ذكاء اصطناعي أم تقنيات جديدة؟

بقلم خالد المطلوب

أن تُنحَتَ المصطلحات من مفاهيم تختصّ بالإنسان بمفرده، ويُراد إلصاقها بعمل الآلة الصمّاء، فذلك ما لا يتوافَق مع منطق العقل السليم، فالذكاء، بَلَه التفكير، ميّزة بشرية بامتياز ولا تتوفّر عند غيره، والسعي لِحَشْرِهِ في الآلة عنوة ربّما جاء بسبب ذهول القائمين على تطويره حين أخذت النتائج بالظهور تباعاً، حيث خفّفت أجهزة الحواسيب عن البشر عناء الكتابة اليدوية، بما يُشبه ما حقّقته صناعة الطابعة أول حينها. وفعلت تلك الأجهزة فعلها -ابتداءً من الآلة الحاسبة اليدوية- في تقليل تَعب العودة للجداول كجداول الجيوب واللوغارتمات والظِلال، حيث صار التصدّي لجمع البيانات وتحليلها وفق معطيات التفكير المنطقي الرياضي، أسهل وأسرع بكثير من العمل اليدوي. ولا شكّ في أن شركات المنتجات المبنية على أساس هذا المنطق، قد استغلّت التسمية للترويج الدعائي الاستهلاكي وتعظيم المبيعات، حيث تعكس مفردة الذكاء عند الكثير من المستهلكين، بأن الأجهزة أو البرمجيات التي أمامهم، والتي يمكن أن تصير في متناوَل أيديهم، تمتلك من الصفات ما يمتلكها المخلوق الذكيّ، وهو الإنسان حصراً، مما يزيد الرغبة في الشراء. كما إن أمر استخدام مفردة “ذكاء” ليست بجديدة كلياً، إذ تمّ الحاقها بالتلفونات ذات الشاشة الكبيرة نسبياً، أوّل ظهورها في الأسواق. والطريف المتعلّق بتلك التلفونات، وبعد أن صارت تظهر فيها بعض العيوب، سواء في تصنيع المعدّات نفسها، أو أخطاء أخرى تتعلّق بالبرمجيات، صارت تسمى على سبيل المزحة “التلفونات الغبية”. كانت الشرارة التي تأسّس عليها مجال “الذكاء الاصطناعي” أول مرّة في أربعينيات القرن العشرين- مع تجارب آلان تورينج، الذي أوضَحَ إن العمليات الحسابية ممكنة التنفيذ، من حيث المبدأ، باستخدام نظام رياضي تَخيُّلي خاص، يسمّى اليوم آلة تورينج. هذا النظام التخيّلي “يَبني ويُعَدِّل مجموعات من الرموز الثنائية- التي تُمثَّل بالرقمين صفر وواحد”، وقد قضّى تورينج “ما تبقّى من أربعينيات القرن العشرين يفكّر بشأن كيفية تقريب آلة تورينج التجريدية باستخدام آلة مادية، وكيفية حثّ تلك الآلة الغريبة للعمل بذكاء، وقد ساعد في تصميم أول جهاز كمبيوتر حديث، واكتمل بمانشستر عام 1948”. ولعلّ السبب العلمي، وليس التجاري، لاختيار مفردة ذكاء وإقرانها بالآلة، هي مدى الدهشة التي زَلْزَلَت تورينج وغيره من المتخصصين، عن إمكانية إسناد بعض العمليات الخاصّة بالدماغ البشري، إلى ماكينة. (مارجريت إيه بودين؛ الذكاء الاصطناعي)إنّ البرمجيات المحَدّثة تقدّم خدمات جليلة للبشرية جمعاء في مجالات شتّى: “في المنازل، والسيارات، والمكاتب والبنوك، والمستشفيات، والفضاء… بعض تلك الاستخدامات تكون خارج الكوكب، مثل الروبوتات التي تُرسَل إلى القمر والمريخ… أفلام الرسوم المتحركة، وألعاب الفيديو والكمبيوتر، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، ومحركات البحث” (المرجِع السابق)، ولكنها تظلّ برمجيات موجَّهَة، ولا تستغني عن حاجتها للعقل الإنساني الذي تصدّى لابتكارها وتشغيلها، فهي تفشل في إداء مهامها بعيداً عن التدخل البشري. وسواء كانت النتيجة المتوخّاة من “الذكاء الاصطناعي” هي في أن تَحلّ محلّ الإنسان؛ في روبوتات صناعة السيارات مثلاً، أو أن تقوم بمساعدة الموظفين في إداء أعمالهم؛ كتصنيف وتحليل البيانات، فهو لا يَخرج عن كونه آلة، ويمكن أن نضيف؛ آلة متقدّمة.