تموز.. حين كان السوري القديم يكتب فلسفة الحياة والموت قبل أن يكتبها الفلاسفة.
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ليس تموز شهرًا من شهور القيظ فحسب ولا هو ذلك الزمن الذي قال فيه أجدادنا: “في تموز يغلي الماء في الكوز.” فقبل أن يصبح اسمًا على صفحات التقويم كان تموز فكرةً كبرى ووجعًا إنسانيًا وسؤالًا أبديًا عن سر الموت.. وهل يستطيع الغياب أن يكون طريقًا إلى العودة؟
منذ آلاف السنين وعلى ضفاف دجلة والفرات، ثم على سواحل سورية حيث ازدهرت أوغاريت لم ينظر الإنسان إلى الطبيعة بوصفها فصولًا تتعاقب بل بوصفها كائنًا حيًا يموت ويبعث. كان يرى الحقول تصفر والأنهار تنحسر والأشجار تذبل ثم تعود إلى اخضرارها فسأل نفسه: من الذي يموت؟ ومن الذي يعيد الحياة؟
كانت الإجابة.. تموز.
لم يكن تموز في الوعي السوري القديم إلهًا بالمعنى الذي نفهمه اليوم بل كان صورة الإنسان نفسه الإنسان الذي يحمل عبء الألم ويهبط إلى ظلمات العالم السفلي ثم يعود ليعلن أن الحياة أقوى من الموت وأن الفجر يولد دائمًا من أحشاء الليل.
ولهذا لم تكن أسطورة تموز حكاية تُروى للتسلية بل عقيدة عاشها الناس بقلوبهم. كانوا يرون في موته موت الزرع وفي عودته ولادة السنابل، حتى أصبح البعث قانونًا كونيًا قبل أن يكون فكرةً دينية.
وعندما وصلت هذه الرؤية إلى الساحل السوري لم تتكرر كما هي بل ولدت من جديد في أبهى صورها في أسطورة بعل وموت التي حفظتها ألواح أوغاريت بلغةٍ ما تزال تنبض بالحياة رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام.
هناك يقف بعل سيد المطر والخصب في مواجهة موت سيد الجفاف والفناء. وليس الصراع بينهما حربًا بين إلهين بل بين قوتين تسكنان الكون والإنسان معًا قوة الحياة وقوة العدم.
يغيب بعل.. فتغيب الأمطار وتجف الينابيع، وتتشقق الأرض وكأن الطبيعة كلها تدخل في حداد طويل. لكن الأسطورة لا تؤمن بأن الموت هو الكلمة الأخيرة.
فتنهض عنات..
ليست مجرد إلهة بل إرادة الحياة حين ترفض الاستسلام. تحمل سيفها وتواجه الموت بلا خوف فتشقه وتحرقه وتبعثر سلطانه لتعيد التوازن إلى الكون. وعندما يعود بعل إلى عرشه على جبل صفون لا يعود وحده بل تعود معه السنابل وتمتلئ الوديان بالمياه ويستعيد الإنسان ثقته بأن دورة الحياة لا تنكسر.
ولعل أعظم ما في هذه الأساطير أنها لم تكن حديثًا عن السماء وحدها بل عن الإنسان أيضًا. فقد أدرك السوري القديم قبل أن تصوغ الفلسفات الكبرى نظرياتها أن الحضارات تمر بما تمر به الطبيعة تزدهر ثم تذبل تنهض ثم تتعثر لكنها لا تموت ما دام فيها من يؤمن بالعودة.
لهذا بقي تموز حيًا في الذاكرة لا لأن الناس عبدوه بل لأنهم وجدوا فيه صورتهم. وكل أمةٍ تمر بسنواتها العجاف وكل شعبٍ يعرف معنى الغياب يحمل في داخله شيئًا من تموز وينتظر عودة بعل ويبحث عن عنات التي تمتلك شجاعة الوقوف في وجه الموت.
ولعلنا اليوم ونحن نعيش زمنًا تتكاثر فيه الحروب والجفاف الروحي وتغيب الطمأنينة نفهم هذه الأساطير أكثر مما فهمها أصحابها. فـ”موت” لم يعد إلهًا يسكن العالم السفلي بل قد يكون حربًا أو ظلمًا أو جهلًا أو انقسامًا. و”بعل” لم يعد سيد المطر وحده بل صار رمزًا لكل نهضة تعيد للأرض روحها وللإنسان كرامته وللوطن نبضه.
وهكذا يبقى تموز أكثر من شهرٍ يشتد فيه الحر… إنه مرآة الزمن. يذكرنا بأن الأرض قد تعطش، وأن السنابل قد تنحني وأن الليل قد يطول لكن الحياة منذ فجر الحضارة السورية كانت تعرف سرًا واحدًا لا يتغير:
أن الموت فصل.. أما البعث فهو قدر الحياة.
وآهٍ يا زمن.. ما أشبه أساطير الأمس بوقائع اليوم وما أشبه انتظار الإنسان القديم لبعل بانتظار الإنسان المعاصر لفجرٍ يعيد إلى الأرض سلامها وإلى الروح يقينها.
أخيرا أحب أن ألفت إلى ملاحظة تاريخية انه في المصادر الأكاديمية يُنظر إلى تموز (دوموزي) وبعل على أنهما شخصيتان أسطوريتان مختلفتان نشأتا في تقاليد دينية متمايزة وإن اشتركتا في رمز الموت والعودة والخصب. لذلك فالأدق تاريخيًا أن نقول إن أسطورة بعل وموت تمثل امتدادًا وتطورًا لموضوعة “الإله الذي يموت ويعود ويبعث إلى الحياة مجدداً” في المشرق القديم . لا أنها انتقال مباشر لأسطورة تموز نفسها…
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


