“حين يُغنّي القصب حكاية سلال لا تشيخ من ذاكرة الريف السوري .. حرفة سورية عريقة مازالت تقاوم النسيان وتحيك التراث بأنامل من ذهب .
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في قلب قرى ريفنا السوري الجميل حيث تختلط رائحة التراب بالمطر تعبق مع نسمات الريح.
ما تزال ترى هنآك بعض المهن التراثية صامدة تحافظ على نبضها القديم كأنها ذاكرة الوطن تنبض في كل يدٍ تُبدع وكل قصبة تُقطف بعناية. ومن بين تلك المهن التي صمدت في وجه الزمن والحداثة مهنة صناعة السلال من القصب تلك الحرفة التي لا تزال تروي حكايا الجدات والأجداد وتُنسج بخيوط التراث والمهارة.
في صباحات الريف السوري ترى الفلاح يخرج إلى ضفاف الأنهار أو أطراف السواقي يحمل منجله بيد وسلته المصنوعة من قصب بيد أخرى ليختار بعين خبيرة تلك القصبـات الطويلة المرنة التي تصلح لأن تتحول لاحقًا إلى تحفٍ تراثية تنبض بالحياة. يُقطع القصب ويُجفف تحت شمس الخريف ثم يُنقع في الماء ليتلين ويصبح طوعًا في يد الصانع الذي خبر القصبة ودرس حركتها كما يدرس الشاعر قوافيه.
داخل غرفة طينية أو تحت ظل شجرة توت معمرة يجلس الحرفي بصبر لا يعرفه إلا من عاش مع التراب وعشق تفاصيله. يبدأ بتشكيل القاعدة ثم يصعد شيئًا فشيئًا، يلفّ يعقّد، يربط، ويفكك وكأن بين يديه لغة سرية لا يفهمها إلا القصب ذاته. والسلة لا تُنسَج عشوائيًا بل وفق نظامٍ دقيق هندسيٍّ عتيق موروث من مئات السنين فيه من الفن بقدر ما فيه من الدقة.
وقد لا تكون السلة مجرد أداة لحمل الخضار أو تخزين القمحى بل تحمل بين خيوطها حكاية بيت ودفء أم وعرق رجل وضحكة طفل. كانت السلال ترافق الفلاح في حقله والعروس في جهازها وحتى العجائز في مواسم القطاف. لكل شكلٍ من السلال وظيفة، ولكل سلة اسمٌ يُطلق عليها بحسب حجمها واستخدامها فمنها الكبيرة لحمل المحاصيل ومنها الصغيرة للبيض أو الخبز أو الفاكهة.
ورغم الحداثة التي اجتاحت العالم والمصانع التي أنتجت كل شيء بلا روح بقيت السلال القَصبية شاهدة على الجمال البسيط والفن الفطري والارتباط العميق بين الإنسان والطبيعة. واليوم، تجدها تزين البيوت التراثية أو تُعرض في المهرجانات الشعبية كأنها تقول: “أنا من هنا.. من أرض القصَب والماء من دفء الأيادي التي لا تزال تحبّ أن تزرع وتنسج وتُبدع.”
هكذا هي صناعة السلال من القصب في قرانا السورية الجميلة.. ليست مجرد مهنة بل قصيدة تراثية تُنسَج بأصابع الصبر وتُغنّى بصوت الأرض.
حسب النغمة التي تفضلها..
#عاشق اوغاريت.. غسان القيم..# مجلة ايليت فوتو ارت.


