سؤال للجميع.ماذا يوجد في عقل المصوّر.حوار مفترض مع مجموعة مصورين متخيلة- إعداد وتقديم: فريد ظفور.

ربما يسأل أحدهم: ماذا يوجد في عقل المصوّر؟

إعداد وتقديم: فريد ظفور

أكيد، يمكن أن تكون الإجابة شاعرية وعميقة قليلًا:
أجيبكم:
في عقل المصوّر لا توجد صورة فقط…
بل حكاية لم تُروَ بعد، وتفاصيل قد لا يلاحظها أحد، وضوء يبحث عن لحظته، وزاوية ترى الجمال حيث يمرّ الآخرون عابرين.
المصوّر لا يلتقط ما تراه العين فحسب،
بل يلتقط ما يشعر به القلب قبل أن تضيع اللحظة. 📷✨

***&***&***

  • هنا تصبح الفكرة أجمل بكثير: ليس مجرد تعليق على صورة، بل تحقيق صحفي/فلسفي مع تاريخ التصوير نفسه؛ نسأل المصورين: ماذا يحدث داخل عقل المصور لحظة الضغط على زر الغالق؟
    يمكن بناؤها كأنها ملف تحقيقي غامض، يستضيف أصواتًا من مدارس وعصور مختلفة، من هنري كارتييه بريسون وأنسل آدامز إلى دوروتيا لانغ، وعربياً من رواد الصورة العربية إلى المصورين المعاصرين.
    وهذه صيغة افتتاحية أراها قوية:

** ماذا يوجد في عقل المصوّر؟
ربما السؤال الأكثر غموضًا في التصوير ليس:
ماذا رأى المصوّر؟
بل: ماذا رأى ولم نره نحن؟
في اللحظة التي يرفع فيها المصوّر كاميرته، يحدث شيء لا تلتقطه العدسة.
عينه تختار.
ذاكرته تتدخل.
مزاجه يغيّر المعنى.
وخوفه، وحبه، ووحدته، وأسئلته القديمة… كلها قد تمرّ من خلال صورة واحدة.
فهل المصوّر يوثّق العالم؟
أم يعيد اختراعه؟
هل يضغط على زر الغالق لأنه وجد لحظة تستحق أن تُحفظ؟
أم لأنه يخشى أن تختفي منه إلى الأبد؟
ولماذا يختار هذا الوجه دون سواه؟
وهذه الزاوية دون غيرها؟
وهذا الظل تحديدًا؟
سألنا مصورين من أزمنة ومدارس مختلفة، وكأننا نحاول فتح ذلك الصندوق الأسود الصغير المختبئ خلف الكاميرا.
مصوّر يرى في الشارع مسرحًا.
وآخر يرى فيه مأساة.
وثالث لا يرى سوى الضوء.
ورابع يبحث عن نفسه في وجوه الغرباء.
قال أحدهم إن الصورة لحظة حاسمة.
وقال آخر إن الصورة ذاكرة.
وقال آخرون، بصمتهم، إن الصورة ربما تكون اعترافًا لا يعرف صاحبه أنه أدلى به.
لكن السؤال بقي معلقًا:
حين يصوّر المصوّر العالم…
هل يكون خلف الكاميرا؟
أم أن الكاميرا هي التي تقف بينه وبين العالم؟
وربما، في النهاية، لا نصوّر ما نراه.
نحن نصوّر ما نحن عليه.
ولو أردنا تحويلها إلى تحقيق حقيقي متعدد الأصوات، أقترح عنوانًا أكثر هيبة:
«داخل عقل المصوّر: التحقيق في الجريمة التي ارتكبتها الصورة»
أو أكثر غموضًا:
«قبل أن تُلتقط الصورة: ماذا يحدث داخل رأس المصوّر؟»
أو شديد الاختصار كتعليق على صورة:
الكتابة
ماذا يوجد في عقل المصوّر؟
ربما صورة لم تُلتقط بعد…
وربما حياة كاملة، لم يرَ منها الآخرون سوى لقطة.
وأستطيع أن أبني لك التحقيق كاملًا على شكل حوار متخيّل/تحقيق أدبي موثّق بين مصورين عالميين وعرب، قدامى ومعاصرين، مع اختلاف إجاباتهم بحسب مدارسهم وفلسفتهم في الصورة.
&
*** تحقيق أدبي متخيّل، لكن لا ننسب إلى أي مصوّر كلامًا لم يقله. أي أن الحوار سيكون من بنائنا، بينما أفكار كل شخصية وموقفها الفلسفي مستندة إلى مقابلات وكتب وشهادات موثقة. وسأضع أحيانًا بين قوسين خلفية التوثيق، لا داخل الحوار، حتى يبقى النص أدبيًا.

