حكاية القَبّار البري «الذهب الأخضر» في ريف حمص.. نبات صغير في حجمه… لكنه كبير في قدرته على صناعة المستقبل .- إعداد: فريد ظفور.

القَبّار البري في ريف حمص… «الذهب الأخضر» الذي تنبت قيمته من قلب البرية
إعداد : فريد ظفور

مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


حين تتحول نبتة برية إلى اقتصاد ريفي واعد..2000 طن سنوياً من القَبّار البري…
مقدمة: نبات صغير… وحكاية كبيرة
في المناطق الجافة وشبه الجافة من ريف حمص، حيث تبدو الأرض في فصل الصيف أكثر قسوةً، وتشتد حرارة الشمس ويقل حضور الماء، تنبت شجيرة برية قادرة على تحويل الصخر والجفاف إلى مورد اقتصادي وغذائي مهم. إنها نبتة القَبّار البري، أو الكَبَر الشائك (Capparis spinosa)، ذلك النبات الذي عرفته بيئات المتوسط منذ قرون، وأصبح اليوم واحداً من المحاصيل البرية ذات القيمة الاقتصادية المتنامية.
ولا تكمن أهمية القبار في مذاقه الذي منحته المائدة السورية والعربية مكانة خاصة فحسب، بل في قدرته الاستثنائية على التأقلم مع البيئات القاسية، وانخفاض احتياجاته المائية، وإمكانية تحويل أجزائه المختلفة إلى منتجات غذائية وتجارية. وتشير المراجع الزراعية إلى أن القبار من النباتات المتحملة للجفاف، ويمكن أن يشكل جزءاً من النظم الزراعية الملائمة للمناطق الجافة وشبه الجافة في شرق المتوسط.
وفي ريف حمص، تبدو حكاية القبار أكثر ارتباطاً بالإنسان والأرض؛ فالموسم ليس مجرد عملية جمع نبات بري، وإنما موسم عمل ودخل لعائلات ريفية، وسلسلة اقتصادية تبدأ من البرية ولا تنتهي عند الأسواق، بل يمكن أن تمتد إلى الفرز والتصنيع والتعبئة والتصدير.
القبار… شجيرة تتحدى الجفاف
ينتمي القبار إلى جنس Capparis، ويُعد القبار الشائك (Capparis spinosa) من أشهر أنواعه. وهو شجيرة معمرة محبة للحرارة والجفاف، تستطيع النمو في البيئات الحجرية والصخرية والفقيرة نسبياً.
وتتميز النبتة بسيقانها المتفرعة وأوراقها الخضراء المستديرة نسبياً، وأزهارها الكبيرة ذات المظهر اللافت، بينما تكمن القيمة التجارية الأساسية في البراعم الزهرية غير المتفتحة التي تُجمع قبل أن تفتح الزهرة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في القبار: أجمل ما فيه لا يُقطف بعد اكتماله، بل قبل أن يفتح أسراره.
وتشير الدراسات الزراعية إلى أن القبار يتمتع بقدرة عالية على تحمل الظروف البيئية القاسية، الأمر الذي يجعله نباتاً واعداً في المناطق المتوسطية التي تواجه تحديات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
ريف حمص… موطن موسم القبار
ينتشر القبار في أجزاء واسعة من ريف حمص، ولا سيما المناطق الشرقية، وقد أشارت تقارير محلية إلى انتشاره في نطاق يمتد من المشرفة إلى جب الجراح شرقاً، ومن الحراكي باتجاه حدود محافظة حماة شمالاً.
وتشير تقديرات محلية سابقة إلى أن إنتاج حمص من القبار تراوح في بعض المواسم حول 2000–2500 طن، بينما سجل أحد المواسم تقديراً وصل إلى 2500–3000 طن، مع تسويق أكثر من 2300 طن منه.
أما الرقم المتداول حول 2000 طن سنوياً، فيعكس الحجم الاقتصادي اللافت لهذا المنتج في المحافظة، وإن كانت كمية الإنتاج الفعلية قابلة للتغير من موسم إلى آخر تبعاً للأمطار والظروف المناخية ومساحات الانتشار وكثافة الجمع.
موسم يبدأ في الربيع… وينتهي مع الصيف
يمتد موسم القبار في المناطق السورية عادة خلال الأشهر الدافئة، وتشير مصادر محلية عن ريف حمص إلى أن الجني يبدأ مع بداية أيار ويستمر حتى نهاية آب تقريباً.
ويحتاج القبار إلى جمع متكرر للبراعم الزهرية، لأن النبتة لا تنتج جميع براعمها في الوقت نفسه. لذلك يصبح الموسم سلسلة من عمليات القطاف المتتابعة، وليس عملية حصاد واحدة.
وفي الزراعات المتخصصة عالمياً، تعد عملية الجني من أكثر مراحل إنتاج القبار استهلاكاً للعمل، إذ تتم غالباً يدوياً، وقد تمثل نسبة كبيرة من تكاليف الإنتاج.
وهذا يفسر لماذا يرتبط القبار في الريف بالعمل العائلي والموسمي؛ فاليد البشرية ما تزال هي الأداة الأكثر ملاءمة لالتقاط البرعم الصغير دون إتلاف الشجيرة.
القاعدة الذهبية: كلما صغر البرعم زادت قيمته
ليست جميع حبات القبار متساوية في القيمة التسويقية.
فالبرعم الصغير والمتماسك يعد من أفضل الدرجات التجارية، بينما تتراجع القيمة كلما كبر الحجم أو بدأ البرعم بالانفتاح.
ولهذا فإن الفرز يمثل مرحلة أساسية في تطوير القيمة الاقتصادية للمحصول.
وقد أظهرت دراسات على القبار أن الحجم وموعد الحصاد والصنف تؤثر في تركيب المنتج وخصائصه، كما أن الأسواق التجارية تعتمد أنظمة لتصنيف القبار وفق أحجام البراعم.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الانتقال من بيع القبار مخلوط الأحجام إلى محصول مفروز ومصنف؛ فالفرز لا يغير شكل المنتج فقط، بل يمكن أن يرفع قيمته التجارية ويفتح أمامه أسواقاً أكثر تخصصاً.
من البرية إلى مركز الفرز
المرحلة التي تلي الجمع لا تقل أهمية عن عملية القطاف نفسها.
فبعد وصول القبار إلى مراكز التجميع، تبدأ عمليات:
الاستلام → التنظيف → إزالة الشوائب → الفرز الحجمي → التصنيف → الوزن → الحفظ أو التصنيع → التعبئة → التسويق.
وهذه السلسلة تمثل نقطة التحول من منتج بري خام إلى سلعة زراعية ذات مواصفات تجارية.
وتؤكد الدراسات الخاصة بتسويق القبار في سورية أهمية مراكز التجميع والتسويق في تحسين دخل الأسر التي تعتمد على جمعه، كما أشارت إلى أن تنظيم عمليات التسويق يمكن أن يساعد على زيادة القيمة المضافة التي يحصل عليها المنتج أو الجامع.
التسويق الحر… فرصة وتحدٍّ
اعتمد تسويق القبار في مناطق سورية مختلفة بدرجة كبيرة على القطاع الخاص والتجار، مع قيام الجهات الزراعية بدور تنظيمي وإصدار شهادات المنشأ عند الحاجة للتصدير، وفق تقارير محلية عن ريف حمص.
وهذا النموذج يوفر مرونة في حركة المنتج، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أساسياً:
كيف يحصل جامع القبار على حصة عادلة من القيمة النهائية للمنتج؟
فالمنتج ينتقل من يد الجامع بسعر معين، ثم تضاف إليه قيمة الفرز والتعبئة والتصنيع والنقل والتسويق والتصدير.
لذلك فإن تطوير التعاونيات، ومراكز الفرز الحديثة، والبيع المباشر، والعقود الواضحة، وتوحيد المواصفات، كلها أدوات يمكن أن تساعد في جعل سلسلة القيمة أكثر توازناً.
وقد شهدت حمص بالفعل مبادرات ونقاشات حول إنشاء تعاونيات لتسويق المحاصيل الاقتصادية، وشركات متخصصة بشراء القبار وتصنيعه وتصديره، بهدف زيادة القيمة المضافة وتوفير فرص عمل.
القبار… من «رزق البرية» إلى محصول اقتصادي
لطالما ارتبط القبار في الريف السوري بفكرة «الرزق المجاني» الذي تمنحه الطبيعة لمن يجمعه.
لكن هذه النظرة تحتاج اليوم إلى تطوير.
فالقبار ليس مجرد نبات بري يجمعه الناس في موسم محدد؛ إنه مورد نباتي يمكن أن يدخل ضمن منظومة اقتصادية أكثر تنظيماً، تبدأ بحماية الموارد الطبيعية وتنظيم الجمع، مروراً بالفرز والتصنيف والتصنيع، وانتهاءً بالتعبئة والتسويق والتصدير.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع تغير المناخ وازدياد الحاجة إلى محاصيل تتحمل الجفاف وتحتاج إلى كميات محدودة من المياه. وتشير مراجعات علمية إلى إمكانية النظر إلى القبار كمحصول واعد في المناطق الجافة وشبه الجافة، ولا سيما في منطقة شرق المتوسط.
هل يمكن زراعة القبار بدلاً من جمعه برياً؟
نعم، فقد تطورت زراعة القبار في عدد من دول المتوسط، وأصبحت هناك مزارع متخصصة وأصناف وطرائق إكثار وإدارة زراعية.
وتشير الأدبيات الزراعية إلى إمكانية إكثاره بالبذور أو بالعقل، كما تستخدم مسافات زراعية مختلفة تبعاً للصنف والتربة وطريقة الخدمة والري. وتوجد تجارب زراعية في إيطاليا وإسبانيا وغيرها من دول المتوسط لتحسين الإنتاجية واختيار الأنماط الوراثية الأكثر ملاءمة.
لكن زراعة القبار لا تعني بالضرورة التخلي عن القبار البري.
الأفضل هو تطوير المسارين معاً:
حماية القبار البري + تنظيم جمعه + استزراعه في المناطق الملائمة + تحسين أصنافه + تطوير التصنيع.
وهكذا يتحول النبات من مورد موسمي معرض للاستنزاف إلى مورد مستدام.
كيف نحافظ على القبار البري؟
الاستثمار الحقيقي في القبار لا يبدأ من السوق، بل من النبات نفسه.
ومن أهم مبادئ الإدارة المستدامة:
عدم اقتلاع الشجيرات من جذورها.
تجنب تكسير الفروع الرئيسية أثناء الجمع.
ترك جزء من الأزهار والثمار لإكمال دورة التكاثر.
عدم الجمع الجائر من الموقع نفسه.
تنظيم مواعيد ومناطق الجمع.
تدريب الجامعين على الطريقة الصحيحة للقطاف.
مراقبة المناطق البرية ذات الكثافة العالية.
تشجيع إكثار القبار وزراعته في المواقع الملائمة.
توثيق الإنتاج سنوياً لمعرفة القدرة الحقيقية للمورد.
فالنبات البري، مهما بدا وفيراً، ليس مورداً لا ينضب.
القبار في المطبخ… نكهة المتوسط
يُستهلك القبار بصورة أساسية بعد الحفظ والتخليل، سواء في الماء والملح أو الخل، كما تستخدم براعم القبار في العديد من المطابخ المتوسطية والعالمية.
ولا تقتصر القيمة الغذائية والتجارية على البراعم وحدها؛ فثمار القبار، المعروفة في بعض الأسواق باسم ثمار القبار أو caperberries، تدخل أيضاً في المنتجات الغذائية.
