بين أحجار الكنائس وروث الدجاج… تموت حضارة قديمة في صمت
✍🏻 #آلاء_الشهابي
لم يوقظني في تلك الليلة سوى شوق مبكر إلى الصباح.
كنت أعلم أنني على موعد مع رحلة استثنائية برفقة فريق #حركة_الفن_الشعبي، ذلك الفريق الذي يحمل همّ استعادة جمال هذا البلد، ويبحث بشغف عن تراثه المدفون تحت طبقات النسيان والإهمال.
انطلقنا من مدينة حلب قبل أن تشتد حرارة الشمس، وقبل أن تبتلع ضوضاء النهار ما تبقى من هدوء الصباح.
كان الحماس يملأ الأجواء، ووجوه المشاركين، على اختلاف أعمارهم، تتقاطع عند هدف واحد: الإصغاء إلى ذاكرة هذه الأرض الصامتة.
بدت الرحلة كأنها عبور في الزمن. تتبعنا خلالها آثار التاريخ البيزنطي والروماني، مروراً بقصر المشبّك، وكنيسة ست الروم، والمدفن الروماني، وقرية الرفادة، ثم مضافات الحجاج وقوس النصر المؤدي إلى دير سمعان.
كانت هذه المواقع أبرز محطات رحلتنا، لكن ما رأيناه فيها لم يكن مشهداً يليق بتاريخها.
عندما يتحول الهيكل المقدس إلى حظيرة دجاج:
وصلنا إلى كنيسة ست الروم، تلك التحفة المعمارية التي كانت يوماً من أهم معالم المنطقة الدينية.
اعتدت أن أرى في الأطلال بقايا حكايات تنتظر من يرويها، لكن ما وقع عليه بصري هناك لم يكن سوى صورة قاسية للإهمال.
لم نجد أعمدة رخامية تحتفظ بزخارفها البيزنطية، ولا سقوفاً تروي جمال الفسيفساء القديمة، بل جدراناً متهدمة اقتُلعت حجارتها لتُستخدم في بناء منازل متواضعة.
أما داخل الهيكل الرئيسي، حيث كانت ترتفع الصلوات وتفوح رائحة البخور، فقد تراكمت أكوام من روث الدجاج.
تحول المكان إلى حظيرة دواجن، وصار صياح الديوك يملأ أرجاء الكنيسة.
قبور تتحول إلى دفاتر للعبث:
لم تتوقف الصدمة عند الكنيسة، بل امتدت إلى “قبر إيزودوتس” الروماني، ذلك المدفن الشاهق الذي يُعد من أهم المعالم الجنائزية في المنطقة.
كان يفترض أن يبقى شاهداً على تاريخ طويل من فنون العمارة والدفن الرومانية، لكنه تحول إلى مساحة لعبث الزوار، بعدما امتلأت جدرانه بالكتابات والرسائل التذكارية التي تركها أشخاص لم يجدوا مكاناً يخلّدون فيه أسماءهم سوى فوق آثار بلادهم.
قوس النصر… آخر شاهد على طريق الحجاج:
وصلنا بعد ذلك إلى قوس النصر، ذلك الشاهد الصامت الذي كان يوماً المدخل الرئيسي للحجاج المتجهين نحو دير سمعان.
وقفت تحته، وحاولت أن أتخيل المشهد قبل قرون: حجاج متعبون، تغمر وجوههم رهبة الطريق والإيمان، يعبرون هذا القوس وهم يقتربون من وجهتهم المقدسة.
أما اليوم، فيقف القوس وحيداً وسط الصمت والإهمال، لا يعبر من تحته سوى الرياح والغبار، بينما تواصل حجارته رواية حكاية لم يعد أحد يصغي إليها.
قرية الرفادة ومضافات الحجاج… حكايات منسية:
بين قوس النصر وكنيسة ست الروم تمتد قرية الرفادة، كمتاهة حجرية مهجورة تهمس بحكايات الرهبان والفلاحين الذين عاشوا بين هذه الأزقة والحجارة.
أما مضافات الحجاج، أو ما تبقى منها، فقد تحولت إلى أطلال تروي قصص المسافرين الذين كانوا يستريحون فيها قبل متابعة رحلتهم إلى الدير.
لم يبق هناك من يستقبل العابرين، ولا حتى من يتذكرهم.
قصر المشبّك… كنيسة لم تنجُ من الإهمال:
كانت محطتنا الأولى في قصر المشبّك، الذي ليس قصراً في الحقيقة، بل كنيسة ضخمة تعود إلى العصر البيزنطي، شُيدت بحجارة كلسية ضخمة مصفوفة بدون مواد بناء تعكس روعة العمارة الدينية في تلك الحقبة.
وقفت أمام جدرانها المتآكلة، وحاولت أن أتخيل أيام ازدهارها، حين كانت الترانيم تتردد في أرجائها، لكن المشهد في الداخل كان مؤلماً.
لم تكن الأرضية مكسوة بفسيفساء أو آثار محفوظة، بل غطتها طبقة كثيفة من روث الحيوانات، في دليل واضح على أن المكان استُخدم مأوى للأبقار والأغنام والدواجن.
حتّى صحن الكنيسة، الذي كان يوماً مكاناً للعبادة، لم يسلم من ذلك الإهمال.
وهكذا، كما حدث في كنيسة ست الروم، تحول مكان يحمل قيمة دينية وتاريخية إلى حظيرة مهملة، بينما بقيت الحجارة شاهدة على ما وصل إليه هذا التراث من إهمال.
حضارة تتآكل في صمت:
وأنا أقف أمام هذه الأبنية المتداعية، أدركت أن ما رأيته لم يكن مجرّد أطلالٍ مهملة، بل صورة موجعة لفقدان الذاكرة الثقافية.
كنيسة ست الروم التي تحولت إلى حظيرة دجاج، وقبر إيزودوتس الذي امتلأت جدرانه بالعبث، وقوس النصر الذي فقد عابريه، وقرية الرفادة التي غابت حكاياتها، وقصر المشبّك الذي غطى الإهمال أرضيته… كلها شواهد على تراث يُترك ببطءٍ ليموت.
فمن الأجدر أن تُغلق أبواب هذه المواقع وتحفظ، بدلاً من أن تُترك نهباً للتخريب والإهمال، وأن تبقى حجارتها شاهدة على تاريخها، لا مواد بناء تُقتلع من مكانها.
هذا النداء الخارج من قلب الألم ليس سوى دعوة صادقة لكلّ من يقرأ:
إذا لم ندرك قيمة هذا التراث اليوم، فلن يجد الجيل القادم سوى أطلال مهملة في أماكن كانت يوماً شاهدة على حضارةٍ عظيمة.
إنقاذ هذا #التراث ليس رفاهية، بل #واجب_وطني، ووفاء لذاكرة لا يليق بها أن تضيع بين الإهمال وروث الدجاج.
***&***&***&***
المصادر:
_ موقع : اليوم السابع
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية .


