حول مفهوم ادبية الادب والتحديد النقدي.

أدبية الأدب: من سؤال الماهية إلى إشكالية التحديد النقدي

مقدمة

تُعدّ أدبية الأدب من القضايا المركزية في نظرية الأدب والنقد الحديث، لأنها تتصل بالسؤال الجوهري الذي شغل النقاد والباحثين: ما الذي يجعل من نصٍّ ما نصًّا أدبيًّا؟ وهل تتحدد أدبية الأدب بموضوعه، أم بوظيفته، أم بلغته، أم بطريقة بنائه وتشكيله؟ لقد تجاوز النقد الحديث التصورات التي كانت تربط الأدب بالمضامين الأخلاقية أو التعليمية، واتجه نحو البحث عن الخصائص التي تمنح الخطاب الأدبي هويته المتميزة، وتجعله مختلفًا عن الخطابات العلمية والتاريخية والإخبارية والتواصلية اليومية.

ومن هذا المنطلق، لم تعد أدبية الأدب مجرد صفة تُطلق على النصوص الجميلة، بل غدت مفهومًا نظريًّا وإجرائيًّا يتيح دراسة الآليات اللغوية والأسلوبية والبنائية التي تسهم في إنتاج الأثر الأدبي.

أولًا: مفهوم أدبية الأدب

تحيل أدبية الأدب، في معناها النقدي، إلى مجموع الخصائص والآليات التي تجعل من النص نصًّا أدبيًّا، أو تمنحه طابعه الأدبي المميز. ولا يتعلق الأمر بالبحث عن موضوعات بعينها، كالحب والموت والطبيعة، لأن هذه الموضوعات قد تحضر في النص الأدبي وغير الأدبي على السواء، وإنما يتعلق بكيفية تشكيلها لغويًّا وجماليًّا.

فقد يتناول نصان موضوعًا واحدًا، لكنهما يختلفان في طريقة التعبير عنه؛ إذ يمكن للنص الأول أن يقدم الوقائع بصورة مباشرة وتقريرية، بينما يعيد النص الثاني تشكيلها من خلال الاستعارة والإيقاع والصورة والتخييل وتعدد الدلالات. وهنا تظهر أهمية الطريقة التي يُبنى بها الخطاب، لا المادة التي يتناولها فحسب.

وعليه، فإن أدبية الأدب لا تُختزل في وجود المحسنات البلاغية أو الصور المجازية، بل تتجلى في تنظيم خاص للعناصر اللغوية والسردية والإيقاعية والدلالية، وفي العلاقات التي تنشأ بينها داخل النص. كما أن هذه الأدبية ليست خاصية ثابتة ومنفصلة عن القراءة والسياق، وإنما يمكن أن تتأثر بالأعراف الأدبية والتاريخ الثقافي وأفق انتظار المتلقي.

ثانيًا: الشكلانية الروسية وتأسيس مفهوم الأدبية

ارتبط التأسيس النظري لمفهوم أدبية الأدب بظهور الشكلانية الروسية في مطلع القرن العشرين، ولا سيما أعمال فيكتور شكلوفسكي ورومان ياكوبسون ويوري تينيانوف. فقد سعى الشكلانيون إلى نقل دراسة الأدب من الانطباعات الذاتية والأحكام القيمية إلى تحليل العناصر التي تجعل العمل الأدبي متميزًا من الناحية الفنية.

وفي هذا السياق، ارتبط مفهوم الأدبية باسم رومان ياكوبسون، الذي جعلها موضوعًا أساسيًّا للبحث الأدبي. فبدل أن ينشغل الباحث بتحديد ماهية الأدب انطلاقًا من سير المؤلفين أو الظروف الاجتماعية وحدها، أصبح مطالبًا بدراسة الخصائص التي تمنح الخطاب طابعه الأدبي.

أما فيكتور شكلوفسكي، فقد قدّم مفهوم التغريب، الذي يعني إعادة تقديم الأشياء المألوفة بطريقة تجعلها تبدو جديدة وغير معتادة. فاللغة الأدبية، وفق هذا التصور، لا تكتفي بنقل الواقع بصورة آلية، وإنما تعيد تشكيل إدراكنا له، وتحرر الأشياء من الألفة التي تجعلنا نمر عليها دون انتباه.

ومن ثم، لا تنبع أدبية النص من الموضوع وحده، بل من الطريقة التي ينظم بها لغته ويعيد بها تشكيل التجربة الإنسانية. فالتكرار، والانزياح، والتوازي، والمفارقة، وكسر التوقع، كلها آليات يمكن أن تسهم في جعل الخطاب الأدبي موضوعًا للتأمل الجمالي.

ثالثًا: أدبية الأدب بين اللغة والوظيفة الشعرية

تكتسب اللغة أهمية مركزية في تحديد أدبية الأدب، غير أن هذه الأهمية لا تعني أن اللغة الأدبية تختلف عن اللغة اليومية اختلافًا مطلقًا، بل إن التميز قد يتحقق من خلال طريقة توظيف الإمكانات المتاحة في اللغة المشتركة.

وقد أسهم رومان ياكوبسون في توضيح هذه المسألة من خلال مفهوم الوظيفة الشعرية للغة، التي تجعل الرسالة ذاتها محورًا للاهتمام، بحيث يلتفت المتلقي إلى طريقة بناء القول، وليس إلى مضمونه الإخباري وحده.

وتتجلى هذه الوظيفة في الإيقاع والتوازي والتكرار والتشاكلات الصوتية والتركيبية، وفي العلاقات التي تربط أجزاء الخطاب بعضها ببعض. ففي العبارة الأدبية، قد يتحول ترتيب الكلمات أو تكرار الأصوات أو بناء الصورة إلى عنصر أساسي في إنتاج المعنى، لا مجرد وسيلة خارجية لتزيينه.

ومع ذلك، لا ينبغي حصر الوظيفة الشعرية في الشعر وحده، لأنها قد تظهر في الرواية والقصة والمسرح، بل حتى في بعض الخطابات غير الأدبية. كما أن حضورها لا يكفي وحده للحكم على القيمة الفنية للنص، إذ ينبغي النظر إلى كيفية اشتغالها ضمن البنية العامة للعمل.

وبذلك، تصبح أدبية الأدب مسألة تتعلق بطريقة إنتاج الدلالة وتنظيم الخطاب، لا بمجرد استعمال لغة مزخرفة أو مخالفة للقواعد المألوفة.

رابعًا: من أدبية النص إلى بنيته السردية

لم تقتصر دراسة أدبية الأدب على المستوى اللغوي، بل امتدت إلى البنية السردية والطرائق التي يُنظم بها العالم التخييلي. فالرواية، على سبيل المثال، لا تكتسب أدبيتها من حكايتها وحدها، وإنما من الكيفية التي تُقدَّم بها هذه الحكاية، ومن طبيعة العلاقة بين الزمن والمكان والشخصيات والرؤية السردية.

وقد أسهم جيرار جينيت في تطوير أدوات تحليل الخطاب السردي من خلال التمييز بين مستويات الحكاية والخطاب والسرد، ودراسة الزمن والترتيب والمدة والتواتر والصوت والرؤية. وتسمح هذه الأدوات بالكشف عن الكيفية التي يعيد بها النص تنظيم الأحداث، وتأخير المعلومات، وتوزيع المعرفة بين الراوي والشخصيات والقارئ.

كما أن تعدد الأصوات، والمفارقة، والاسترجاع، والاستباق، والتبئير، ليست مجرد تقنيات شكلية منفصلة، بل عناصر تسهم في بناء الدلالة وتوجيه القراءة. فقد يؤدي تأخير حدث معين إلى خلق التشويق، أو يؤدي اختلاف وجهات النظر إلى زعزعة اليقين، أو ينتج عن التلاعب بالزمن تصور مخصوص للتجربة الإنسانية.

وهكذا، تتجلى أدبية السرد في العلاقات المركبة بين الحكاية وطريقة عرضها، وبين ما يُقال وكيفية قوله، وبين البنية النصية والأثر الذي تحدثه في المتلقي.

خامسًا: أدبية الأدب بين الشكل والمضمون

أثار التركيز على الشكل سؤالًا نقديًّا مهمًّا: هل يمكن فصل أدبية الأدب عن مضمونه؟ وهل تكفي البنية اللغوية لتحديد هوية النص الأدبي؟

لقد أسهمت الشكلانية في توجيه الاهتمام إلى آليات البناء، لكنها تعرضت لانتقادات بسبب ما اعتُبر ميلًا إلى عزل النص عن سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا الإطار، قدمت اتجاهات نقدية أخرى تصورات أكثر انفتاحًا على العلاقة بين الشكل والمضمون.

فقد نظر النقد الاجتماعي إلى الأدب باعتباره ممارسة ثقافية تتفاعل مع شروط إنتاجها، بينما اهتمت البنيوية التكوينية بالعلاقات بين البنية الأدبية والبنى الاجتماعية والفكرية. كما أبرزت جمالية التلقي دور القارئ وأفق الانتظار في إنتاج المعنى وتحديد القيمة الأدبية.

ولا يعني هذا أن أدبية الأدب تتحدد بالمضمون الاجتماعي أو التاريخي وحده، وإنما إن النص الأدبي يتشكل من تفاعل عناصر متعددة: اللغة والبنية والتخييل والسياق والتلقي. فالمضمون لا يظهر في الأدب مستقلًّا عن شكله، والشكل لا يخلو من اختيارات دلالية وثقافية.

ومن ثم، فإن المقاربة النقدية المتوازنة لا تفصل بين ما يقوله النص والطريقة التي يقوله بها، بل تدرس كيفية تحول التجربة الإنسانية إلى بناء لغوي وجمالي مخصوص.

سادسًا: أدبية الأدب وإشكالية النوع الأدبي

تطرح أدبية الأدب سؤالًا آخر يتعلق بالحدود الفاصلة بين الأجناس والخطابات. فهل توجد خصائص ثابتة تجعل النص الشعري أدبيًّا، أو تميز الرواية من السيرة، أو تفصل الأدب عن الخطاب الفلسفي والتاريخي؟

لقد بينت تطورات الكتابة الحديثة أن هذه الحدود ليست دائمًا واضحة أو نهائية. فقد تستعير الرواية من الوثيقة التاريخية، ويستفيد المقال من تقنيات السرد، وتتحول السيرة إلى بناء تخييلي، بينما تتداخل قصيدة النثر مع أشكال التعبير السردي والتأملي.

وتكشف هذه الظاهرة أن أدبية الأدب لا يمكن أن تقوم على قائمة مغلقة من الخصائص التي يجب أن تتوافر في كل نص. فالأدبية تتشكل تاريخيًّا، وتتغير مع تحول الأنواع الأدبية والأعراف القرائية، كما تتجدد من خلال التجريب وكسر القوالب المألوفة.

لذلك، فإن البحث عن أدبية الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لوضع حدود نهائية بين الأدبي وغير الأدبي، بل إلى تحليل الكيفيات التي يكتسب بها الخطاب طابعه الجمالي والتخييلي، والظروف التي تجعل هذا الطابع قابلًا للتعرف والتأويل.

سابعًا: أدبية الأدب والقارئ

لا تكتمل دراسة أدبية الأدب بالوقوف عند البنية الداخلية للنص، لأن الأدب يتحقق أيضًا من خلال القراءة. وقد أكدت جمالية التلقي، المرتبطة بأعمال هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، أن المعنى الأدبي لا يُستهلك بوصفه مضمونًا جاهزًا، بل يتكون عبر التفاعل بين النص والقارئ.

فالنص الأدبي قد يترك فراغات، أو يخلق تناقضات، أو يؤجل الإجابات، أو يتيح أكثر من مسار للتأويل. وتدفع هذه الخصائص القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى، بدل الاكتفاء باستقبال رسالة مباشرة.

كما أن ما يُعد مبتكرًا أو مألوفًا في مرحلة تاريخية قد يتغير في مرحلة أخرى؛ إذ يتأثر تلقي النصوص بالأعراف الجمالية والخلفيات الثقافية والتحولات التي يعرفها مفهوم الأدب نفسه.

غير أن الاعتراف بدور القارئ لا يعني أن كل تأويل ممكن بالدرجة نفسها، لأن القراءة تظل مرتبطة بالقرائن النصية والعلاقات الداخلية والسياقات التي تسمح بها المادة الأدبية.

وعليه، فإن أدبية الأدب تتحدد من خلال علاقة متفاعلة بين بنية النص وطرائق قراءته، دون اختزال أحد الطرفين في الآخر.

خاتمة

يتضح أن أدبية الأدب ليست خاصية بسيطة يمكن ردها إلى عنصر واحد، وإنما هي مفهوم مركب تتداخل في تشكيله اللغة والبنية والتخييل والوظيفة الجمالية والسياق والتلقي. وقد أسهمت الشكلانية الروسية في جعل الأدبية موضوعًا مستقلًّا للبحث النقدي، من خلال التركيز على الخصائص التي تمنح النص تميزه الفني، بينما وسعت الاتجاهات البنيوية والسردية والتداولية وجمالية التلقي مجال النظر فيها.

إن أهمية هذا المفهوم تكمن في نقل النقد من سؤال: ماذا يقول النص؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف ينتج النص أدبيته، وكيف يحول اللغة إلى تجربة جمالية ودلالية؟ ولا يعني ذلك إقصاء المضمون أو السياق، بل إدراك أن الأدب لا يتميز بما يتناوله وحده، وإنما بالطريقة التي يعيد بها تشكيل العالم داخل بنية لغوية قابلة للتأويل.

وبذلك، تظل أدبية الأدب أفقًا مفتوحًا للبحث النقدي، لا بوصفها معيارًا ثابتًا ونهائيًّا، بل باعتبارها إشكالية تتجدد كلما تغيرت أشكال الكتابة ومفاهيم الأدب وطرائق قراءته.

مراجع ومصادر

  1. Jakobson, Roman. Linguistics and Poetics. In Thomas A. Sebeok (ed.), Style in Language. MIT Press, 1960.
  2. Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” In Russian Formalist Criticism: Four Essays, translated by Lee T. Lemon and Marion J. Reis. University of Nebraska Press, 1965.
  3. Tynianov, Yuri. “On Literary Evolution.” In Readings in Russian Poetics: Formalist and Structuralist Views. MIT Press, 1971.
  4. Genette, Gérard. Narrative Discourse: An Essay in Method. Translated by Jane E. Lewin. Cornell University Press, 1980.
  5. Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. University of Minnesota Press, 1982.
  6. Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Johns Hopkins University Press, 1978.
  7. Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. University of Minnesota Press, 1983.

#السارد#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم