تكتسي جرعة التساؤلات الوجودية والفكرية المفتوحة في «الخادمات» للأديب الفرنسي جان جينيه (1910-1986)، حلة وروحية جديدتين مع عرضها الجديد الذي يحتضنه حالياً مسرح شركة سيدني في «سيتي سينتر» في مدينة نيويورك الاميركية (يستمر حتى 16 من اغسطس الجاري).
إذ تحيلنا في ترجمتها وانتاجها في هذه النسخة ضمن فعاليات «مهرجان مركز لينكولن الثقافي»، إلى عوامل تأمل وتفكير مغايرة حول ماهية العلاقة والتنافر بين الضعف والسطوة، نجد أنها قريبة تلامسنا وملونة بروح المعايشات اليومية وهي تستحضر ما اراده جينيه في مناقشته وعكسه فلسفة سارتر من خلال هذه المسرحية، وفق مساقات تأملية تتعمق اكثر في النبش والتحليل: «أكون أو لا أكون».سياقات شاعريةونجد مع هذا التوجه الذي ترسمه طبيعة المشاهد والحوارات والتصاميم والايماءات في المسرحية، أن مضامين قسوتها وكشفها للمخبوءات والكوامن المحاكية للشرور في النفس الانسانية، محمولة في سياقات شاعرية غنية الدلالات. وهو الامر الذي أكسبها، بموازاة تميز أداء كيت بلانشيت (بدور الخادمة كلير) واليزابيث دبيكي (بدور الخادمة سولونج) فيها، شعبية وسمعة كبيرتين، ذلك طبقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»
.تقنيات عصريةيولي بينديكت اندرويز، مخرج العمل، أهمية خاصة لجوانب حركات الجسد وتعبيراته المدللة على انتماء الاشخاص الطبقي ومستواهم الثقافي، عارضاً بهذا لشروخ وجروح كثيرة انتجتها ثقافة ممجوجة تقتدي بها الطبقات الارستقراطية، خصوصاً في معاملتها للخدم، قوامها الفروقات والتصرفات المختلفة.
ويستفيد اندرويز في هذا الصدد، من دقة توظيف اليس بيبيدج (المصممة) للتقنيات والوسائط المتطورة في التصميم ضمن المشاهد على خشبة المسرح. ويبدو لافتاً هنا مشهد المطبخ (مكان حوارات وتخطيط الخادمتي)، بخدوشه وروائحه .. وغير ذاك.
تفاصيل
نتبين في المشاهد أن جميع النقاط التي طرقها جينيه بشأن عسف بعض المخدومين وإذعان الخادمات ومن ثم تمردهن، جلية وواضحة بتفاصيلها الدقيقة، ولكنها ممزوجة، إلى حد بعيد، بثوب الكنايات والاشارات والتلميحات، لتحيلنا إلى كيفية استغلال سيدة المنزل، التي تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية، للخادمة سولونج في تحقيق نوازعها اللاأخلاقية، ذلك علاوة على سوء المعاملة والظلم.ونتابع في حبكة العمل كيف تشك كلير بهذه العلاقة بينهما، وفي النهاية تكتشف الحقيقية.ومن ثم تشرع الحوارات والمصارحات بين الخادمتين بخصوص عذاباتهما، ومن ثم تبدأ تموج في نفسيتهما الرغبة الجامحة في الانتقام، لتبدآن عقبها في رسم مخطط متكامل لقتل هذه المخدومة التي تجرم بحقيهما من خلال انتهاكات لا تعد او تحصى. وفي ظل هذه المناخات المسرحية ينسج المشاهد لوحة متكاملة حول سوء الطوايا لبعض البشر واربتاط ذلك بالأوساخ والروائح الانسانية الكريهة. كما تحضر التساؤلات حول الهوية والمعاناة والالم في صيغة درامية تعيدنا إلى الوهج الاول لنص العمل، والذي هو مستمد في الاصل من قصة حقيقية.
رائعة خالدة
يجمع النقاد والمتخصصون على أن عمل جان جينيه: (الخادمات)، صالح لكل الحقب والعصور.. ولا يمكن أن يخفت بريقه، ذلك كونه يعالج في ما يتناوله جملة قضايا وجودية تمس حياتنا وتفكيرنا. ولا تزال هذه المسرحية منذ مولدها في العالم 1947، مصنفة إحدى الروائع الخالدة في الأدب العالمي.وتجدر الاشارة إلى ان العمل في نسخته الجديدة، نقله بيندكت اندروز واندروز ابتون، عن ترجمة اصلية ايطالية. وصمم الإضاءة فيه نيك سشيبر. أما الموسيقى فهي للاورين امبارشي.
رفعت أبو عساف
صفحة المسرح العالمي


