خروج الحملة الفرنسية .. كيف انتهى احتلال مصر؟

الحملة الفرنسية

أحمد إبراهيم الشريف

بين حصار القاهرة واستسلام الإسكندرية، جرت الفصول الأخيرة من الوجود العسكري الفرنسي في مصر سنة 1801، بعدما استنزفت الحرب والمقاومة والحصار قدرة جيش الشرق على تثبيت احتلاله، وتحولت المدن التي راهن الفرنسيون على الاحتفاظ بها إلى مواقع محاصرة، ثم بدأت المفاوضات التي رتبت تسليمها ونقل الجنود إلى فرنسا، لتنتهي المغامرة الاستعمارية التي بدأت بوصول بونابرت سنة 1798.

وبحسب كتاب “الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر” للمؤرخ محمد فؤاد شكري، ارتبطت النهاية بتعثر العمليات العسكرية، والخلافات بين القادة، وصعوبة وصول الإمدادات، وظلت الحكومة الفرنسية تسعى إلى نجدة الجيش، وتراهن على استمرار وجوده في مصر حتى مفاوضات السلام الأوروبية، أملاً في استخدام الأراضي المحتلة ورقة للمساومة وتحسين شروط التسوية. 
 

حصار طويل ومشروع يتراجع

تراكمت أسباب الإخفاق منذ تحطيم الأسطول الفرنسي في أبي قير سنة 1798، وهو ما أضعف اتصال الحملة بفرنسا، ثم عاد بونابرت إلى بلاده في أغسطس 1799، وتولى كليبر القيادة، قبل اغتياله في يونيو 1800 وانتقال المسؤولية إلى الجنرال جاك فرانسوا مينو.
وتضع وزارة الدفاع الفرنسية هذه الوقائع ضمن مسار واجه خلاله الجيش ثورات ومقاومة متكررة، ومحاولات عثمانية لاستعادة البلاد، وصولًا إلى الهجوم العثماني البريطاني في ربيع 1801، ومع اتساع الضغط العسكري، أصبحت قدرة الفرنسيين على الاحتفاظ بمواقعهم مرتبطة بوصول نجدات وبقاء طرق الاتصال مفتوحة بين الحاميات. 

مارس 1801.. بداية الفصل الحاسم

نزلت القوات البريطانية بقيادة رالف أبركرومبي في خليج أبي قير يوم 8 مارس 1801 ، وتمكنت من تثبيت مواقعها على الشاطئ، وفي 21 مارس دارت معركة قرب الإسكندرية، حاول خلالها مينو مهاجمة القوات البريطانية، وانتهت بانتصار البريطانيين، وأصيب أبركرومبي بجراح توفي متأثرًا بها، فتولى جون هيلي هتشنسون القيادة.

أبقى هتشنسون قوة لمحاصرة الفرنسيين في الإسكندرية، وتحرك نحو القاهرة، حيث انضمت إليه القوات العثمانية، وبذلك اتجهت العمليات إلى الضغط على مركزي الوجود الفرنسي، بينما أخذت فرص التواصل والدعم المتبادل بينهما تضيق
القاهرة تفاوض على الرحيل
كان الجنرال بليار يقود القوات الفرنسية في القاهرة، وسط صعوبات متزايدة في التموين والاتصال بالقيادة العامة، ويشرح محمد فؤاد شكري أن خطة مينو قامت على تمسك القادة بمواقعهم، وإطالة المقاومة انتظارًا للإمدادات أو أخبار الصلح في أوروبا.
بدأت مفاوضات القاهرة بهدنة في 23 يونيو، واستمرت حتى اتفاق التسليم في 27 يونيو 1801، وجمعت المفاوضات ممثلين عن الفرنسيين والبريطانيين والعثمانيين، وتناولت ترتيبات إخلاء القوات ونقلها، إلى جانب مسائل الأموال والديون، وهكذا انتقلت القضية من حسابات الدفاع عن العاصمة إلى تنظيم مغادرة جيشها، وفق شروط يجري التفاوض عليها وتنفيذها على مراحل. 

الإسكندرية.. سقوط الموقع الأخير

واصل مينو التمسك بالإسكندرية بعد اتفاق القاهرة. ومع استمرار الحصار، تراجعت المؤن وتعذر كسر الطوق العسكري، حتى استسلم في ٣١ أغسطس ١٨٠١، وفق المتحف الوطني للجيش البريطاني. ثم تولت البحرية البريطانية إعادة معظم قواته إلى فرنسا.

وامتدت ترتيبات التسليم إلى الآثار المصرية التي جمعها الفرنسيون، ومنها حجر رشيد، فانتقلت إلى حيازة البريطانيين. وأصبح مصير هذه المقتنيات جزءًا من تسوية عسكرية جرت على أرض مصر، وترك انتقالها أثرًا تجاوز زمن المعارك والإجلاء. [National 

لماذا تختلف تواريخ نهاية الحملة؟

تذكر بوابة محافظة القاهرة يوم ١٨ أكتوبر ١٨٠١ موعدًا لمغادرة الحملة، بينما يحدد أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية إبحار آخر القوات بأوائل أكتوبر. ويقتضي هذا الاختلاف التمييز بين استسلام المدن، وخروج الجنود منها، وصعودهم إلى السفن، واكتمال نقلهم؛ فكل مرحلة تمثل واقعة لها تاريخها. 
ويذكر شكري في كتابه «مصر في مطلع القرن التاسع عشر» أن بليار غادر في أغسطس، وتبعه مينو في أكتوبر. وتكشف هذه المراحل كيف امتدت نهاية الاحتلال عبر أشهر من القتال والتفاوض والرحيل، حتى فقد الفرنسيون سيطرتهم على البلاد.

ومع خروجهم دخلت مصر مرحلة جديدة من تنازع السلطة بين العثمانيين والمماليك، مع بقاء قوات بريطانية وعثمانية. واستمرت آثار الحرب في موازين القوى، وبدأ صراع آخر على حكم البلاد، انتهى لاحقًا بصعود محمد علي. 

******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم