
السبع بحرات الدمشقية: حكاية ساحة تختصر قرناً من تاريخ دمشق
بقلم نجوى عبد العزيز محمود
في قلب دمشق الحديثة، تقف ساحة السبع بحرات بوصفها واحدة من أكثر الساحات ارتباطاً بذاكرة المدينة وتحولاتها السياسية والعمرانية. فالساحة ليست مجرد عقدة مرورية تتقاطع عندها الشوارع، بل مساحة تختصر جانباً مهماً من تاريخ دمشق في القرن العشرين؛ من سنوات الانتداب الفرنسي، مروراً بمرحلة الاستقلال، وصولاً إلى صورتها المعاصرة.
تُعدّ ساحة السبع بحرات واحدة من أشهر ساحات دمشق وأكثرها رسوخاً في الذاكرة الشعبية، فالساحة ليست مجرد دوّار أو ملتقى طرق في قلب العاصمة السورية، وإنما هي شاهد على مراحل متعاقبة من تاريخ دمشق: أواخر العهد العثماني، والانتداب الفرنسي، والاستقلال، وبناء مؤسسات الدولة السورية الحديثة، وصولاً إلى التحولات العمرانية والسياسية التي عرفتها المدينة في العقود الأخيرة.
ومع توسع دمشق وفتح محاور جديدة للحركة، اكتسب الموقع أهمية متزايدة، ولا سيما مع شق شارع بغداد وغيره من الطرق التي ربطت أجزاء المدينة الحديثة ببعضها.
وقد أمر الجنرال “موريس سراي” المفوض السامي الفرنسي، ببناء نصب تذكاري تخليداً لذكرى “بانتري”، والنصب عبارة عن قبة محمولة على أربعة أعمدة تنتهي بأقواس، على شكل محراب من الحجارة الأبلقية تدرج الحجر الأبيض والأسود، فقد توسط النصب التذكاري الساحة وأحاطت به سبع بحرات مائية متضائلة وصولاً إلى البحرة الرئيسة، صُممت البحرات السبع على الطراز المعماري الإسلامي، ووضعت على هذا النصب لوحة رخامية كتب عليها باللغتين العربية والفرنسية “ذكرى الكابتن ديكار بانتري ورجال فرقته الهجانة”
بعد جلاء قوات الاحتلال الفرنسي عن “سورية” هدمت القبة بأمر رئيس الجمهورية “شكري القوتلي” الذي أبقى على الساحة وفي وسطها البحرات السبع، وألغي الاسم بناءً على القرار الصادر عن المجلس البلدي في “دمشق”، تحت رقم (5/1) في /16/ حزيران عام /1945/م، الذي قرّر: إلغاء الأسماء الفرنسية لشوارع “دمشق” وتبديلها بأسماء عربية، إزالة كل نصب تذكاري فرنسي من شوارع وساحات المدينة.
وأصبحت الساحة تعرف باسم ساحة 17 نيسان، في إشارة إلى ذكرى الجلاء، وفي عام 1973 حملت اسم ساحة التجريدة المغربية تقديراً لمشاركة القوات المغربية في الحرب، غير أن الاسم الذي استقر في الذاكرة الشعبية هو السبع بحرات، فبالرغم من أن اسم الساحة تبدلت أكثر من مرة، فقد احتفظ الدمشقيون بالاسم الشعبي الذي ارتبط بصورة المكان وملامحه المائية.
تكمن أهمية السبع بحرات أيضاً في موقعها الاستراتيجي داخل دمشق، فقد ارتبطت بعدد من المحاور الرئيسية، ومنها شارع 29 أيار، وشارع العابد، وشارع الباكستان، وشارع الشهبندر، وشارع بغداد، كما تقع ضمن شبكة تصلها بساحات دمشقية أخرى مثل ساحة يوسف العظمة وساحة عرنوس وساحة الشهبندر وساحة التحرير.
وبذلك تحولت الساحة من مجرد معلم معماري إلى نقطة حركة رئيسية في المدينة، تمر عبرها السيارات والحافلات والمشاة، وتتصل عندها أحياء دمشق القديمة والحديثة. كما أنه لا تكتمل صورة السبع بحرات من دون النظر إلى الأبنية المحيطة بها، فقد ارتبط الموقع بمؤسسات ومبانٍ مهمة، من أبرزها مصرف سورية المركزي، الذي شُيد بعد الاستقلال في موقع كان يضم منشأة عسكرية فرنسية، إضافة إلى مبانٍ تراثية ومؤسسات أخرى وجامع بعيرة الذي يعود إنشاؤه إلى عام 1938.
ولهذا تبدو الساحة وكأنها كتاب مفتوح في تاريخ دمشق العمراني: مبانٍ من مراحل مختلفة، وشوارع حديثة، وذاكرة عثمانية أقدم، وآثار واضحة لمرحلة الانتداب، ثم إضافات تنتمي إلى الدولة السورية بعد الاستقلال.
ظلت السبع بحرات حاضرة في صور دمشق وذاكرتها. وتوثق الصور الأرشيفية مراحل متعددة من تاريخها، بما في ذلك النصب القديم والساحة في العقود التالية.
ولعل سر بقاء الساحة في الذاكرة الدمشقية لا يكمن في شكلها وحده، وإنما في قدرتها على تمثيل التحولات التي مرت بها العاصمة. ففي المكان نفسه تعاقبت رموز سياسية مختلفة، وتبدلت الأسماء، وتغيرت العمارة، لكن اسم «السبع بحرات» بقي حياً على ألسنة الناس، فمن قبة ونوافير ذات طابع معماري إسلامي، إلى ساحة حديثة شهدت تغييرات متلاحقة في التصميم.
وسميت الساحة بهذا الاسم بسبب تصميم الساحة نفسه، الذي ارتبط بوجود سبع بحرات أو نوافير مائية ضمن التكوين المعماري الأصلي. وكانت المياه والعناصر الزخرفية جزءاً أساسياً من هوية المكان، قبل أن تتغير هيئة الساحة عبر العقو،. ولذلك لم يكن الاسم مجرد تسمية إدارية؛ بل كان وصفاً بصرياً لمعلم حضري أصبح علامة في ذاكرة أهل دمشق.
هكذا نرى إن قيمة السبع بحرات الحقيقية تكمن في أن كل حجر وشرفة وشارع حولها يروي جزءاً من حكاية دمشق؛ مدينة تتغير ملامحها مع الزمن، لكنها نادراً ما تفقد ذاكرتها