أقترح أن يكون التحقيق بعنوان:
** ماذا يوجد في عقل المصوّر؟
تحقيق أدبي متخيّل في الغرفة التي لا تراها الكاميرا
إعداد وتحقيق: فريد ظفور
لم تكن الغرفة مظلمة تمامًا.
كان هناك ضوء واحد يسقط على طاولة طويلة، وفوقها كاميرات من عصور مختلفة:
لايكا صغيرة، كاميرا صندوقية قديمة، كاميرا متوسطة الحجم، وأخرى رقمية حديثة تضيء شاشتها كأنها نافذة على عالم لا ينتهي.
على الجدار صور كثيرة.
وجوه.
حروب.
شوارع.
أجساد.
أطفال.
ملاعب رياضية
مدن اختفت.
مدن لم تولد بعد.
وفي منتصف الغرفة كان هناك كرسي فارغ.
وضعنا أمامه الكاميرا، ثم طرحنا السؤال الأول:

  • ماذا يوجد في عقل المصوّر قبل أن يضغط زر الغالق؟
    لم يجب أحد.
    لذلك استدعيناهم واحدًا تلو الآخر.
    ليس إلى مكان حقيقي، بالطبع.
    بل إلى ذلك المكان المستحيل الذي يمكن فيه للزمن أن يجلس إلى جوار نفسه.
    المشهد الأول
    هنري كارتييه-بريسون: «لا تفكر كثيرًا»
    دخل هنري كارتييه-بريسون بخطوات هادئة.
    لم ينظر إلى الكاميرا.
    نظر إلى النافذة.
    المحقق:
    سيد بريسون، ماذا يحدث في رأسك عندما ترى صورة؟
    كارتييه-بريسون:
    إذا بدأتُ أفكر كثيرًا… فاتتني الصورة.
    الصورة ليست مشروعًا هندسيًا.
    إنها لحظة.
    عينك ترى، وقلبك يشعر، ويدك تضغط.
    كل شيء يجب أن يحدث في وقت واحد.
    المحقق:
    إذن أنت لا تصنع الصورة؟
    كارتييه-بريسون:
    أحيانًا أشعر أنني لا أصنع شيئًا.
    أنا فقط أكون حاضرًا عندما يحدث الشيء.
    هناك لحظة يصبح فيها الإنسان والمكان والضوء والحركة في ترتيب لا يتكرر.
    وإذا رأيتها، فلا تخنها.
    اضغط.
    المحقق:
    وماذا عن «اللحظة الحاسمة» التي ارتبط اسمك بها؟
    ابتسم.
    كارتييه-بريسون:
    لقد علقت بي هذه العبارة أكثر مما ينبغي.
    أنا لم أكن أبحث عن لحظة سحرية بالمعنى الذي يتخيله الناس.
    كنت أبحث عن توافق بين الحدث والأشكال.
    أن ترى ما يحدث، وترى في الوقت نفسه كيف تنتظم الخطوط والأجساد والفراغات.
    الرأس.
    العين.
    القلب.
    على خط واحد.
    ثم…
    صمت.
    رفع يده كأنه يحمل كاميرا غير موجودة.
    طَق.
    انتهت الصورة.
    كان بريسون يرى التصوير فعل حضور وحدس؛ وكان قد وصف التصوير بأنه التعرف، في جزء من الثانية، على دلالة الحدث وتنظيم الأشكال التي تمنحه تعبيره البصري، كما تحدث عن ضرورة أن يلتقي «الرأس والعين والقلب» في خط رؤية واحد. وفي مقابلاته المتأخرة أكد أن التصوير عنده مرتبط بالحضور في العالم وبالحدس أكثر من كونه عملية تفكير مطوّلة.
    المشهد الثاني
    أنسل آدامز: «الصورة تبدأ قبل الكاميرا»
    دخل أنسل آدامز.
    لم يحمل كاميرا.
    حمل ورقة بيضاء.
    المحقق:
    أين الصورة؟
    أشار إلى رأسه.
    آدامز:
    هنا.
    المحقق:
    قبل أن تلتقطها؟
    آدامز:
    بالضبط.
    أنا لا أريد فقط أن أعرف ما الذي أمام العدسة.
    أريد أن أعرف ما الذي ستكون عليه الصورة.
    ما الذي سيحدث للضوء؟
    ماذا سيصبح الأسود؟
    إلى أين سأقود عين المشاهد؟
