ديفيد هوكني: بهجة الحداثة وذكاء الرؤية
يُعدّ ديفيد هوكني، الذي رحل أمس عن عمر ناهز 88 عاماً، واحداً من أبرز الفنانين الذين منحوا الفن المعاصر صورة متفائلة ومشرقة عن العالم. فمنذ بداياته وحتى أعماله الرقمية الأخيرة، احتفظ بقدرة استثنائية على التجدد دون أن يقطع صلته بالتقاليد الفنية الكبرى. ولعل ما يميز تجربته أكثر من أي شيء آخر أن الواقعية لديه لم تكن غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لاكتشاف إمكانات جديدة للرؤية والتصوير. فهو يرسم الأشخاص والبيوت والطرقات والأشجار والمسابح، لكنه لا يقدمها بوصفها نسخاً من الواقع، بل بوصفها فرصاً لإعادة بنائه بصرياً وفق حساسية معاصرة تحتفي باللون والضوء وتعدد زوايا النظر.
على خلاف كثير من الاتجاهات الفنية التي انشغلت بالقلق والتشاؤم والتفكيك، اختار هوكني أن ينظر إلى العالم بعين مختلفة، عين معجبة بما يحيط بها، قادرة على اكتشاف الجمال في تفاصيل الحياة اليومية. وجد في العمارة الحديثة، والتصميم المعاصر، والمدن، والطبيعة، والتقنيات الجديدة، منابع إلهام لا تنضب. لذلك تبدو أعماله وكأنها إعلان دائم عن الثقة بقدرة الإنسان على رؤية العالم بصورة أكثر ثراءً وبهجة. فهو لا يرثي ما مضى بقدر ما يحتفي بما هو قائم وما يزال ممكناً.
ومن هنا اكتسبت أعماله تلك الحيوية التي تجعل النظر إليها تجربة ممتعة بحد ذاتها. فالفن عنده ليس خطاباً نظرياً مغلقاً ولا لغزاً عصياً على الفهم، بل متعة بصرية خالصة. ويمكن وصف أعماله بأنها نوع من «فاكهة النظر»، فهي تمنح العين لذتها المباشرة قبل أن تفتح أمام العقل أبواب التأمل. ألوانه الصافية، وتكويناته الواضحة، وإيقاعاته البصرية المتدفقة تجعل الرؤية نفسها فعلاً من أفعال الاحتفاء بالحياة.
وتنبع أهمية هوكني أيضاً من موقعه الفريد بين الماضي والحاضر. فقد امتلك مهارة كلاسيكية راسخة في الرسم والبورتريه وبناء التكوين، ومعرفة عميقة بالتراث الأوروبي الذي سبقه، لكنه لم يتردد في إعادة النظر في القواعد الموروثة وتوسيع آفاقها، لذلك يبدو جديراً بأن يُنظر إليه بوصفه وريثاً للفنانين الكبار الذين سبقوه، وأحد الفنانين الذين سيورثون الأجيال اللاحقة فهماً متجدداً للصورة والرؤية، فهو يجمع بين الحرفة الكلاسيكية والخيال الحداثي، وبين احترام التقاليد والجرأة على تجاوزها.
ولم تقتصر هذه الروح على أعماله الفنية وحدها، بل انعكست أيضاً في شخصيته العامة وهندامه المميز، فقد ارتبطت صورته دائماً بألوانه المشرقة وملابسه الأنيقة ونظاراته الشهيرة، حتى بدا حضوره الشخصي امتداداً طبيعياً لفنه. فالأناقة اللونية التي تتجلى في لوحاته لا تنفصل عن أناقته في الحياة، كلاهما يعبر عن مزاج جمالي يرى في اللون أكثر من عنصر تشكيلي، ويراه أسلوباً في إدراك العالم والتفاعل معه. وهكذا تبدو شخصية هوكني وفنه وجهين لحقيقة واحدة، فنان رأى الحياة فضاءً رحباً للاكتشاف والبهجة، وأثبت أن الحداثة الحقيقية لا تقوم على القطيعة مع الماضي، بل على القدرة الدائمة على تجديده وإحيائه بلغة تنتمي إلى زمنها.
ولعل القيمة الأعمق في تجربة ديفيد هوكني لا تكمن في ما رسمه فحسب، بل في الطريقة التي علّمنا بها أن ننظر، فالعالم في نظره ليس شيئاً مكتمل المعنى ينتظر من يصفه، بل تجربة متجددة تتغير بتغير العين التي تراها، ومن هنا جاء فنه احتفاءً دائماً بإمكانات الرؤية الإنسانية، وبقدرة الجمال على أن يولد من المألوف كلما أعدنا اكتشافه. لقد أثبت هوكني أن الحداثة ليست مطاردةً محمومة للجديد، بل قدرة متجددة على رؤية العالم كما لو أنه يُرى للمرة الأولى.
ربما لا تكمن أهمية هوكني في منجزه الفني وحده، بل في الدرس الإنساني الذي تقدمه تجربته. ففي بلدان عانت طويلاً من الحروب والأزمات والتقلبات، كما هو حال العراق، تكتسب دعوته الضمنية إلى الاحتفاء بالجمال معنى إضافياً. فهو يذكرنا بأن اللون ليس مجرد قيمة تشكيلية، وأن البهجة ليست حالة سطحية أو هروباً من الواقع، بل شكل من أشكال مقاومة القسوة اليومية واستعادة التوازن الإنساني. ومن هذه الزاوية يمكن لأي منا أن يستعير شيئاً من نموذجه، أن يفسح مكاناً أكبر للضوء والألوان والفنون والطبيعة في حياته، وأن يعيد اكتشاف ما حوله بعين أكثر انتباهاً وامتناناً. فكما جعل هوكني من النظر فعلاً خلاقاً، يمكن لنا أيضاً أن نجعل من الجمال، مهما كان بسيطاً، جزءاً من ثقافة الحياة التي يحتاجها العراق اليوم بقدر حاجته إلى أي شكل آخر من أشكال البناء.
#النقد والفن التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..


