جائزة «اليسر الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان البحر الأحمر، ويُختار لاحقًا ممثلًا للعراق في سباق الأوسكار لأفضل فيلم دولي. وقد جاء هذا الحضور نتيجة توازن واضح بين خصوصية الحكاية العراقية وقدرتها على مخاطبة أسئلة إنسانية أوسع، لا مجرد لأنها تقدم صورة قاتمة عن بلد أنهكته الحروب.
تدور الحكاية المركزية للفيلم حول الشقيقين أسعد وطه اللذين يعيشان من جمع المعادن والبلاستيك في مكب النفايات. حياة رتيبة لا يكسرها سوى العثور على دمية جنسية بين مخلفات الجيش الأمريكي، لتبدأ سلسلة من التحولات التي تعيد تشكيل علاقة الأخوين، وتكشف طبقات المجتمع المحيط بهما، من دون أن ينزلق الفيلم إلى الإثارة المجانية أو إلى استعراض الفضائحية. ولعل أكثر ما يحسب للفيلم أنه يعرف كيف يخفي حكايته داخل تفاصيلها، فلا يقدم الدمية باعتبارها محوراً جنسياً مجرداً، وإنما بوصفها شرارة تكشف واقعاً اجتماعياً مكبوتاً، ووضعاً أخلاقياً شديد التعقيد.
لقد حملت الدمية الجنسية، في تقديري، بعداً رمزياً كبيراً. فهي ليست قطعة مطاطية عثر عليها طفل بين النفايات، بل واحدة من المخلفات التي خلفها الاحتلال الأمريكي للعراق. وكأن الفيلم يقول، من دون خطابة أو شعارات، إن الاحتلال لم يترك وراءه مؤسسات مستقرة أو مشروعاً للدولة، بل ترك مجتمعاً يعيش بين الأنقاض، وأجيالاً تبحث عن مستقبلها وسط القمامة. وليس من المصادفة أن تأتي الدمية من مخلفات القوات الأمريكية تحديداً؛ فهي تمثل، مع المدرعة المعطوبة والملوثة اشعاعياً، ,والمتروكة في مكب النفايات مع لوحة تحذيرية بائسة ،تحذر من خطر الاشعاع، إنها بحق ثنائية بصرية ورمزية قوية، تمثل بكل وضوح شيئاً غريباً اقتحم المجتمع فلوثه مادياً واخلاقياً، ثم بدأ يغيّر علاقاته وقيمه وسلوكياته بعد أن أُلقي به في فضائه العام.
غير أن قيمة الفيلم، وجرأته في اقتحام مناطق شائكة، لا يعيفيه من النقد. ومن بين الملاحظات التي تستوقف المشاهد أن احمد ياسين الدراجي، في سعيه إلى تكثيف صورة الخراب، يميل أحياناً إلى دفع الواقع نحو أقصى درجات العتمة، حيث بدت الشخصيات السلبية طاغية على المشهد الدرامي، وان الحبكة الدرامية كانت محاصرة بالقسوة والانحطاط والكبت، فيما تغيب، أو تكاد، أي نافذة صغيرة تذكر بأن المجتمع العراقي، مجتمع طبيعي فيه النواحي السلبية متجاورة مع المعطيات الايجابية. قد تكون دستوبيا القصة خياراً فنّياً مقصوداً لصناع الفيلم، لكنهم بالنتيجة يقدمون المشهد العراقي وكأنه فضاء مغلق لا ينتج سوى القبح، وهو انطباع لا ينسجم تماماً مع تعقيد الواقع الذي يحاول الفيلم تمثيله.
لكن المأخذ الأكثر إثارة للتساؤل تمثل في الخيار البصري الذي اتخذه المخرج عندما جعل من العربة التي تحولت إلى مكان يمارس فيه المراهقون الجنس مع الدمية الأمريكية فضاءً تعلوه راية عراقية ملطخة بدماء شهداء انتفاضة تشرين. وإذا كان الفن يمتلك كامل الحرية في توظيف الرموز الوطنية وإعادة تأويلها، فإن هذا الاستخدام بدا غير مبرر درامياً، ولا يضيف شيئاً إلى الفكرة التي يسعى الفيلم إلى إيصالها. فالعلم الذي ارتبط، إبان انتفاضة تشرين، بتضحيات مئات الشباب الذين خرجوا مطالبين بوطن وأمان وعدالة، تحول في الوعي الجمعي العراقي إلى رمز أخلاقي جامع، وليس مجرد قطعة قماش يمكن استخدامها داخل أي سياق بصري.
لذلك بدا وضع العلم العراقي فوق مكان يمثل الرذيلة والانكسار الأخلاقي اختياراً مربكاً، بل ومجحفاً بحق تلك التضحيات، لأنه يربط، ولو على مستوى الإيحاء البصري، بين رمز وطني استعاد معناه في ساحات الاحتجاج، بعد تلطخه بدماء الشهداء، وبين فضاء يقوم على الاستغلال والامتهان. وكان بإمكان الفيلم أن يحقق الأثر الدرامي نفسه باستخدام أي غطاء آخر، من دون أن يحمّل رمزاً وطنياً بهذه المكانة دلالة لا يستحقها، ولا تخدم، في النهاية، رسالته الأساسية.
ولعل من المفارقات التي تستحق التوقف أن الجدل الذي أثاره الفيلم لم يقتصر على شاشات العرض أو قاعات المهرجانات، بل امتد إلى ما رافق إنتاجه وعرضه داخل العراق. فالشخصية التي جسدها الفنان القدير جواد الشكرجي، بوصفها نموذجاً لسطوة القوة الموازية للدولة داخل مكب النفايات، دفعت بعض المحرضين إلى ربطها بشخصية ميليشياوية نافذة معروفة في مدينة الصدر، رغم أن الفيلم لم يسمِّ أحداً ولم يشر إلى أي شخصية بعينها. ولم يكن هذا التأويل مجرد سجال نقدي، بل تحول، بحسب ما تردد في الأوساط السينمائية والإعلامية، إلى مصدر ضغوط ومخاوف حقيقية طالت صناع الفيلم، وسط أحاديث عن تهديدات بالاغتيال أو التغييب، قبل أن تُطوى الأزمة بعد إجراء تعديلات مونتاجية حُذفت بموجبها بعض المشاهد، في محاولة لامتصاص غضب شخصيات نافذة في السلطة وفي الشارع العراقي.
وسواء صحت جميع تفاصيل هذه الرواية أم بقي بعضها في إطار ما تناقلته الأوساط الفنية، فإن مجرد إمكان وقوعها يكشف جانباً آخر من دلالة الفيلم. فـ«جنائن معلقة» لا يتحدث عن دولة ضعيفة فحسب، بل عن واقع أصبحت فيه السينما نفسها مضطرة إلى التفاوض مع مراكز القوة غير الرسمية، وإلى تعديل خطابها أحياناً تجنباً للصدام. وهنا تتجاوز الحكاية حدود الفيلم لتصبح جزءاً من القصة العراقية ذاتها؛ إذ لا يعود السؤال: ماذا أراد المخرج أن يقول؟ بل: ما الذي استطاع أن يقوله، وما الذي اضطر إلى إسقاطه قبل أن يصل الفيلم إلى الجمهور؟
ويحقق الفيلم إحدى أهم نقاط قوته. فهو لا يقدم الاحتلال عبر مشاهد الحرب التقليدية، ولا عبر الجنود والدبابات، بل عبر أثره المتبقي بعد رحيله. الاحتلال، في «جنائن معلقة»، ليس حدثًا تاريخيًا انتهى، بل حالة اجتماعية ما زالت تنتج خرابها كل يوم. متمثلة بالمخلفات العسكرية المشعة، وبالمخلفات اللاخلاقية حيث تبدو الدمية الجنسية أكثر من مجرد أداة درامية؛ إنها استعارة دقيقة لإرث ثقيل ما زال العراقيون يتعاملون معه، وإن اختلفت أشكاله.
#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.