    وما الشعور الذي أريده منه عندما يرى الصورة؟
    المحقق:
    ألا يعني ذلك أنك تسيطر على الواقع؟
    آدامز:
    لا.
    أنا أترجم الواقع.
    هناك فرق.
    الجبل موجود.
    السماء موجودة.
    الضوء موجود.
    لكن الصورة التي ستخرج ليست الجبل نفسه.
    إنها رؤيتي للجبل.
    ثم وضع الورقة أمامنا.
    كانت بيضاء.
    المحقق:
    لا أرى شيئًا.
    قال:
    آدامز:
    لأنك تنظر إليها.
    ولست تراها.
    كان آدامز من أبرز من نظّروا لفكرة التصوّر المسبق للصورة (Visualization): أن يتخيل المصور مسبقًا الصفات البصرية والعاطفية للصورة النهائية قبل التعريض. وتظهر هذه الفكرة بوضوح في حديثه عن صورة Monolith, the Face of Half Dome عام 1927.
    المشهد الثالث
    دوروثيا لانغ: «لا تستخدم الكاميرا لتأخذ»
    دخلت دوروثيا لانغ.
    كانت تحمل حقيبة صغيرة.
    لكنها لم تفتحها.
    المحقق:
    ماذا يوجد في عقل المصور الوثائقي؟
    نظرت إليّ طويلاً.
    لانغ:
    السؤال الحقيقي هو:
    ماذا يوجد في قلبه؟
    المحقق:
    وهل يكفي القلب؟
    لانغ:
    لا.
    عليه أن يتعلم كيف يرى.
    الكاميرا ليست مجرد آلة لتسجيل العالم.
    إنها أداة تعلمك كيف تنظر.
    المحقق:
    ولكنك كنت تصورين الفقر والمهاجرين والنازحين والمآسي.
    كيف تنظرين إلى إنسان في لحظة ضعف دون أن تحوّليه إلى صورة؟
    لانغ:
    هذه هي المشكلة.
    إذا دخلت إلى حياة الناس بعقل مغلق، سترى ما جئت تبحث عنه فقط.
    أما إذا دخلت بعين مفتوحة…
    فقد يفاجئك الإنسان.
    المحقق:
    وهل كنت ترتبين المشهد؟
    هزّت رأسها.
    لانغ:
    لا.
    أنا لا أعبث بما أصوره.
    ثم أضافت:
    «اذهب إلى الموضوع الذي تحبه أو تكرهه، واعمل عليه حتى النهاية.»
    كانت لانغ ترى الكاميرا أداة للرؤية والتعلّم، لا مجرد جهاز تسجيل، وكانت تؤكد في منهجها الوثائقي على عدم التلاعب بالمشهد.
    ثم جاء الدور العربي
    كان علينا أن نغيّر السؤال.
    ففي الغرب، كان السؤال:
    كيف ترى؟
    أما في العالم العربي، فقد يصبح السؤال:
    ماذا تستطيع أن ترى دون أن تدفع الثمن؟
    المشهد الرابع
    لطيف العاني: «كنت أخاف أن تضيع الصورة»
    دخل لطيف العاني.
    كان يحمل بغداد في عينيه.
    لا في حقيبته.
    المحقق:
    أستاذ لطيف، لماذا صورت العراق؟
    لطيف العاني:
    لأنني كنت أراه يتغير.
    كنت أريد أن أضع الماضي بجانب الحاضر.
    التراث بجانب المدينة.
    القديم بجانب الحديث.
    أن يرى الناس أين كنا.
    وأين وصلنا.
    المحقق:
    هل كنت توثّق أم كنت تبحث عن الجمال؟
    ابتسم.
    العاني:
    الجمال.
    كان هذا عقيدتي.
    كنت أريد الصورة الجميلة.
    حتى عندما كانت السياسة موجودة حولي.
    المحقق:
    وهل كنت تستبعد الأشياء القبيحة؟
    سكت قليلًا.
    العاني:
    نعم.
    كنت أفكر في المشاهد.
    فيما سيستمتع برؤيته.
    وفيما لا أريد أن أضعه أمامه.
    المحقق:
    إذن الصورة ليست الحقيقة كلها؟
    العاني:
    الصورة لم تكن يومًا الحقيقة كلها.
