رسالة فروغ فرخزاد إلى والدها.

“ألمي الأكبر أنك لم تعرفني قط، ولم ترغب في أن تعرفني.” هكذا كتبت فروغ فرخزاد إلى أبيها.

فروغ فرخزاد، واحدة من أبرز شاعرات إيران في القرن العشرين، شاعرة ومخرجة عُرفت بجرأتها وكسرها لكثير من القيود التي فرضها المجتمع على النساء، كان أبوها عقيد في الجيش، وكانت علاقتها به صعبة ومعقدة.

في عام 1957، كتبت له من ميونيخ:
“كنت دائمًا أريد أن أكتب لك وأفتح لك قلبي… وبماذا أستطيع أن أملأ هذه المسافة التي نشأت بيني وبينك؟”

(لم تكن تقصد بعد ميونيخ عن طهران، بل بعدها عن أبيها، الذي بدأ وهما يعيشان في البيت نفسه.)

تذكر فروغ في الرسالة موقف بقي في ذاكرتها، حين استخف بها أبوها وهي تقرأ كتب الفلسفة، ووصفها بأنها “فتاة غبية أفسدت المجلات عقلها”

تشرح فروغ، كيف انكسر قلبها وغلبتها الدموع لأنها شعرت بومها، بأنها غريبة في بيتها.
فهي تقرأ وتفكر وتحاول أن تفهم العالم، بينما لم يكن أبوها يأخذها بجدية.

من السهل أن نرى في حياة فروغ واختياراتها تمردًا وتحديًا لأبيها، لكن حين نقرأ رسائلها إليه، نسمع صوتًا مختلفًا؛ صوت بنت لم تكن تريد أن تتحدى أباها، بقدر ما كانت تريد أن يعرفها كما هي، وأن يتقبل المرأة التي أصبحتها، من دون أن تخسره.

وتصف لوالدها كيف كانت تصبح في حضوره داخل البيت: “كنت أتمنى أن أكون نفسي أمامك، بدلًا من أن أكون كائنًا لا يضحك ولا يتكلم، ينكمش على نفسه ويلتصق بزاوية.”

تشرح فروغ، كيف كانت تشعر بالسنة التي عاشتها في بيت أبيها بعد طلاقها: “كلما فكرت في السنة الماضية التي عشتها في بيتك، ينقبض قلبي، كنت أفعل كل شيء، الجيد والسيئ، سرًا، مثل اللصوص.”

ورغم كل ما حدث بينها وبين أبيها، لم تكن فروغ تريد أن تبتعد عنه، تكشف رسائلها أنها كانت تتمنى أن تستطيع أن تحكي له، وتذهب إليه، حتى عندما تخطئ.

كانت تريد أن تكون قريبة منه، دون أن تضطر إلى أن تكون شخصًا آخر حتى يقبلها.

فروغ التي قالت يومًا “الشعر هو إلهي” تساءلت في إحدى رسائلها “لماذا خلق الله فيها ذلك الشيطان الذي يسمى الشعر؟! إذا كان سيحرمها من رضا أبيها.

لم تكن تريد أن تخسر نفسها كي ترضي أباها، ولا أن تخسر أباها لأنها اختارت أن تكون نفسها.

بين فروغ وبنات كثر مسافة الزمان والمكان، لكن الوجع مألوف ومتكرر، أن تشعر البنت أن عليها، كي تبقى محبوبة في عين أبيها، أن تكون الابنة التي يريدها هو؛ أن تختار ما يرضيه، وأن تخفي ما قد لا يتقبله منها، فتكبر وهي تتعلم أي جزء منها يمكن أن يراه أبوها، وأي جزء عليها أن تخفيه حتى لا تخسر رضاه.

فيكون الأب ذاك القريب الغريب؛ قريبًا بما يكفي ليعرف تفاصيل حياتها، وبعيدًا بما يكفي ألا يعرفها هي.

“ألمي الأكبر أنك لم تعرفني قط، ولم ترغب في أن تعرفني.”

كأن فروغ كتبت هذه الجملة بلسان كل بنت رأى أبوها في اختلافها تمرد، وفي اختياراتها تحدي، بدل أن يحاول أن يعرفها ويفهم أنها كانت تريد فقط أن تعيش حياتها كما تريد.

#أسماء#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم