بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليست العربيةُ لغةَ ترتيبٍ اعتباطيٍّ للألفاظ، بل نظامٌ دقيقٌ تتعانق فيه الدلالةُ مع البنية، ويتحوّل فيه الموقعُ النحويُّ إلى أداةٍ لصناعة المعنى قبل أن يكون مجرّد قاعدةٍ مدرسية. ومن هنا كان تقديمُ الفعل على الفاعل في الجملة الفعلية أصلاً من أصول النَّظم العربي، لا لأن النحاة أحبّوا هذا الترتيب، بل لأن العربية ـ في جوهرها ـ تبدأ بالفعل بوصفه انبثاق الحدث في الزمن؛ فالوقوع سابقٌ على التعريف، والحركة أسبق من صاحبها.
وقد تنبّه إلى هذا المعنى مبكراً إمامُ النحو سيبويه حين جعل بناء الجملة الفعلية قائماً على الفعل أولاً، لأن المتكلم يخبر عن وقوع شيء، ثم يبيّن من قام به. فالقول: «قامَ الرجلُ» يقدّم الفعل لأن السامع ينتظر معرفة الحدث قبل معرفة صاحبه.
غير أنّ هذا التقديم لا يبقى دائماً في دائرة الاختيار البلاغي، بل يتحوّل في مواضع كثيرة إلى وجوبٍ نحويٍّ لا يجوز العدول عنه؛ إذ تتدخّل ضرورات اللسان لتمنع انقلاب النظام أو اضطراب المعنى.
الفعل والضمير: حين يستحيل الفصل
أول هذه المواضع ما كان فيه الفاعل ضميراً متصلاً بالفعل، كقولنا: «نجحتُ» أو «كتبنا». فالضمير هنا جزء من جسد الفعل، لا يمكن فصله عنه دون أن ينكسر التركيب. ولو قُدِّم الاسم الظاهر لانتقل من كونه فاعلاً إلى مبتدأ أو توكيد، وفقد موقعه الأصلي.
إن العربية ـ في هذا الموضع ـ تحافظ على وحدة الفعل وفاعله كما تحافظ الروح على الجسد؛ لأن الضمير ليس كلمة مستقلّة بل أثرٌ صوتيّ يدلّ على المتكلّم أو المخاطب أو الغائب.
علامات الفعل وسيادته البنيوية
ويجب تقديم الفعل كذلك إذا اتصلت به علاماتٌ مخصوصة مثل نون النسوة أو نون التوكيد؛ لأن هذه العلامات جزء من الصيغة الصرفية ذاتها. فنقول: «كتبْنَ الطالباتُ»، ولا يمكن أن تتوسّط الأسماء بين الفعل وعلاماته.
وهنا يظهر أن الفعل في العربية ليس لفظاً مفرداً، بل بنيةٌ مركّبة تحمل الزمن والعدد والجنس والانفعال معاً، ولذلك يحرس النحو موقعه حمايةً للمعنى.
دفعُ اللَّبس وصيانةُ الدلالة
ومن أدقّ المواضع ما كان فيه تقديم الفاعل سبباً في التباس المعنى. فإذا قلنا: «أكرمَ موسى عيسى» استقام الفهم، لأن الفعل كشف العلاقة بين الاسمين. أمّا لو تقدّم أحدهما دون قرينة فقد يختلط الفاعل بالمفعول.
إن النحو هنا لا يعمل حارساً للشكل فقط، بل حارساً للفهم؛ فالتقديم واجب لأن اللغة تكره الغموض غير المقصود.
الفاعل المستتر: حضورٌ لا يُرى
وقد يجب تقديم الفعل لأن الفاعل نفسه غير ظاهر، كما في الأفعال ذات الضمير المستتر: «جلسَ» أو «سافرَ». فالفاعل موجود تقديراً لا لفظاً، ولا يمكن تقديم ما لا يُنطق.
وهذا من لطائف العربية؛ إذ تسمح للفاعل أن يكون غائباً صوتياً حاضراً معنىً، وكأن الحدث يعلن نفسه قبل أن يعلن صاحبه.
الأساليب ذات الصدارة
وفي الأساليب التي تتصدّرها أدوات الشرط أو الاستفهام أو التعجب، يصبح الفعل تابعاً لنظام خاص لا يقبل التغيير. فنقول: «متى حضرَ أخوك؟» و«ما أجملَ السماء!». فالأداة تفتح باب الكلام، ثم يدخل الفعل حاملاً الحدث، ويأتي الفاعل بعدهما.
وقد رأى البلاغيون ـ وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني ـ أن ترتيب الكلمات ليس شكلاً صوتياً، بل شبكة علاقات تصنع التأثير النفسي في المتلقي؛ فالتقديم والتأخير جزء من علم المعاني قبل أن يكون مسألة إعراب.
بين القاعدة والفلسفة اللغوية
وإذا نظرنا إلى هذه المواضع مجتمعة أدركنا أن العربية تقدّم الفعل لأنها ترى العالم حركةً قبل أن تراه أسماءً ثابتة. فالإنسان يعرف أن شيئاً وقع، ثم يسأل: من فعله؟
ولهذا لخّص النحوي الأندلسي ابن مالك هذه الروح في نظمه التعليمي حين رسّخ قاعدة تقدّم الفعل في الجملة الفعلية، جاعلاً الحدث محور الخبر.
خاتمة
إن وجوب تقديم الفعل على الفاعل ليس تفصيلاً مدرسياً، بل تعبيرٌ عن رؤية لغوية عميقة؛ فالعربية لغةُ الفعل المتحرّك، تبدأ بالوقوع ثم تكشف الفاعل، وتؤثر وضوح الدلالة على حرية الترتيب. وهكذا يصبح النحو ـ في أرقى صوره ـ فلسفةً خفيّة للزمن والحركة داخل الكلمة العربية، حيث يولد المعنى من ترتيبٍ محسوبٍ كما يولد الضوء من انتظام النجوم في السماء.


