شبكة الويب عبارة عن عالم رقمي فوق قاعدة مغناطيسية.

شبكة الإنترنت عالم رقمي يطفو على وسادة مغناطيسية وذواكر تحفظه كشحنات كهربائية ؟!
من السهل أن ننظر إلى الهاتف في أيدينا أو الحاسوب على مكاتبنا بوصفهما أدوات عادية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. لكن لو توقفنا لحظة وتأملنا ما يحدث في أعماقهما، لاكتشفنا أننا نعيش واحدة من أعظم المعجزات التكنولوجية في تاريخ البشرية.
كل صورة التقطناها لأحبابنا، وكل رسالة احتفظنا بها، وكل فيلم شاهدناه، وكل كتاب قرأناه بصيغة رقمية، وكل أغنية سمعناها، وكل أرشيف الإنسانية الحديث الذي ينتقل عبر الشبكات ويستقر في مراكز البيانات العملاقة، كل ذلك ليس سوى أنماط دقيقة من الشحنات الكهربائية محفوظة على شرائح من السيليكون.
إنه أمر يكاد يبدو غير معقول.
صورة لطفل يبتسم، أو تسجيل لصوت شخص رحل عن الدنيا منذ سنوات، أو فيلم استغرق إنتاجه مئات الملايين من الدولارات، أو وثيقة تاريخية نادرة؛ جميعها تتحول في النهاية إلى سلاسل طويلة من الأصفار والواحدات. وهذه الأصفار والواحدات ليست سوى حالات كهربائية مجهرية محفوظة داخل مليارات الخلايا الإلكترونية التي لا تُرى بالعين المجردة.
داخل قطعة صغيرة من الذاكرة لا يتجاوز حجمها عقلة الإصبع، توجد عوالم كاملة. توجد ذكريات عائلات، وأرشيفات دول، ومكتبات، وأبحاث علمية، وأعمال فنية، وقصص حب، وأفلام وثائقية، وسنوات طويلة من حياة البشر. كل ذلك محفوظ داخل بنى هندسية بالغة الدقة، صنعتها العقول البشرية من مادة مأخوذة في الأصل من الرمل.
إن في الأمر مفارقة مدهشة. فالحضارات القديمة حفرت تاريخها على الحجر كي يبقى آلاف السنين. أما نحن فقد تعلمنا أن نحفظ تاريخنا وذكرياتنا وأفكارنا في إشارات كهربائية دقيقة تعيش داخل شرائح سيليكونية أصغر من طابع بريد. أو تطفو على أقراص صلبة مغناطيسية.
لقد انتقل الإنسان من نقش المعلومات على الصخور إلى تخزينها في حالات كهربائية لا يمكن رؤيتها إلا بأجهزة متخصصة.
وعندما ندخل إلى مراكز البيانات الحديثة، تتجلى روعة هذه الفكرة على نطاق هائل. آلاف الخوادم مصطفة في خزائن طويلة، وملايين الشرائح تعمل بصمت ليلًا ونهارًا. هناك، في تلك القاعات الباردة المليئة بالأسلاك والأضواء، يعيش جزء كبير من الذاكرة الجماعية للبشرية. صورنا ورسائلنا وأفلامنا وموسيقانا وأبحاثنا العلمية كلها موجودة هناك، لا على شكل أوراق أو أشرطة أو أقراص ضخمة، بل على هيئة حالات كهربائية متناهية الصغر تتغير وتُنسخ وتنتقل بسرعة تقترب من سرعة الضوء.
إن أعظم ما في هذه التكنولوجيا ليس حجمها أو سرعتها فقط، بل قدرتها على تحويل شيء غير ملموس كالفكرة أو الذكرى أو المشهد السينمائي إلى نمط فيزيائي يمكن حفظه واستعادته متى شئنا. لقد نجح الإنسان في أن يجعل الذكريات والأصوات والصور تسكن داخل المادة، وأن يحول الخبرة البشرية نفسها إلى لغة تفهمها الإلكترونات.
وربما بعد مئات السنين، عندما ينظر أحفادنا إلى تقنياتنا الحالية كما ننظر نحن اليوم إلى الأدوات القديمة، سيظل أمر واحد يبعث على الدهشة أن جيلًا من البشر استطاع أن يضع جزءًا كبيرًا من عالمه داخل شرائح صغيرة من السيليكون، وأن يجعل حضارة كاملة تطفو فوق بحر من الإشارات الكهربائية.
هذه هي معجزة خلق الذرة والإلكترون والفوتون والعالم الرقمي وعالم الإلكترونيات الذي إخترعه عقل الأنسان ذو الذكاء الخارق الذي يسكن دماغه. عندما حَوَلَ رمل الأرض ونحاسها وكل عناصر الأرض ليصنع منها عالم الإتصالات المذهل الذي جعل من العالم قرية واحدة.
سبحان من صنع دماغ الإنسان ومواد الأرض ليصنع منها الإنسان عالم الإتصالات والإلكترونيات والحوسبة.
سبحان من عَلَمَ الإنسان مالم يعلم.

م . #ماهر بقجه جي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم