حيرة كاليجولا والتنفيس عنها بين تدمير الآخرين وتدمير الذات في مسرحية كاليجولا لألبير كامي

بقلم د. علي خليفة

كان موت دروزيلا أخت كاليجولا وعشيقته – في الوقت نفسه – هو الشرارة التي أشعلت الحيرة والاضطراب في نفسه التي كانت هادئة، فقد كان شديد التعلق بها، وماتت فجأة دون مقدمات؛ مما جعله يشعر بألم شديد، وما دام لا أمل في استرجاعها للحياة فإنه قرر أن يحصل على شيء مستحيل مساو لها في عدم القدرة على الحصول عليه؛ معتقدا بهذا أنه يمكن لشعوره بالألم أن يتوقف، ولحيرته أن تهدأ؛ ولهذا سعى للحصول على القمر، وأخبر مستشاره المقرب منه هيلكون أن العالم بصورته الحالية يبدو سخيفا؛ ولهذا فإنه يشعر بالضيق؛ ولن يتوقف ضيقه حتى يحصل على القمر، ويدرك هيلكون أن كاليجولا في أزمة عميقة بعد وفاة دروزيلا، فيجاريه في كلامه في أنه سيساعده في الحصول على القمر.ولما رأى كاليجولا أن الحصول على القمر مستحيل؛ فإنه أراد أن يحقق أمورا أخرى تبدو كالمستحيلة في فعلها قبل ذلك، وظن أنه بتحقيقه هذه الأمور التي كانت مستحيلة أنه يحصل على بديل القمر، ويحقق حريته إلى أقصى حد.

وهذه الأمور التي كانت تبدو مستحيلة تحقيقها وقام بها كاليجولا أنه استغل سلطانه كإمبراطور، وعصف بقيم مجتمعه، فاستحل دماء كثير من النبلاء والأثرياء، فقتلهم؛ ليجمع أموالهم لخزينة الدولة، وتكون له وحده، كما أنه اغتصب بعض زوجات النبلاء بمعرفة أزواجهن؛ إزهاقا لكرامتهم.

ولما رأى كاليجولا أن كل ما فعله من تهجم على قيم مجتمعه لم يصل به لتحقيق المستحيل الذي يعادل حصوله على القمر فإنه خطا خطوة أخرى في عبثه بقيم مجتمعه وتحقيقه لحريته، فأقام معبدا، وادعى أن بعض الآلهة الوثنية – كفينوس – تحل في جسده، وطلب إلى الرومان جبرا أن يتعبدوا له في ذلك المعبد، ويقدموا له القرابين، فأذعن كثير منهم خاضعين له.

وأدرك كاليجولا أنه رغم ما قام به من قتل للأنفس واغتصاب بعض النساء وإجبار الناس على عبادته أنه لم يحقق المستحيل الذي كان يراه بديلا عن عجزه على الحصول على القمر، كما رأى أن أزمته في تحقيق السعادة والرضا لم تحل، وشعر أن حريته المطلقة لم تساعده في ذلك، فانتظر من يخلصه من هذه الحيرة؛ ولهذا فإنه حين علم أن بعض أشراف روما بقيادة شريا الأديب والمفكر يخططون لاغتياله لم يغضب، ولم يسع للقبض عليهم، بل ارتضى مؤامرتهم لاغتياله؛ لأنه أيقن أنه إذا كان لم يحقق ما يرجوه من الحصول على المستحيل بتخريب قيم مجتمعه، وقتل بعض الأنفس، فعليه أن يستسلم لما كانوا يخططون له من تدميره هو نفسه.

أخر المقالات

منكم وإليكم