كتب أحمد إبراهيم الشريف
تتيح المقارنة بين الطبعة الأولى من “في الشعر الجاهلي”، و”نقد كتاب الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدي، و”نقض كتاب في الشعر الجاهلي” لمحمد الخضر حسين، و”تاريخ آداب العرب” للرافعي، اختبار ثلاث قضايا محددة: مشروعية الشك، ودلالة الاختلاف اللغوي، وحدود الاستدلال بانتحال القصص والأشعار.
محمد فريد وجدي.. موافقة على المنهج وخلاف حول مرجعيته
في فصل «منهج البحث»، الذي يبدأ بالصفحة الحادية عشرة، أعلن طه حسين اعتزامه تطبيق المنهج الديكارتي على تاريخ الأدب العربي، داعيًا الباحث إلى التحرر من الأحكام المسبقة والعصبيات الدينية والقومية، وإخضاع الروايات للفحص العلمي.
وعندما تناول محمد فريد وجدي هذه الدعوة في الفصل الأول من كتابه، بدأ بإقرار لافت بقيمتها؛ فوصف كلام طه حسين بأنه «ثمين»، ورأى أن مضمونه يتفق مع ما يدعو إليه القرآن من التثبت ورفض التقليد.
لكن وجدي اعترض على نسبة هذا المنهج إلى ديكارت باعتباره الطريق الصحيح للبحث، وعلى مطالبة الباحث بأن ينسى دينه أثناء الدراسة. وذهب إلى أن القرآن سبق الفلسفة الحديثة إلى الدعوة للبرهان، مستشهدًا بآيات تنهى عن اتباع الظن والخوض فيما لا علم للإنسان به.
وتكشف المقارنة أن وجدي لم يقدم في هذا الفصل دليلًا على فساد مبدأ الشك، وإنما ناقش مرجعيته وحدود العلاقة بين الاعتقاد الديني والبحث العلمي. ولذلك لا يصح اعتبار اعتراضه ردًا حاسمًا على نظرية انتحال الشعر، وإن كان يكشف اختلافًا فلسفيًا بين الرجلين.
الخضر حسين.. ماذا تثبت نقوش اليمن عن لغة الشعر؟
في فصل «الشعر الجاهلي واللغة»، استند طه حسين إلى الاختلاف بين لغة حمير ولغة عرب الحجاز، وإلى الآثار اللغوية القديمة، للتشكيك في صحة نسبة قصائد متقاربة اللغة إلى شعراء ينتمون إلى جماعات مختلفة.
أما محمد الخضر حسين، فناقش الاستدلال في كتابه «نقض كتاب في الشعر الجاهلي»، وأقر بأن النقوش تكشف اختلافًا واضحًا بين اللغتين، لكنه رفض اعتبار ذلك دليلًا كافيًا على استمرار الاختلاف بالدرجة نفسها حتى ظهور الإسلام.
وطرح تفسيرًا بديلًا يقوم على احتمال تقارب اللغتين تدريجيًا قبل الإسلام، مستندًا إلى إمكان انتقال القبائل وتأثر بعضها ببعض، وإلى التمييز بين لغة النقوش الرسمية واللغة المستخدمة في التخاطب.
واستشهد بما أورده جرجي زيدان عن الأنباط، الذين استخدموا الآرامية في بعض كتاباتهم رغم صلتهم بالعربية، للدلالة على أن لغة الكتابة لا تعكس بالضرورة جميع أشكال الكلام المتداول.
كما عاد إلى نص أبي عمرو بن العلاء الوارد عند ابن سلام الجمحي، وانتقد اختلاف الصياغة التي نقلها طه حسين، ولا سيما حذف الإشارة إلى «أقاصي اليمن»، لما لهذه العبارة من أثر في تحديد نطاق الاختلاف اللغوي.
وهنا تكمن قوة اعتراض الخضر حسين؛ فقد بيّن أن وجود لغة مختلفة في النقوش لا يثبت وحده استحالة وجود لغة شعرية مشتركة. لكنه لم يقدم في هذا الموضع شواهد مؤرخة تكفي لإثبات أن التقارب الذي افترضه كان قد تحقق بالفعل لدى الشعراء محل النزاع.
وبذلك يضعف الاعتراض تعميم طه حسين، دون أن يثبت صحة القصائد التي شكك فيها.
الرافعي.. نص سابق يكشف الاتفاق وحدود الخلاف
في فصل «القصص وانتحال الشعر»، الذي يبدأ بالصفحة التسعين، أشاد طه حسين بالرافعي، واعتبره من القلائل الذين أدركوا أثر القصاص في صناعة الأشعار ونسبتها إلى القدماء، مستشهدًا بالجزء الأول من كتابه «تاريخ آداب العرب».
وبالعودة إلى نص الرافعي، نجد أنه ربط بين انتشار القصاص وأهل الأخبار وبين الحاجة إلى نظم أبيات تساند الحكايات وتمنحها قوة الإقناع، وتوقف عند الأشعار المنسوبة إلى الأمم البائدة وبعض الشخصيات القديمة.
والتقى طه حسين معه في هذه الملاحظة، لكنه مضى إلى نتيجة أوسع؛ إذ رأى أن القصاص وضعوا شعرًا كثيرًا، وأن بعض ما صنعوه انتقل إلى كتب الأدب وأصبح جزءًا من التراث المتداول.
وتكشف المقارنة أن اتفاق الرجلين كان قائمًا على إثبات ظاهرة الانتحال، بينما ظهر الخلاف في مدى انتشارها، وفي قدرة العلماء والرواة على التمييز بين الصحيح والمصنوع.
فالرافعي قدم شواهد على أشعار وضعت لخدمة القصص، وهي شواهد مهمة في إثبات الظاهرة، لكنها لا تحدد حجم الشعر المنتحل من مجموع ما وصل إلينا.
وفي المقابل، احتاج طه حسين إلى أدلة إضافية لإثبات انتقال الظاهرة من نماذج محددة إلى الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي.
من امتلك الدليل الأقوى؟
تكشف المقارنة أن المعارضين الثلاثة قدموا اعتراضات مختلفة القيمة؛ فمناقشة محمد فريد وجدي ركزت على الأساس الفكري للمنهج، بينما قدم الخضر حسين تفسيرًا لغويًا بديلًا يستحق البحث، وأثبتت نصوص الرافعي أن ظاهرة الانتحال كانت معروفة قبل طه حسين.
وكان أقوى الاعتراضات العلمية في هذه النماذج ما تعلق بحدود الاستدلال؛ إذ لا تكفي النقوش المختلفة لإثبات انتحال جميع القصائد، كما لا تكفي وقائع الوضع عند القصاص للحكم على معظم الشعر الجاهلي.
وبعد مائة عام، تظهر القيمة الحقيقية لهذه الكتب في أنها تحفظ اختلافًا حول قوة الأدلة، ومدى صلاحيتها لإنتاج أحكام عامة. فقد نجح خصوم طه حسين في مناقشة بعض مقدماته واستنتاجاته، دون أن تقدم المواجهات الثلاث حكمًا نهائيًا على صحة الشعر الجاهلي أو انتحاله.
وهكذا تبقى القضية المركزية التي أثارها الكتاب حاضرة: كيف ينتقل الباحث من إثبات حالات محددة من الانتحال إلى الحكم على تراث شعري كامل؟
******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت


