في تلك الجبال التي تنام على كتف الساحل السوري الأصيل حيث يختلط عبير التراب بندى الصباح وحيث ما تزال الأشجار تحفظ أسرار العصور الأولى وُلدت حكايةٌ لا تُروى كصناعةٍ فحسب بل كطقسٍ من طقوس الحياة.
حكاية دودة القزّ والحرير التي لم تكن تربية دودة الحرير مجرد حرفةٍ ريفية عابرة بل كانت امتداداً لزمنٍ بعيدٍ يعود إلى أقدم عصور التاريخ حين كان الإنسان يكتشف بصبرٍ مدهش كيف يتحول كائن صغير يتغذى على ورق التوت إلى خيطٍ يلمع كضوءٍ مسجون داخل شرنقة. ومن هذا الخيط وُلدت ثياب الملوك وامتدت عبر ما عُرف لاحقاً بـ طريق الحرير حيث صار الساحل السوري إحدى محطاته الهادئة التي تستقبل القوافل وتودّعها محمّلةً بالذهب والنسيج والمعرفة.
في ريف الساحل السوري وعلى وجه الخصوص في قرى ما حول مدينة مصياف كانت هذه المهنة حتى زمن قريب جزءاً من نبض البيوت. وكانت قرية دير ماما مثالاً حيّاً على ذلك الإرث بيوتٌ تفوح منها رائحة أوراق التوت وأصوات خافتة لشرانق تُنسج في صمتٍ يشبه الصلاة.
كان الفلاح هناك لا يرى في دودة القز مجرد كائن صغير بل يرى فيها وعداً بالرزق وامتداداً لكرامة الأرض. شجرة التوت لم تكن شجرة عادية بل كانت بمثابة “مائدة الحياة” التي تُطعم كائناً دقيقاً ليمنح الإنسان ثوباً من حرير.
لكن هذا الإرث كما كثير من الإرث الإنساني العريق بدأ يتراجع بهدوء موجع. تراجعت البيوت التي كانت تربي الدود وبهتت أصوات المواسم حتى لم يبقَ إلا القليل يُعدّ على أصابع اليد كأنه آخر الشهود على زمنٍ كان أكثر حياةً ودفئاً.
وفي هذا السياق برز جهد الباحثين الذين حاولوا إنقاذ الذاكرة من النسيان ومنهم أخي الغالي الراحل المفكر السوري علي القيم الذي أضاء في دراساته جانباً مهماً من سرّ هذه الصناعة وانتشارها وكيف تحولت من خبرة محلية إلى معرفة إنسانية عبر التاريخ حتى أصبحت اقمشه الحرير أحد أثمن أقمشة العالم وأكثرها حضوراً في أسواق الحضارات.
إن ما تكشفه هذه الحكاية ليس مجرد تاريخ صناعة بل تاريخ إنسانٍ تعلّم كيف يحوّل الصبر إلى خيط
والخيط إلى حضارة.
اليوم ومع انطفاء كثير من المهن التراثية التي عاشت آلاف السنين تبدو تربية دودة القزّ وكأنها تقف على حافة الذاكرة: إما أن تُستعاد كنبضٍ حيّ أو تُترك لتصبح صفحةً أخرى من كتب الحنين.
إن الدعوة إلى إحياء هذا الإرث ليست ترفاً ثقافياً بل مسؤولية تجاه الأرض التي علّمت الإنسان معنى التحول
من ورقة توتٍ صغيرة إلى حريرٍ يلبس العالم.
عاشق أوغاريت..غسان القيم