وتحتوي أجزاء النبات على مركبات نباتية فعالة، من بينها مركبات فينولية وفلافونويدات ومركبات أخرى دُرست لخصائصها الحيوية. لكن ذلك لا يعني التعامل مع القبار كدواء، إذ ينبغي التمييز بين الاستخدام الغذائي والدراسات الدوائية التي تحتاج إلى أدلة سريرية مستقلة.
قيمة اقتصادية تتجاوز سعر الكيلو
القيمة الحقيقية للقبار لا ينبغي أن تُقاس فقط بسعر الكيلوغرام عند أول نقطة بيع.
فكل طن من القبار يمكن أن يخلق سلسلة من الأنشطة:
جمع → نقل → تجميع → فرز → تصنيف → حفظ → تصنيع → تعبئة → نقل → تسويق → تصدير.
وهنا تتضاعف القيمة المضافة.
فإذا بيع القبار الخام دون فرز، يحصل السوق على مادة أولية منخفضة القيمة نسبياً. أما إذا جرى فرزها حسب الحجم والجودة، ثم حفظها وفق شروط صحية جيدة وتعبئتها بعبوات تحمل مواصفات واضحة، فإن المنتج يصبح أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وهذه هي النقلة التي يحتاج إليها القبار السوري:
من «منتج بري» إلى «منتج غذائي سوري بمواصفات تجارية».
حمص… فرصة لبناء هوية اقتصادية للقبار
مع إنتاج يقدر بآلاف الأطنان في بعض المواسم، وانتشار النبات في مساحات واسعة من ريف المحافظة، يمكن لحمص أن تطور هوية اقتصادية متخصصة حول القبار.
وقد يكون من المفيد مستقبلاً العمل على:
إنشاء قاعدة بيانات سنوية للإنتاج.
تحديد مناطق انتشار القبار البري ومساحاتها.
إنشاء مراكز فرز وتصنيف متخصصة.
وضع مواصفات قياسية للحجم والجودة.
تدريب جامعي القبار.
تأسيس تعاونيات للجامعين والمنتجين.
تطوير منتجات غذائية جاهزة للتصدير.
إنشاء علامة تجارية مرتبطة بقبار ريف حمص.
دعم الدراسات العلمية حول الأصناف المحلية.
تشجيع زراعة القبار في الأراضي المناسبة.
تطوير التعبئة والتغليف بما يناسب الأسواق الخارجية.
دراسة أسواق التصدير والأسعار العالمية.
حماية الموارد البرية من الجمع الجائر.
دعم التصنيع المحلي بدلاً من الاقتصار على بيع المادة الخام.
خاتمة: حين تمنح البرية أهلها ذهباً أخضر
القبار البري ليس مجرد شجيرة شوكية تختبئ بين الصخور، ولا مجرد براعم صغيرة تُجمع في الصيف.
إنه قصة علاقة بين الإنسان والأرض؛ قصة ريف يعرف كيف يقرأ مواسم الطبيعة، ويحوّل نباتاً متواضعاً إلى مصدر دخل، وكيف يمكن لمنتج يبدو صغيراً في حجمه أن يحمل قيمة اقتصادية كبيرة.
وفي ريف حمص، حيث يصل إنتاج القبار في بعض المواسم إلى نحو 2000 طن وأكثر، تبدو الفرصة واضحة: أن ينتقل هذا المورد من اقتصاد موسمي يعتمد على الجمع والبيع الخام، إلى صناعة زراعية وغذائية متكاملة تقوم على الحماية، والفرز، والتصنيع، والجودة، والتسويق والتصدير.
فالقبار الذي قاوم الجفاف ووقف أخضرَ في وجه قسوة الأرض، يستحق أن تتحول حكايته من «رزق مجاني» إلى «ذهب أخضر» يحفظ للريف موارده، وللجامعين حقوقهم، وللمنتج السوري مكانته في الأسواق.
القبار صغير في حجمه… لكنه كبير في قدرته على صناعة المستقبل.

***&***&***

2000 طن سنوياً.. ريف #حمص يختتم موسم القَبّار البري بآلية تسويق حرة ومراكز فرز متطورة للتطوير الاقتصادي

#العروبة

أخر المقالات

منكم وإليكم