دلالة اللسان في علوم القرآن: من المعنى اللغوي إلى الوظيفة البيانية والتفسيرية

مقدمة

يحتل مفهوم اللسان مكانة مركزية في علوم القرآن؛ لأنه يتصل بطبيعة الخطاب القرآني، وخصوصية لغته، وطرائق تشكّل المعنى فيه. فاللسان ليس مجرد أداة صوتية للتواصل، ولا وسيلة محايدة لنقل الأفكار، بل هو نظام لغوي وثقافي ودلالي تتحدد من خلاله طرائق التعبير والفهم والتأويل.

وقد ورد لفظ اللسان في القرآن الكريم في سياقات متعددة، منها ما يحيل على اللغة والبيان، ومنها ما يتصل بالقدرة على التعبير والنطق، ومنها ما يرتبط بتحديد الهوية اللغوية للرسالة السماوية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة دلالة هذا المفهوم في ضوء علوم القرآن، واستجلاء علاقته بالوحي والبيان والتفسير والإعجاز اللغوي.

أولا: اللسان في الدلالة اللغوية والاصطلاحية

يدل اللسان في المعاجم العربية على الجارحة المعروفة التي يتحقق بها النطق والتذوق، كما يدل مجازا على اللغة والبيان والكلام. وقد وسّع الاستعمال العربي من دلالته، فأصبح يطلق على نظام التخاطب الذي تتواصل به الجماعة البشرية، فنقول: لسان العرب، ولسان الفرس، أي لغتهم.

ويشير ابن فارس في مقاييس اللغة إلى أن مادة (لسن) تدور حول الكلام واللغة، بينما يربط ابن منظور في لسان العرب بين اللسان والقول واللغة والفصاحة.

أما في الاصطلاح اللساني الحديث، فيمكن التمييز بين اللسان بوصفه نظاما اجتماعيا من العلامات والقواعد، وبين الكلام بوصفه إنجازا فرديا لذلك النظام. وهذا التمييز الذي ارتبط بفرديناند دي سوسير يتيح لنا مقاربة اللسان القرآني من زاوية تتجاوز العضو النطقي إلى النظام اللغوي الذي ينتظم الخطاب.

ثانيا: اللسان في الاستعمال القرآني

تتعدد السياقات التي ورد فيها لفظ اللسان في القرآن الكريم، ويمكن الوقوف عند ثلاثة استعمالات دلالية أساسية:

1. اللسان بمعنى اللغة والهوية اللغوية

يقول الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: 4).

تكشف الآية عن ارتباط الرسالة باللغة التي يتواصل بها المخاطبون، فاللسان هنا ليس مجرد وسيلة للتبليغ، بل شرط من شروط تحقق البيان وإمكان الفهم. إذ تقتضي عملية التواصل أن يرد الخطاب بلغة يستطيع المتلقي إدراكها واستيعاب دلالاتها.

وتتجلى في الآية علاقة وثيقة بين اللسان والبيان، فاختيار لغة القوم يجعل الرسالة قابلة للفهم والتلقي، ويؤسس لمبدأ التواصل بين المرسل والمتلقي.

2. اللسان بوصفه أداة للنطق والتعبير

يقول تعالى على لسان موسى عليه السلام:

﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: 27-28).

يحيل اللسان في هذا السياق على القدرة التعبيرية والنطقية، غير أن دلالته لا تنفصل عن الوظيفة التواصلية؛ فالمطلوب ليس مجرد إنتاج الأصوات، وإنما تحقيق الفهم لدى المخاطبين. وهذا ما تؤكده عبارة «يفقهوا قولي»، التي تجعل الغاية من الكلام بلوغ المعنى وإيصاله بوضوح.

3. اللسان بوصفه علامة على البيان والوضوح

يقول سبحانه:

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: 195).

تؤسس هذه الآية لوصف اللغة التي نزل بها القرآن، فاللسان العربي هنا محدد لغوي للخطاب القرآني، أما وصفه بالمبين فيحيل إلى خصائص البيان والوضوح والقدرة على التعبير عن المعاني.

ولا يعني وصفه بالمبين أن جميع دلالات القرآن تنكشف لكل قارئ بالدرجة نفسها، وإنما يدل على أن القرآن جاء بلغة عربية ذات نظام بياني يمكن فهمه وتدبره، مع تفاوت الناس في العلم بأسرارها ووجوه دلالتها.

ثالثا: تعدد الدلالة السياقية لمفهوم اللسان

لا تنحصر دلالة اللسان في القرآن الكريم في معنى اللغة وحده، بل تتسع لتشمل دلالات أخرى تتحدد بحسب السياق الذي يرد فيه اللفظ.

1. اللسان بمعنى العضو والقدرة على النطق

يقول تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۝ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (البلد: 8-9).

يحيل اللسان هنا على الجارحة التي وهبها الله للإنسان، والتي تمكنه من النطق والتعبير. وتكشف الآية عن ارتباط البنية الجسدية للإنسان بوظيفته التواصلية والبيانية.

2. اللسان بمعنى الذكر الحسن والثناء

يقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84).

لا يدل اللسان في هذا السياق على اللغة أو الجارحة، وإنما يحيل على الذكر الجميل والثناء الحسن الذي يبقى للإنسان في الأجيال اللاحقة. وهذا يكشف عن انتقال اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالة معنوية قائمة على المجاز.

3. اللسان بمعنى اختلاف اللغات

يقول سبحانه:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).

تتخذ دلالة اللسان هنا بعدا إنسانيا واجتماعيا، إذ يشير اختلاف الألسنة إلى تنوع اللغات وطرائق النطق والتعبير بين الجماعات البشرية. ويصبح هذا التنوع علامة من علامات القدرة الإلهية، ودليلا على تعدد أنماط التواصل الإنساني.

رابعا: اللسان وعلاقته بعلوم القرآن

تتجاوز أهمية مفهوم اللسان حدود التفسير المعجمي للمفردة، لتتصل بمجموعة من العلوم التي تسهم في فهم النص القرآني.

1. اللسان وعلم التفسير

إن فهم القرآن الكريم يقتضي معرفة اللسان الذي نزل به، وإدراك خصائصه المعجمية والتركيبية والبلاغية. فلا يمكن للمفسر أن يستوعب دلالات الآيات دون الرجوع إلى استعمالات العرب، ومعرفة أساليبهم في التعبير، ومراعاة السياقات التي تنتظم الألفاظ والتراكيب.

ومن هنا تتضح أهمية علوم اللغة في التفسير، باعتبارها مدخلا ضروريا لفهم الخطاب القرآني.

2. اللسان وعلم أسباب النزول

يساعد الوعي بالسياق اللغوي والتاريخي على فهم دلالات الخطاب القرآني، وتحديد طبيعة المخاطبين ومقاصد التوجيه. فاللغة لا تنفصل عن المقام الذي تستعمل فيه، والمعنى لا يتحدد دائما من خلال المفردة المعجمية وحدها، وإنما يتشكل كذلك من خلال السياق والمقام.

3. اللسان وعلم البلاغة والإعجاز

يمثل اللسان العربي الإطار التعبيري الذي تجلت من خلاله الخصائص البيانية للقرآن الكريم. ويتصل ذلك بدراسة النظم والتقديم والتأخير والحذف والذكر والاستعارة والكناية والفصل والوصل.

وقد أبرز عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة أن المعنى لا يتحقق من خلال المفردات منفصلة، وإنما من خلال العلاقات التي تنتظم بينها داخل التركيب.

وهذا التصور يجعل دراسة اللسان القرآني مدخلا إلى فهم الإعجاز البياني، لأن خصوصية الخطاب لا تكمن في مفرداته وحدها، بل في طريقة تأليفها وانتظامها وإنتاجها للدلالة.

4. اللسان وعلم القراءات

ترتبط القراءات القرآنية بوجوه الأداء والنطق، وما يتصل بها من أحكام صوتية ولغوية. ولذلك فإن دراسة اللسان تتيح فهم جوانب من العلاقة بين البنية الصوتية والدلالة، مع مراعاة أن القراءات القرآنية المتواترة وجوه أداء ثابتة بالنقل والرواية، وليست مجرد اختلافات لهجية أو اجتهادات لغوية.

خامسا: اللسان القرآني من منظور لساني ودلالي

يمكن مقاربة مفهوم اللسان في القرآن الكريم من منظور اللسانيات الحديثة، خصوصا إذا استحضرنا التمييز بين اللغة بوصفها نظاما اجتماعيا، والكلام بوصفه ممارسة فردية.

فإذا كان فرديناند دي سوسير قد جعل اللسان نظاما من العلامات والعلاقات التي تتقاسمها الجماعة اللغوية، فإن ورود اللسان في القرآن الكريم بمعنى لغة القوم يفتح مجالا للمقارنة بين التصورين، مع الانتباه إلى اختلاف المرجعيات والمقاصد.

كما أن مفهوم اللسان في القرآن يتجاوز التصور البنيوي المحض، لأنه يرتبط بالبيان والتبليغ والهداية والتواصل، فضلا عن ارتباطه بالبعد العقدي المتمثل في كون القرآن وحيا منزلا بلسان عربي.

ومن جهة أخرى، فإن تعدد دلالات اللفظ القرآني بين الجارحة واللغة والذكر الحسن يكشف عن ثراء النظام الدلالي للغة العربية، وعن قدرة اللفظة الواحدة على الانتقال بين مستويات معنوية مختلفة بحسب السياق.

وهنا تتجلى أهمية المقاربة الدلالية التي لا تكتفي بتحديد المعنى المعجمي، وإنما تبحث في العلاقات السياقية والوظائف التداولية التي تسهم في إنتاج المعنى.

خاتمة

يتضح مما سبق أن مفهوم اللسان في علوم القرآن مفهوم متعدد الأبعاد، لا يمكن اختزاله في دلالة العضو النطقي أو اللغة التي يتحدث بها الإنسان. فهو يتراوح بين الدلالة الحسية والدلالة اللغوية والوظيفة التواصلية والدلالة المجازية.

وقد اكتسب اللسان في الخطاب القرآني أهمية خاصة من خلال ارتباطه بمفهوم البيان، وتحديد لغة الوحي، وإبراز الخصائص التعبيرية للقرآن الكريم.

وعليه، فإن دراسة اللسان في علوم القرآن تقتضي الجمع بين المعجم والتفسير والبلاغة واللسانيات، لأن هذه الحقول المعرفية تتكامل في الكشف عن أسرار الدلالة القرآنية، وتبين أن اللغة ليست مجرد وعاء للمعنى، بل هي نظام من العلاقات والاختيارات التعبيرية التي يتشكل من خلالها الخطاب.

المراجع والمصادر

أولا: المصادر التراثية

  • ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر.
  • ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت.
  • الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم.
  • الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.
  • الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي.
  • عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي.
  • عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني.
  • السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

ثانيا: المراجع الحديثة

  • الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر.
  • محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
  • مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، مكتبة المعارف.
  • فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق.

مصادر للاستئناس بالتفسير:

أخر المقالات

منكم وإليكم