
رقصة السماح السورية.. حين تتحوّل الروحانية الصوفية إلى قصيدةٍ ترقص على إيقاع الضوء
من منبج وحلب إلى فضاءات الفن السوري، حكاية تراثٍ حيّ تتعانق فيه الموشحات مع حركة الجسد، وتتحوّل فيه الموسيقى إلى لغةٍ بصرية تحفظ ذاكرة المكان والإنسان
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين يصبح الجسد موسيقى
في قلب التراث السوري العريق، حيث تتعانق أنغام الموشحات مع عبق التاريخ، وتنساب الموسيقى من ذاكرة المدن القديمة إلى وجدان الإنسان، تتألّق رقصة السماح بوصفها أحد التعبيرات الفنية التي تجمع بين الروحانية الصوفية وجماليات الحركة والإيقاع. إنها ليست مجرد رقصة تؤدّى على أنغام الموسيقى، بل تجربة جمالية متكاملة، تتداخل فيها الموسيقى مع الشعر، ويتحوّل فيها الجسد إلى أداة تعبير تحمل إيقاع الروح وتترجم مشاعر الإنسان بلغة الحركة.
وتحتل هذه الرقصة مكانة مميزة في الذاكرة الفنية السورية، ولا سيما في حلب ومحيطها الثقافي، حيث ارتبطت بالموشحات الأندلسية والتقاليد الموسيقية التي ازدهرت في المجالس الفنية والإنشادية. ومن خلال حركاتها المتناغمة وتشكيلاتها الجماعية وأزيائها التراثية، تقدّم السماح صورةً حية عن قدرة الثقافة الشعبية على الاحتفاظ بجذورها، وإعادة صياغة موروثها في أشكال فنية تتجدّد مع الزمن.
من منبج إلى حلب.. الجذور التاريخية لرقصة السماح
ترتبط الروايات التراثية عن رقصة السماح بمدينة منبج في ريف حلب، ويُذكر في هذا السياق المتصوف الشيخ عقيل المنبجي، الذي عاش في القرن السادس الهجري، وتُنسب إليه في بعض الروايات أدوار في نشأة هذا الفن أو ترسيخ تقاليده. غير أن تحديد تاريخ ظهور الرقصة بدقة، أو نسبة تأسيسها إلى شخصية بعينها، يحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل؛ فالموروث الشفهي كثيراً ما يمزج بين الذاكرة الشعبية والروايات الصوفية والتفسيرات اللاحقة لنشأة الفنون.
ومع مرور القرون، ارتبطت السماح بالبيئة الثقافية التي ازدهرت فيها حلقات الإنشاد والذكر والموشحات، وأصبحت جزءاً من مشهد فني أوسع يجمع بين الكلمة الموزونة واللحن العربي والحركة الإيقاعية. وفي هذا السياق، أسهمت التقاليد الفنية الحلبية في صقل عناصرها الجمالية، حتى غدت الرقصة علامةً على التفاعل بين الموسيقى والروحانية والذائقة الاجتماعية.
وفي القرن العشرين، شهدت الفنون التراثية السورية محاولات متعددة لإعادة تقديم الرقصات الشعبية والإنشادية على خشبة المسرح، ضمن عروض أكثر تنظيماً من حيث التشكيل الحركي وتوزيع الراقصين والأزياء والإضاءة. وهكذا انتقلت السماح، في بعض صيغها المسرحية، من فضاءات الأداء التقليدي إلى فضاء العرض الفني الذي يتيح للجمهور المعاصر اكتشاف قيمتها الجمالية والتاريخية.
فلسفة الحركة.. بين الإيقاع والسكينة
ما يمنح رقصة السماح خصوصيتها ليس عدد الخطوات أو سرعة الحركة، بل العلاقة الدقيقة بين الجسد والموسيقى، وبين التعبير الخارجي والحالة الشعورية التي يستحضرها الأداء. ففيها تتقدّم الحركة أحياناً بانسيابية هادئة، وتتسع في لحظات أخرى لتشكّل دوائر وصفوفاً وتكوينات جماعية تتناغم مع الإيقاع الموسيقي.
وتبدو هذه الحركة، في قراءتها الفنية، كأنها حوار صامت بين الأرض والسماء؛ فالقدم تستجيب للنبض الموسيقي، والذراعان ترسمان مسارات في الفضاء، والجسد يتعامل مع الزمن بوصفه إيقاعاً محسوساً لا مجرد تعاقب للحظات. ومن هنا تقترب السماح من الفنون التي لا تكتفي بإمتاع العين، بل تدعو المشاهد إلى التأمل في العلاقة بين الحركة والسكينة، وبين الانضباط الجسدي والتعبير الوجداني.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الرقصة في بعدها الصوفي وحده؛ فهي أيضاً فن أدائي له تقاليده الحركية والموسيقية، وتشكيلاته الجماعية، وعلاقته بالذائقة الجمالية التي تطورت داخل المجتمع السوري. وهذه المستويات المتعددة هي التي تمنحها غناها، وتجعلها قابلة للقراءة من زوايا فنية وثقافية مختلفة.
الموشحات الحلبية.. الموسيقى التي تقود الجسد
لا يمكن الحديث عن السماح بمعزل عن الموشحات، ذلك الفن الغنائي الذي ازدهر في الثقافة العربية، ووجد في حلب بيئة حاضنة أسهمت في حفظ كثير من ألحانه وتقاليده وأدائه.
فاللحن في هذا السياق ليس خلفية صوتية للرقصة، بل عنصر أساسي في بنائها. تتفاعل الخطوات مع الوزن الموسيقي، وتتغير درجة انسياب الحركة وفق الجمل اللحنية، فيما تتشكل العلاقة بين الراقصين والموسيقى ضمن توازن يحتاج إلى التدريب والدقة والوعي بالإيقاع.
وتكشف هذه العلاقة عن وحدة الفنون في التراث السوري؛ فالموشح يجمع الشعر واللحن، والسماح تضيف إليهما البعد الحركي، فينشأ من تفاعل العناصر الثلاثة مشهد فني تتكامل فيه الأذن والعين والوجدان.
إنها تجربة تذكّرنا بأن الفنون التقليدية لم تنشأ دائماً بوصفها أشكالاً منفصلة، بل كانت تتبادل التأثير داخل المجالس والمناسبات والفضاءات الثقافية، فتتحوّل الكلمة إلى نغمة، والنغمة إلى حركة، والحركة إلى ذاكرة مرئية تحفظ روح المكان.
الأزياء التراثية.. أناقة تحتفظ بذاكرة الماضي
تشكّل الأزياء التي تُستخدم في عروض السماح جزءاً مهماً من هويتها البصرية. فالملابس التراثية المحتشمة، وما تتسم به بعض تصاميمها من خطوط واسعة وأقمشة منسدلة وألوان متناسقة، تمنح الحركة وضوحاً جمالياً وتساعد على إبراز التشكيلات الجماعية.
ولا تقتصر وظيفة الزي على تغطية الجسد أو تمييز الراقصين، بل يشارك في تكوين الصورة المسرحية؛ إذ تتحول طيات القماش مع الدوران والخطوات إلى امتدادات بصرية تتفاعل مع الضوء والظل. كما تمنح وحدة الأزياء العرض طابعاً احتفالياً يعكس الانتماء إلى تقليد فني متوارث.
ومع ذلك، فإن الأزياء المستخدمة اليوم قد تختلف باختلاف الفرق والمدارس الفنية والإخراج المسرحي؛ لذلك من المهم التمييز بين الزي الذي توثقه المصادر التاريخية، والزي الذي اختير لاحقاً لإبراز الهوية التراثية للعرض.
رقصة السماح في عين المصوّر.. حين تصبح الحركة ذاكرة ضوئية
من منظور التصوير الفوتوغرافي، تقدّم رقصة السماح عالماً بصرياً غنياً لاختبار العلاقة بين الزمن والحركة والضوء. فالمصور لا يواجه أجساداً تتحرك فحسب، بل يواجه إيقاعاً يتبدّل في كل لحظة، وتكوينات لا تستقر طويلاً، وتعابير تتشكّل ثم تختفي قبل أن يتمكن الزمن من الاحتفاظ بها.
وهنا تصبح الصورة الفوتوغرافية وسيلة لتوثيق التراث، وأداةً لقراءته جمالياً في الوقت نفسه.
يمكن للمصور أن يختار سرعة غالق مرتفعة لتجميد حركة اليد أو لحظة دوران الثوب، فيكشف عن دقة الخطوة وتفاصيل التعبير الجسدي. ويمكنه، في المقابل، استخدام سرعة غالق أبطأ نسبياً لإظهار امتداد الحركة في الفضاء، فتتحول الذراعان أو أطراف الأقمشة إلى خطوط ضوئية تعبّر عن الإيقاع والانسياب.
أما التصوير بالأبيض والأسود، فيتيح مقاربة مختلفة؛ إذ يختزل التكوين إلى علاقات بين الضوء والظل والخطوط والكتل، ويمنح الأزياء والحركة حضوراً تشكيلياً قد يقترب من الرسم. وفي الصور الملونة، يمكن للألوان أن تكشف عن التباينات بين الملابس والخلفية، وأن تعزز الإحساس بالبيئة الثقافية التي ينتمي إليها العرض.
ويستطيع المصور أيضاً أن يوظف اللقطات الواسعة لتوثيق انتظام الصفوف والتكوينات الجماعية، واللقطات المتوسطة لتسجيل العلاقة بين الراقصين، واللقطات القريبة لرصد تفاصيل الأيدي والوجوه والأقمشة. ومن خلال تنويع المنظور والبعد البؤري وتوقيت الالتقاط، يمكن بناء سلسلة فوتوغرافية لا تكتفي بتسجيل العرض، بل تحكي قصته البصرية من بدايته إلى نهايته.
لكن التصوير التراثي الناجح لا يقوم على التقنية وحدها؛ فهو يحتاج إلى فهم طبيعة الرقصة واحترام سياقها الثقافي، وتجنّب اللقطات التي تفصل الحركة عن معناها أو تحوّل التراث إلى مشهد زخرفي خالٍ من مضمونه. فالمصور الحقيقي لا يصطاد لحظة جميلة فقط، بل يسعى إلى حفظ دلالتها، وإيصال شيء من روحها إلى من لم يشهدها مباشرة.
بين التراث والمسرح.. تحديات الاستمرار والتجديد
تواجه الفنون التراثية، ومنها السماح، تحدياً أساسياً يتمثل في المحافظة على هويتها مع تطوير طرائق تقديمها للأجيال الجديدة. فالعرض المسرحي الحديث يتيح إمكانات واسعة في الإضاءة والصوت والتصميم الحركي، لكنه يحتاج إلى توازن دقيق حتى لا تطغى المعالجة المعاصرة على العناصر التي تمنح الرقصة خصوصيتها.
ومن هنا تبرز أهمية التوثيق العلمي والبحث في الروايات التاريخية، وتسجيل الألحان والخطوات والأزياء وطرائق الأداء، وإجراء المقابلات مع الفنانين والباحثين الذين حملوا هذا الموروث وحافظوا عليه. كما أن إنشاء أرشيفات فوتوغرافية وسمعية وبصرية يسهم في حفظ التفاصيل التي قد تضيع مع رحيل أصحاب الخبرة أو تغيّر أساليب الأداء.
ولا يقل التعليم أهمية عن التوثيق؛ فتعريف الشباب بهذا الفن من خلال الورش والعروض والبرامج الثقافية يتيح انتقاله من الذاكرة إلى الممارسة، ومن الحنين إلى المشاركة الفعلية في صون التراث.
إن حماية السماح لا تعني تجميدها في صورة واحدة، بل تعني معرفة جذورها، واحترام تقاليدها، وفتح المجال أمام تجديد واعٍ لا يقطع الصلة بين الماضي والحاضر.
خاتمة: تراث يرقص في ذاكرة الضوء
تبقى رقصة السماح السورية أكثر من مشهد تراثي يستعيد ملامح الماضي؛ إنها مساحة يلتقي فيها الإيقاع بالجسد، والروحانية بالفن، والذاكرة بالحركة. ومن خلال صلتها بالتقاليد الموسيقية والموشحات والفضاءات الثقافية السورية، تتيح لنا نافذةً على جانب من الهوية الفنية التي تشكّلت عبر أجيال متعاقبة.
وفي زمن تتسارع فيه الصور الرقمية وتتبدّل فيه أشكال التعبير، تكتسب مهمة توثيق هذا الفن أهمية مضاعفة؛ فالصورة الفوتوغرافية واللقطة السينمائية ليستا مجرد تسجيل لعرض عابر، بل يمكن أن تتحولا إلى وثيقة تحفظ تفاصيل الحركة والزي والإيقاع، وتمنح الأجيال المقبلة فرصة الاقتراب من تراث قد لا يتاح لها مشاهدته في فضائه الأصلي.
إن السماح، حين تُؤدّى بوعي فني، وتُوثّق بأمانة، وتُقدّم ضمن سياقها الثقافي، تصبح قصيدةً مرئية تنبض بالحياة؛ قصيدةً تكتبها الأقدام على إيقاع الموسيقى، وترسمها الأجساد في فضاء الضوء، لتؤكد أن التراث السوري ليس أثراً ساكناً في كتب التاريخ، بل ذاكرة حيّة تواصل الرقص ما دام هناك من يصغي إلى موسيقاها، ويحفظ حكايتها، ويرى في جمالها جزءاً من هوية الإنسان والمكان.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