بعد خروج العلوم التجريبية من جلباب الفلسفة، واعتماد التجربة والمشاهَدَة وأدوات القياس، مع تنامي عصر النهضة الأوروبية حوالي القرن الخامس عشر الميلادي، سعى المتصدّون للدراسات الاجتماعية لِلَصْق مسمّى العلم بأبحاثهم، تأسّياً بنجاحات علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء وتمكّن هذه العلوم من الخروج بقواعد وقوانين تحكم عدداً من الظواهر المتشابهة فيما بينها- سعى أهل البحوث الاجتماعية لتبيّن تعميمات وتماثلات في السلوك الاجتماعي، وإسباغ مصطلح العلوم عليها، فراجَتْ عناوين مثل؛ علم الاجتماع، علم التاريخ، علم النفس… ثم توسّع وتفرّعت المفردات من مثل؛ علم اجتماع الأسرة، الثقافة، الدين، السياسة…إلخولكن ما لا يَخفى هو أن صفة الضبط العلمي القادرة على التنبؤ بحدوث الظواهر عند وقوع مقدّماتها، وهو ما يُلاحَظ في المكنة التنبّئية العالية المميِّزة للعلوم التجريبية- لا يمكن نقلها وتطبقها بحال، على الحركات والظواهر الاجتماعية، ولعلّ السبب الأهمّ في ذلك هو صعوبة معرفة عدد ونوع المتغيّرات الداخلة والمؤثرة بتعامل المجتمعات حين تواجه تحدّياً ما. ولكي تتخلّص الدراسات الاجتماعية من مَطلَب التوقُّع الدقيق المُرافق للعلوم التطبيقية، اتّجهت للمناوَرَة في وضع شتّى الاحتمالات الناتجة عن ظاهرة اجتماعية معيّنة. فالثورات، على سبيل المثال، لا تتحقق في كل مكان حتى حين تتشابه الأسباب هنا وهناك، الأمر الذي يؤكّد تَعسّر توقّع النتائج على الفعّاليات المجتمعية.وهكذا: يمكن النظر لمسمّى “الذكاء” -وهو صفة خاصّة بالإنسان فقط، كما أسلفنا- حين يراود باحثو البرمجيّات، إضفاءه على المكائن، بما يُشبه ما كان من الرغبة بإقران صفة “العلوم” على الدراسات الاجتماعية. فالمُراد من الالة هو أن تتملّك السعة اللامتناهية من الاحتمالات التي ترافق التفكير البشري حين يواجه مشاكل جديدة، وهو ما لا أظنّه ممكناً. على أن صعوبة أو استحالة صناعة دماغ يحاكي الدماغ البشري لا يَمنع من طرح السؤال والحلم بالإجابة، فالحلم والخيال صنوان لا انفصال بينهما، حتى وإن اشتطّا بنا بعيداُ في عالم اللامنطق واللامعقول، فتلك هي النقطة البادئة التي يُبنى عليها دائماً التقدم الصناعي الخادم والميسّر للحياة البشرية. التصوّرات والفرقعات الهوليودية: يجنح التفكير البشري، في بُعدِه النفسي، لتضخيم وتهويل المشاكل الصغيرة وتحويلها إلى مآسٍ عظيمة. ويمكن استغلال ذلك البُعد في صناعة إثارة وتشويق هدفها تحقيق أرباح مالية تعود بنفعها على المصَنِّعين. تُحَذر كتابات وتُعلن النفير من أن “الذكاء الاصطناعي” سوف يصل إلى حال من “التطوّر”، يكون من الصعب التكهّن بردود فعله، ما يهدّد الإنسان من السيطرة عليه، فيصبح خطراً على البشرية. يُمكن القول إن المنتَج التكنولوجي، فيه على الدوام، ما يشكّل خطراً حقيقياً على العاملين في المصانع أو على عموم المجتمع: فقد تتسبب محطّة كهربائية بإشعال الحرائق، وربّما يكون سوء استعمال الآلة مصدراً للحوادث، ومن المحتمل أن تسقط طائرة بسبب أعطال طارئة فتودي بحياة مَن عليها، ناهيك عن خطر الأسلحة بجميع أنواعها، على البشرية جمعاء.أوّل اختراع التلفون كان أمراً مذهلاً لا شكّ، وشيء من ذلك اعترى البشر عندما لمحوا السيارة لأول مرّة وهي تجول في الطرقات، وبالمثل، احتار عموم الناس في تفسير آلية الصوت المنبعث من الراديو، ولربّما نعتوه بالشيطان. ولم تصدّق الأغلبية عينيها أمام قدرة الطائرة على الطيران؛ انتقال الكهرباء؛ الضوء… كلّ هذه الاختراعات كانت مثار العجب أول العهد بها، ولم يصدّقها البعيدون الذين سَمعوا عنها قبل أن تتاح الفرصة لهم لمشاهدتها بأمّ أعينهم. وذات الأمر ينطبق، اليوم، على الماكينات الجديدة، والتي حُمِّلَتْ اسماً بأكثر من قدرتها على التحمّل؛ ذكاء اصطناعي! ويجدر القول إن هذا الذكاء يشبه ذكاء الآلات السالف ذكرها، أوّل إيجادها. وسيمرّ علينا حينٌ من الزمن، حتى نَبرأ من انبهارنا بالماكينات ذات الصيت الإعلامي-الاستثماري اليوم، فيصير المُنتَج عادياً لا يُلفت نظرْ، ولا ننسى إن أيّ تكنولوجيا ستبقى دائماً منقادةً لأوامر الصانِع والمستَخدِم.البرمجيّات المحدَّثة والعطالة: يتناول التطوّر مشاكل قائمة ويتصدّى لوضع الحلول لها، أو لعلّه يخفّف الأعباء عن الإنسان، فيخترع المبدعون الآلة وينقلون إليها بعض المجهودات التي كان يتكفّل بإدائها البشر. وفي نفس الوقت ينتج الاختراع الجديد مشاكل مستحدَثَة قد لا تكون في الحسبان. هذه هي آلية التقدّم التكنولوجي البشري وضريبته على مرّ التاريخ. فكم قلّل اختراع النول من الوقت المصروف على انتاج المنسوجات، ولا ننسى في الان ذاته، عدد العمّال الذين تمّ تسريحهم بسبب إحلال الماكنة كقوّة عمل مُبتَكرة، محلّ الإنسان. وكم ساهَمَت معدّات النقل في اختزال الوقت المهدور في السفر يوم كان يجري على الأقدام أو على الدواب، وهو ما أضَرّ بأصحاب المعدّات القديمة الذين وجدوا أنفسهم على قارعة طريق البطالة.غير أن الحلول تجيء تباعاً كلّما وجدَ العقل نفسه محاصراً في الزاوية، فيبتكر مهناً ومصالحَ مناسِبة، تساعد في تقليص البطالة التي أوجدَتها المبتكرات الجديدة. ولكن السؤال الأخلاقي المهمّ هنا هو: هل يمكن النظر إلى المهن والمصالح الجديدة، بصفتها ضرورة للحياة البشرية، أم هي ما يُشبه “حشو الفراغ” لتقليل العطالة وبالتالي اتّقاء شرّ العاطلين الذين لا يمكن التكهّن بسلوكياتهم، حين يضرب الجوع صغارهم! يتفاخر بعض الرؤساء الأمريكيين باستحداثهم “كذا مليون” فرصة عمل، وهي الفرص التي تمّ تلفيقها لحشر العاطلين في ثناياها، و “يا دار ما دخلك شرّ”!تأتي “التقنيات الجديدة” لتوظيف عدد لا يُستَهان به من العاملين، للاستفادة الحقيقية من التطوّر التكنولوجي، الذي يحقّقه ابتكار تلك البرمجيّات، حتى يتصدّى جيل جديد من المتخصصين لإنتاج الآلات والمصنوعات التي تتطلبها البرمجيات الجديدة، مثل روبوتات صناعة السيارات، وأخرى لكشف الألغام، وطائرات مسيّرة، أو آلات تشغيل المنتجات الغذائية أو أيّ منتجات أخرى، يمكن أن تحلّ الماكينة فيه محلّ الإنسان، كونها تعتمد على البرمجة دون الحاجة للإبداع القائم على التغيير. إن إيجاد متخصصين لصناعة الآلات الحديثة، وكذا تشغيلها، يتطلّب فتح فروع جديدة في الجامعات، أو، إن احتاجَ الأمر، فتح جامعات مستقلّة لاستيعاب الحاجة المتزايدة لهذه الفروع المعرفية المستَجَدّة. مما يعني تخصيص أراضي لتشييد الأبنية المطلوبة عليها، واختيار كادر تعليمي وتأليف ثمّ طباعة الكتب المناسبة…إلخ وبالعودة إلى موضوع المقال الرئيسي عن تحديد الفرق بين الذكاء وبين الآلة المبرمجَة، نقول: حين يسعى المسؤولون عن هذا الحقل، لتطبيق برامجهم على العمليات الفكرية للدماغ البشري، بهدف الاستعاضة عن الدماغ، أظن أن الأمر سيواجه صعوبات كبيرة، بصفته جنوحاً وشطحات من باب الرغبات والأحلام. إذ تُبنى الآلة على عدد محدّد من الاحتمالات، بينما يتوفر العقل على عدد غير محدود من الحلول، وإن استعصى حلّ اليوم، فلا شكّ ان دماغ الإنسان سيتفتّق عن حل غداً، وهو ما يمكن ملاحظته في الاختناقات والاستعصاءات المجتمعية التاريخية، التي تقود، بعد حين من الزمن، لحلٍ انعطافيّ جوهري. كما ولا بدّ من الإشارة إلى أن التفكير الإبداعي عند الإنسان يتعلّق، كذلك، في ابتكار المُنتَج التكنولوجي اللازم والمباشر -قبل التَرَفي التسليعي والمزيّف- لحياته: تشذيب الحجر، الصناعات المعدنية الأولى، بناء البيت كضرورة حياتية… ثم توسّعت الابتكارات لتشمل حاجات غير مباشرة، مثل إقامة المسجد كمتطلّب روحي، إنشاء المدرسة كلازمة تعليمية…إلخ، فهل يمكن أن نتصوّر يوماً أن تحدّد لنا ماكينة مبرمَجَة، أولوياتنا وضرورات حياتنا، بدل العقل البشري؟

المصدر: صحيفة أوروك

أخر المقالات

منكم وإليكم