«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»
— عن نجمات الزمن الجميل
بريجيت باردو: الجسد الذي صار فكرة
لقطة واحدة غيّرت الصورة
في عام ١٩٥٦، وفي مشهد من فيلم “وخلق الله المرأة”، تقف فتاة شقراء على شرفة، وشعرها يرفرف مع الريح. لا شيء استثنائي في هذا المشهد، سوى شيء واحد: هذه الفتاة كانت حرة. لم تكن خاضعة، ولم تكن خجولة، ولم تكن تطلب الإذن. كانت مجرد امرأة تفعل ما تريد.
هذه اللقطة جعلت من بريجيت باردو ليس مجرد نجمة سينمائية، بل ظاهرة اجتماعية. لم تكن ممثلة بالمعنى الأكاديمي، وكانت تعرف ذلك. لكنها كانت شيئًا آخر: كانت الجسد الذي صار فكرة.
الطفلة الباريسية التي أحبت الباليه
وُلدت بريجيت آن ماري باردو في ٢٨ سبتمبر ١٩٣٤ في باريس، في عائلة برجوازية ميسورة. كان والدها لويس باردو رجل أعمال، وأمها آن ماري موشيه ربة منزل. كانت طفولة مدللة، لكنها أيضًا طفولة مثقلة بالآداب والبروتوكول.
في سن الخامسة، بدأت بريجيت دروس الباليه، وهي التي منحتها تلك الرشاقة والوقفة التي جعلتها تبدو دائمًا وكأنها مستعدة للرقص. في عام ١٩٤٩، دخلت معهد الباليه الباريسي، لكنها لم تكن تمتلك الجسد المناسب لتصبح راقصة محترفة، فتركت المجال بعد سنوات قليلة.
زواج مبكر وبداية عارضة أزيا
في عام ١٩٥٢، وعمرها ١٨ عامًا، تزوجت بريجيت من روجيه فاديم، المخرج الفرنسي الذي كان يكبرها بـ ١٤ عامًا. كان هذا الزواج هو الذي أدخلها عالم السينما، حيث بدأت تظهر في أفلام صغيرة من إنتاج زوجها. لكن الزواج لم يدم سوى سنوات قليلة، وانفصلا في عام ١٩٥٦ بعد أن أنجبا ابنها نيكولا.
في تلك الفترة، كانت بريجيت تعمل عارضة أزياء، وقد ظهرت على غلاف مجلة “Elle”، ثم على غلاف “باري ماتش”، حيث لفتت انتباه المخرج روجيه فاديم مجددًا، لكن هذه المرة لتمنحها الدور الذي سيغيّر حياتها: “وخلق الله المرأة”.
“وخلق الله المرأة”: الانفجار
في هذا الفيلم، لعبت بريجيت دور جولييت هاردي، الفتاة الشابة التي تعيش في بلدة ساحلية صغيرة، وتتزوج من رجل أكبر منها سنًا، لكنها تبحث عن الحب والشغف. الفيلم أثار ضجة أخلاقية في فرنسا وأمريكا، فقد رأى فيه البعض انحلالًا، ورآه آخرون تحررًا.
بريجيت نفسها قالت: “لم أفعل شيئًا سوى أنني كنت على طبيعتي. لم أكن أمثل، كنت أعيش.” هذه العفوية هي التي جعلتها رمزًا لجيل كامل، خاصة في أوروبا وأمريكا، حيث أصبحت أيقونة الجيل الجديد الذي يبحث عن الحرية الجسدية.
محاولات للجدية
رغم أنها لم تكن ممثلة موهوبة بالمعنى الأكاديمي، إلا أن بريجيت حاولت أن تثبت أن لديها أكثر من مجرد جمال. في عام ١٩٦٠، ظهرت في فيلم “لاحقًا يا حبيبي” (La Vérité) للمخرج هنري-جورج كلوزو، حيث جسدت فتاة متهمة بقتل عشيقها. الفيلم كان دراميًا ثقيلًا، وأثبت أن بريجيت قادرة على أداء أدوار أكثر تعقيدًا.
في عام ١٩٦٥، قدّمت أحد أفضل أدوارها على الإطلاق في “فيفا ماريا!” للمخرج لويس مال، وهو فيلم موسيقي كوميدي، حيث أدت دور ماريا الأولى، وهي شخصية تمزج بين الرقص والغناء والكوميديا. الفيلم لم يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا، لكنه يُعتبر اليوم من كلاسيكيات السينما الفرنسية.
“أنا لست ممثلة، أنا حيوان سينمائي”
بريجيت لم تدّعِ يومًا أنها ممثلة عظيمة. قالت: “أنا لست ممثلة. أنا حيوان سينمائي. أحب الكاميرا، والكاميرا تحبني.” هذه الجملة تختصر علاقتها بالفن: كانت تعرف حدودها، لكنها أيضًا كانت تعرف قوتها. كانت حاضرة، وكانت مثيرة، وكانت صادقة في إثارتها.
الحيوانات والوحدة
في عام ١٩٧٣، بعد مسيرة سينمائية حافلة، اعتزلت بريجيت التمثيل نهائيًا. قالت إنها لم تعد تحتمل الأضواء، وإنها تريد أن تعيش مع الحيوانات. في منزلها في سان تروبيه، أنشأت مؤسسة بريجيت باردو لرعاية الحيوانات، التي أصبحت مهمتها الأساسية في حياتها.
عاشت بريجيت حياة مثيرة للجدل بعيدًا عن السينما. دعمت جان ماري لوبان في عدة انتخابات رئاسية، مما أثار انتقادات واسعة. كما أدلت بتصريحات مثيرة للجدل حول المثلية الجنسية والهجرة، مما جعلها شخصية منقسمة حولها الآراء.
الرحيل
توفيت بريجيت باردو في ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٣ في منزلها في سان تروبيه، عن عمر يناهز ٦٩ عامًا، بعد صراع طويل مع سرطان الثدي.
بريجيت باردو لم تكن أعظم ممثلة في التاريخ، لكنها كانت أكثر من ممثلة. كانت لحظة في تاريخ النساء، لحظة قالت فيها امرأة: “جسدي ملكي، وحياتي ملكي، وأنا أفعل ما أريد.” هذا وحده كافٍ ليجعلها خالدة
اعداد سمر محفوض
خاص مجلة ايليت فوتو ارت.


