رحلة البحث عن الهوية في مسرحية القرد الكثيف الشعر ليوجين أونيل

بقلم د.علي خليفة

اعتدنا أن نرى أبطال مسرحيات يوجين أونيل التي استوحاها من عالم البحر – الذي عمل في سفن الشحن فيه فترة من شبابه قبل انقطاعه للتأليف – إما أنهم يتباهون بكونهم بحارة أو وقادين يعملون في البحر، ويرون أن العمل فيه هو عمل الرجال، وأن من يعملون على اليابسة هم أقل منهم مكانة وقوة، كشخصية مات في مسرحية أنا كريستي، وشخصية الربان في مسرحية زيت الحيتان، أو أن نرى بعض أبطال تلك المسرحيات المستوحاة من عالم البحر يشعرون بالأسى والضيق لعملهم بالبحر، ويشعرون أنهم كالعبيد له، وأنهم لا يستطيعون الفكاك منه رغم ما بذلوه من محاولات في ذلك، كالربان العجوز كريس في مسرحية أنا كريستي، وكشخصيات أخرى عديدة نراها في مسرحيات أخرى له، كمسرحية رحلة العودة الطويلة، ومسرحية قمر على جزر الكاريبي.ولكننا نرى صورة مختلفة للعاملين في البحر في مسرحية القرد الكثيف الشعر، فيانك بطل هذه المسرحية – والذي تركز الأحداث عليه فيها – كان في بداية أحداثها لديه نفس شعور مات في مسرحية أنا كريستي، في اعتزازه بالعمل بالبحر، وازدرائه لمن يعملون على اليابسة، وكان مثله أيضا يعتز ببنيانه القوي، وقوته الكبيرة، وظل هذا الشعور مصاحبا مات طوال أحداث مسرحية أنا كريستي، أما يانك – في مسرحية القرد الكثيف الشعر- فقد حدث له حادث خطير جعله يشك في نظرته لنفسه، كشخص قوي مكانه الطبيعي في السفن التي تعمل بالفحم؛ ليلقي الفحم في موقدها؛ لتمخر عباب مياه البحار والمحيطات، وهذا الحادث الذي حدث له لم يجعله – في الوقت نفسه – يقبل العمل على اليابسة بديلا عن البحر، بل إن هذا الحادث جعله يبحث عن هويته في أماكن مختلفة، بعد أن شعر بضياعها بسبب ذلك الحادث.والحادث الذي جعل يانك يشك في قناعاته بأنه أصيل ولا مثيل له لبنيانه القوي وقوته الكبيرة وعمله وقادا في السفن – أن ابنة ملك الصلب في أمريكا قد نزلت مع بعض الحرس لمشاهدة يانك مع بعض زملائه الوقادين أمام فرن هذه السفينة، وركزت نظرها على يانك وصدره العاري الممتلئ بالشعر، وشعرت بالرعب منه – على وجه الخصوص – وهمست بكلمات خلال ذلك فهم منها أنها تراه قردا كثيف الشعر، وحسبها يانك خلال هذا الموقف خيالا، ورغم ذلك فقد رماها بالمعول الذي كان في يده، ولكنه أخطأها.

وبسبب هذا الموقف اشتعلت الثورة في نفس يانك، فقد اكتشف أن ركاب الدرجة الأولى في هذه السفينة – والرأسماليون الأثرياء بصفة عامة – لا ينظرون إليه نظرته لنفسه، بل يرونه مجرد قرد كثيف الشعر، ويقتصر دوره على خدمة هؤلاء السادة.ويحاول يانك في سبيل أن يستبقي تلك الصورة التي يعتقدها في نفسه أن يصل لهذه الفتاة، ويبصق في وجهها، ولكن حرسها وخدمها على هذه السفينة وفي بيتها ومصانع أبيها لا يمكنونه من ذلك.وعند ذلك يعرفه صاحب له – شاركه العمل في تلك السفينة – أن هذه الفتاة المتعجرفة التي سخرت منه تمثل طبقتها من الأثرياء الرأسماليين، والواجب عليه – معه – يكون في مقاومة هذه الطبقة المستغلة المتحكمة في باقي طبقات المجتمع.ويذهب يانك مع هذا الصاحب لميدان شهيرأمامه كنيسه، ويرتاده كثير من الأثرياء، وينظران لرواد هذه الكنيسة ممن يظهر عليهم الثراء بضيق شديد، ولا يكتفي يانك بإظهار ضيقه منهم، بل إنه يستعدي بعضهم، ويشتبك معهم، وينتهي الأمر به بالحكم عليه بالسجن شهرا.وخلال وجود يانك في ذلك السجن يتعرف على شخص آخر ناقم على هؤلاء الرأسماليبن الأثرياء، ويعرفه على منظمة تهتم بأمور العمال، ويظنها يانك منظمة سرية، يقوم أفرادها بأعمال مسلحة ضد خصومهم من هؤلاء الرأسماليين المستغلين، فيذهب إليها بعد خروجه من السجن؛ لينضم إليها، وينتقم من كل من يشبه هذه الفتاة وأبيها؛ ثأرا لكرامته، ومحاولة منه لاستبقاء الصورة التي اعتاد أن يرى نفسه من خلالها.

ولكن يانك يفاجأ من خلال حديثه مع سكرتير هذه المنظمة في أحد فروعها أنها منظمة سلمية لا علاقة لها بالعمل المسلح، وعند ذلك ينبذها، ويتركها بعد أن كاد يتعرض للسجن مرة أخرى بسبب كلامه وتصرفاته خلال وجوده في مكتب فرع هذه المنظمة.وتزداد حيرة يانك في هويته؛ هل هو ذلك الشخص العظيم الذي كان يظنه في نفسه، أو هو ذلك الشخص الهين الشأن كما رأته ابنة ملك الصلب في أمريكا؟وينتهي الأمر بيانك خلال بحثه عن هويته بأن يأتي لشامبنزي في قفص في حديقة للحيوان، ويتحدث إليه على أنه الوحيد الذي قد يفهمه، ويطالبه بالثورة معه على ذلك المجتمع الذي يهينهما، ويفتح يانك قفص هذا الشامبنزي؛ ليشاركه في تلك الثورة، ولكن ذلك الشامبنزي يمسك به، ويقتله، وبهذا يموت يانك، ولكن حيرته في البحث عن هويته لم تنته.

أخر المقالات

منكم وإليكم