سفارة الضوء وحُرمة الحقيقة: ميثاقُ الصورة في زمن الزيف- فلا تجعلوا من عدساتِكم وهواتفِكم خناجرَ تطعنُ خاصرةَ الأوطانِ.- مشاركة الاستاذ: محمد الضو.

سفارة الضوء وحُرمة الحقيقة: ميثاقُ الصورة في زمن الزيف

ما الصورةُ في جوهرِها إلا لسانٌ من الضوء يَنْطِقُ بما صَمَتَ عنه الدهر، وهي عينُ التاريخ التي لا تَغْمَضُ حين ينامُ الضمير؛ فإذا كانت الحقيقةُ روحاً قويةً بكيانِها المستقل، فإنَّ الصورةَ هي جسدُها الذي به تَتراءى للعيون وتستقرُّ في القلوب. وبغيرِ “الأمانة” يغدو هذا الجسدُ مَسخاً من الزور، فلا هو يحيي حقاً، ولا هو يُميتُ باطلاً، بل يصيرُ فتنةً تمشي بين الناس.

إننا نعيشُ اليوم في عصرٍ ابْتُلي بـ “ذكاءٍ” صَنَعَتْهُ الآلةُ ومَحَتْ عنه أثرَ الروح؛ ذكاءٌ يملكُ من القدرةِ ما يَبني به من العدمِ قصوراً من الوهم، حتى يظنَّ الرائي أنَّ السرابَ ماءٌ زُلال. لقد تفوقتْ هذه الصناعةُ الرقميةُ على أدواتِ الفحصِ والتدقيق، بل وقامتْ على خداعِ العقلِ ببريقِ مظهرِها حتى استمالتْ الأدواتِ التقنيةَ نفسَها لتشهدَ بالزيفِ وتُقِرَّ بالإفك. وهنا تبرزُ عظمةُ “الصورةِ السفيرة”؛ تلك التي لا تستمدُّ هيبتَها من دقةِ عدستِها ولا من صخبِ ألوانِها، بل من طُهرِ منبتِها، وصدقِ لَحْظَتِها، وميثاقِ الشرفِ الذي يربطُ بين يدِ المصورِ وعينِ الحقيقة.

تأملْ في “فتاةِ النابالم” التي عبرتْ بنا مفاوزَ التاريخ؛ لم تكن تلك الصورةُ مجردَ انطباعٍ كيميائيٍّ على ورق، بل كانتْ زفرةً إنسانيةً جَسَّدها الضوء، فزلزلتْ عروشَ الحربِ في نفوسِ الرأي العام الأمريكي، وأوقفتْ زحفاً عسكرياً لم تُوقفه طاولاتُ السياسةِ ولا حذلقةُ الدبلوماسيين. وانظرْ في صورِ “قيصر”؛ تلك الشهاداتِ التي نُقشتْ بوجعِ البشرِ ودمائهم، فاستحالتْ “قانوناً” دولياً يَحكمُ ويُكبلُ بنظامِهِ من ظنوا أنَّ جدرانَ السجونِ المظلمةِ قادرةٌ على حجبِ نورِ الله عن الأرض. إنها الحقيقةُ حين تلبسُ ثوبَ الصورةِ الموثقة، فتصيرُ سُلطاناً قاهراً لا يُردُّ له أمر.

أما تلك اللقطةُ التي خَلَّدها المصور “محمد الراغب” في مسابقة “هيبا”، فهي فصلٌ من فصولِ “النبوةِ الإنسانية” في عالمِ التصوير. حين تهاوتْ الأجهزةُ العملاقةُ واحترقتْ تحت وطأةِ الانفجارِ الغادر، لم يَبقَ في يدِ البطلِ إلا كاميرا الاحتياط الصغيرة (Point and Shoot)؛ تلك التي يَزدريها المحترفون في معارضهم، لكنها كانتْ في يدِهِ كـ “عصا موسى” التي تلقفُ إفكَ النسيان. لقد صَوَّرَ زميلَهُ المصورَ وهو يَحملُ طفلةً مصابةً، يُسابقُ بها الموتَ بينما رِجْلُهُ تنزفُ دماً طاهراً. إنَّ هذه الصورةَ تُعلمنا أنَّ الفنَّ الحقيقيَّ ليس “تكنولوجيا” مُجردة، بل هو “موقفٌ أخلاقي” يَنبعثُ من بين الركام. إنَّ الآلةَ قد تصنعُ مشهداً مُبهراً، لكنها أبداً لا تملكُ أن تصنعَ “دمعةً” صادقةً أو “نزيفاً” حياً يَنبضُ بالوجعِ والبطولة.

ويا ليتَ الذين يَنشرون بغيرِ وعيٍ يدركون جِنايتهم! إنَّ المجتمعَ حين يخرجُ من عثراتِهِ الكبرى، يكون كالغرسِ الطريِّ الذي يحتاجُ إلى سكنٍ وطمأنينةٍ لينهض، فتأتي الصورةُ “المزيفة” أو “غير المتحقق منها” كريحٍ عاصفةٍ تقتلعُ جذورَ الثقة. إنَّ بَثَّ الشائعاتِ المصورةِ في لحظاتِ البناءِ الوطني هو بذرٌ للشوكِ في طريقِ النهوض، وتقسيمٌ للقلوبِ التي كادتْ أن تجتمعَ على التئامِ الجرح. لا تظنوا أنَّ “السبقَ الرقمي” مَفخرةٌ، بل هو “خزيٌ” إذا كان ثمنُهُ هدمَ جسرٍ من جسورِ المودةِ أو ترويعَ آمنٍ بغيرِ بيّنة.

نحن نوردُ هذه الشواهدَ العظيمةَ لنقول: إنَّ الصورةَ عهدٌ وميثاقٌ غليظ؛ فإذا فَقَدَتْ شرطَ “التوثيقِ والمهنيةِ العالية” في زمنِ التضليل، خَرَجَتْ من ديوانِ الحقيقةِ لتستقرَّ في سجلاتِ الفتنة. فكونوا “سفراءَ” بررة لهذا الضوء، وتعاملوا مع ما تَنْشُرون بحذرِ الطبيبِ الذي يخشى على مريضه، فلا تجعلوا من عدساتِكم وهواتفِكم خناجرَ تطعنُ خاصرةَ الأوطانِ وهي تحاولُ الوقوف؛ فالحقيقةُ قويةٌ بكلمتِها، لكنَّ نَصْرَها مَعقودٌ بصدقِ ناقليها.

أخر المقالات

منكم وإليكم