بقلم د. عبد الواسع السقاف
قد يكتب الشاعر الموهوب قصيدته اعتمادًا على السَّماع والفطرة، من غير معرفةٍ مسبقةٍ ببحور الشعر، فيأتي الوزن سليمًا مستقرًّا. غير أنّ دراسة علم العَروض تمنحه وعيًا أعمق بما يكتب، وتُنمّي موهبته، وتكسبه ثقةً أكبر في أدواته.
ولفهم علم العَروض فهمًا صحيحًا، لا بد من البدء بإدراك علم الأصوات، وكيف تُقطَّع الأبيات إلى وحداتٍ صوتية، ثم تُنظَّم في وحداتٍ عَروضية وتفعيلاتٍ منتظمة. ومن هنا تتضح بنية الوزن الشعري، ويزول كثير من الغموض الذي يحيط به عند المبتدئين.
وبحور الشعر ليست قوالب جامدة، بل فيها قدرٌ من المرونة، يظهر في الزِّحافات والعِلل، وهي تغييراتٌ معروفة ومقبولة إذا وردت في مواضعها الصحيحة. أمّا ما خرج عن هذه الأصول، ولم يستقم مع التفعيلات ولا العِلل، فهو كسرٌ شعريٌّ يُعدّ عيبًا في الوزن ولا يُقبل في الشعر العمودي.
وإذا تخلّى النص عن الوزن العَروضي كلِّيًّا، خرج من دائرة الشعر العمودي الموروث، واقترب من النثر، مهما حسنت ألفاظه أو علت معانيه.
والشاعر الأصيل يلتزم بقوانين العَروض، إمّا دراسةً ووعيًا، أو فطرةً وذوقًا. أمّا شعراء الحداثة، فلكلٍّ منهم مساره وخياره الفني، فمنهم من يلتزم الوزن، ومنهم من يتجاوزه إلى أشكالٍ تعبيرية أخرى.
وعلم العَروض علمٌ واسعٌ راسخ، حفظ للشعر العربي هيبته وقيمته عبر العصور. وقد يبدو في بدايته صعبًا أو معقّدًا، لكن من أقبل عليه بمحبة، وجده مع الوقت علمًا ممتعًا، يكشف له أسرار الموسيقى الشعرية، ويقرّبه أكثر من روح الشعر وجماله.