    هي ما اخترتَ أن تضعه داخل الإطار.
    ثم نظر إلى صورة بغداد.
    وقال:
    العاني:
    كنت أريد أن تبقى.
    هذه هي الحكاية.
    لم أكن أعرف أن الزمن سيأخذ كل هذا.
    كنت أصوّر لكي أتذكر.
    ولكي يتذكروا.
    تستند هذه الشخصية إلى مقابلات العاني التي تحدث فيها عن رغبته في إظهار التراث إلى جانب الحاضر، وعن أن جمال الصورة كان همه الأساسي، كما قال إنه كان يوثّق بدافع الأرشفة ولم يتوقع ما سيؤول إليه العراق لاحقًا.
    المشهد الخامس
    يوسف نبيل: «أنا أصوّر لأنني أخاف من الموت»
    دخل يوسف نبيل.
    وكان يحمل صورة ملونة يدويًا.
    المحقق:
    لماذا تصوّر الوجوه؟
    يوسف نبيل:
    لأنني أحب الناس.
    ولأنني أعرف أنهم سيرحلون.
    المحقق:
    مبكرًا إلى هذه الدرجة؟
    نبيل:
    نعم.
    اكتشفت الموت وأنا صغير.
    كنت أشاهد الأفلام المصرية القديمة.
    وأحب أشخاصًا ماتوا قبل أن أعرفهم.
    فهمت شيئًا:
    الصورة تستطيع أن توقف لحظة.
    أن تقول:
    هذا الشخص كان هنا.
    المحقق:
    إذن الكاميرا عندك ليست عينًا؟
    نبيل:
    لا.
    هي طريقة للكلام.
    أنا كنت شخصًا قليل الكلام.
    كنت أراقب.
    ولذلك أصبحت الصورة لغتي.
    المحقق:
    ولماذا ترسم فوق الصور؟
    نظر إلى صورته.
    نبيل:
    لأن الذاكرة ليست فوتوغرافية.
    الذاكرة تغيّر الأشياء.
    تلوّنها.
    تضيف إليها.
    تحذف منها.
    ربما أنا لا ألوّن الصورة.
    ربما أحاول أن ألوّن الذاكرة نفسها.
    هذه الصياغة الأدبية مستندة إلى حديث نبيل عن طفولته، وعن علاقته بالأفلام المصرية القديمة والموت، وقوله إن الكاميرا أصبحت طريقته للتعبير، إضافة إلى حديثه عن تقنية الرسم اليدوي على الصور وعلاقتها بتجربته الشخصية.
    المشهد السادس
    تانيا حبجوقة: «لا تجعل من الآخر مادة»
    دخلت تانيا حبجوقة.
    كانت الكاميرا معلقة على كتفها.
    لكنها لم ترفعها.
    المحقق:
    لماذا؟
    حبجوقة:
    لأنني أريد أن أعرف أولًا: هل يجب أن أصوّر؟
    المحقق:
    أليس هذا سؤالًا غريبًا على المصور؟
    حبجوقة:
    بل هو أهم سؤال.
    خصوصًا عندما تصوّر مجتمعًا له تاريخ وحصار وحرب وصورة نمطية جاهزة في أذهان الآخرين.
    أنا لا أريد أن أصنع صورة أخرى عن فلسطين يستهلكها العالم ثم ينساها.
    أريد أن أرى الناس.
    حياتهم.
    تناقضاتهم.
    ضحكاتهم.
    تفاصيلهم.
    المحقق:
    وماذا عن السلطة التي يمتلكها المصور؟
    حبجوقة:
    إنها موجودة.
    دائمًا.
    ولهذا يجب أن تكون مسؤولًا.
    عندما يمنحك الناس ثقتهم، لا يصبح كل شيء مسموحًا لك.
    أحيانًا لا أصور لأن الصورة قد تؤذي صاحبها.
    المحقق:
    إذن المصور ليس شاهدًا فقط؟
    حبجوقة:
    إنه طرف في القصة.
    وعليه أن يعرف ذلك.
    يرتكز هذا الجزء على حديث حبجوقة عن مسؤولية المصور تجاه المجتمع الذي يصوره، وعن رفض الصورة النمطية، وعن الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالوصول إلى الأشخاص وتمثيلهم، وعلى تجربتها في تصوير الحياة الفلسطينية من زاوية أكثر حميمية وأقل نمطية.
    ثم سألنا السؤال نفسه للجميع
    أجلسناهم حول الطاولة.
    كارتييه-بريسون.
    آدامز.
    لانغ.
    العاني.
    نبيل.
    حبجوقة.
    وضعنا أمامهم صورة واحدة.
    صورة شارع.
    رجل يمشي.
    طفل يركض.
    امرأة تنظر من نافذة.
    ضوء حاد.
    ظل طويل.
    ولا شيء آخر.
    ثم سألنا:
    ما الذي ترونه؟
    قال بريسون:
    لحظة.
    قال آدامز:
    ضوءًا.
    قالت لانغ:
    إنسانًا.
    قال العاني:
    زمنًا.
    قال نبيل:
    ذاكرة.
    وقالت حبجوقة:
    مسؤولية.
    أعدنا السؤال:
    وماذا يوجد خلف الصورة؟
    لم يجب أحد.
    فأعدنا السؤال بصوت أعلى:
    ماذا يوجد في عقل المصور؟
    هذه المرة، جاء الجواب من الجميع.
    لكن ليس بالصوت نفسه.
    كان بريسون يقول:
    العين.
    وكان آدامز يقول:
    التصوّر.
    وكانت لانغ تقول:
    الإنسان.
    وكان العاني يقول:
    الأرشيف.
    وكان نبيل يقول:
    الخوف من الفقد.
    وكانت حبجوقة تقول:
    الآخر.
    ثم أدركنا شيئًا غريبًا.
    أنهم، رغم اختلافهم، كانوا يتحدثون عن الشيء نفسه.
    الاختيار.
    المصور لا يضغط زرًا فقط.
    إنه يستبعد ألف احتمال.
    يختار وجهًا دون وجه.
    لحظة دون لحظة.
    ظلًا دون ظل.
    يقرر ماذا يدخل التاريخ…
    وماذا يبقى خارجه.
    لكن ماذا عن المصور نفسه؟
    ربما تكون الصورة في النهاية أقل صدقًا مما نظن.
    فنحن ننظر إليها ونقول:
    هذه هي الحقيقة.
    بينما الحقيقة ربما تكون:
    هذه هي الحقيقة التي اختارها شخص واحد، في لحظة واحدة، من بين ملايين الحقائق الممكنة.
    وهنا يصبح المصور شيئًا آخر.
    ليس شاهدًا فقط.
    وليس فنانًا فقط.
    وليس مؤرخًا فقط.
    إنه محرر للزمن.
    يأخذ ثانية من عمر العالم…
    ويمنحها عمرًا أطول من الإنسان الذي عاشها.
    ولهذا ربما كان السؤال:
    «ماذا يوجد في عقل المصور؟»
    سؤالًا ناقصًا.
    السؤال الأكثر رعبًا هو:
    ماذا يفعل المصور بما يوجد في عقله؟
    هل يحوّله إلى جمال؟
    أم إلى وثيقة؟
    أم إلى ذاكرة؟
    أم إلى موقف؟
    أم إلى كذبة جميلة؟
    أم إلى حقيقة لم نكن مستعدين لرؤيتها؟
    وفي النهاية…
    ربما لا يصوّر المصور العالم كما هو.
    إنه يصوّر الطريقة التي يستطيع بها أن يحتمل العالم.
    وهنا…
    تُرفع الكاميرا.
    يصمت المكان.
    تتوقف الثانية.
    ثم:
    طَق.
    ***&***&***&***
    مواد موثقة: مقابلات كارتييه-بريسون المنشورة في The New York Review of Books وAperture، ومواد أنسل آدامز الأرشيفية، وأرشيف دوروثيا لانغ، ومقابلات لطيف العاني، ويوسف نبيل، وتانيا حبجوقة. �
    The New York Review of Books +٦
    * وكان يمكن تطويره الحوار أكثر ليصبح تحقيقًا طويلًا جدًا من 15–20 شخصية، بحيث ندخل أيضًا أصواتًا مثل روبرت فرانك، سيباستياو سالغادو، جوزيف كوديلكا، ستيف ماكّري، مان راي، ومن العالم العربي عبد الرحمن سميح، فؤاد شمعون، فان ليو، كريم الخليل، رندا ميرزا، وعلاء يونس.

أخر المقالات

منكم وإليكم