حكاية”الفيلم الفائز بجائزة لوكارتو.فيلم هادئ ويحمل العديد من الرسائل العامة.

هذا الفيلم الفائز بالجائزة الكبرى في #لوكارنو، لا يخضع لمنطق السرد التقليدي ولا ينصاع لقواعده الراسخة. فلا فصول واضحة، ولا ذروة، ولا تصعيد درامي كما تُعلَّم في معاهد السينما. ينسج الفيلم إيقاعه الخاص، أقرب إلى مزاج ينغمس فيه المتفرج على مدى ساعة ونصف الساعة، ليخرج مختلفاً عمّا دخل. “حكاية” تُروى بخيوط من البساطة والهدوء، كما لو أن شخصاً استيقظ من حلم وراح يسجّله قبل أن يتبخّر.

إنه مبدأ “الميز آن أبيم”، ذاك الانعكاس المتكرر المحبّب في السينما والأدب، يُعاد تقديمه هنا بروحٍ يابانية. الشخصية الرئيسية، وهي كاتبة سيناريو، تتحوّل إلى انعكاس يرى فيها المُشاهد ذاته، فيما يتابع شذرات قصّة تتشكّل وتذوب في آنٍ واحد. لا حبكة، فقط لحظات تمضي في مسارها المعتاد نحو خاتمة هادئة. لا عجب أن مياكي، الذي بدأ رحلته السينمائية في الخامسة عشرة بفيلم لا تتجاوز مدّته ثلاث دقائق، يرى في النص السينمائي تعويضاً عن استحالة تكرار الحياة. “لو كان كلّ شيء قابلاً للإعادة، لما وُجِدَت السينما”، يقول في حوار معه. هذا الإيمان العميق بعدم تكرار ما مضى، يمنح الفيلم صوته الخاص.

يستند الفيلم إلى حكايتين مانغا كتبَهما يوشيهارو تسوغه في الستينات، وينقسم فصلين لا تربطهما علاقة سردية مباشرة: في الأول، نتابع لي (الكورية الجنوبية شيم أون كيونغ) وهي تهمّ بكتابة سيناريو يتسلّل تدريجاً إلى الشاشة، فيتحوّل إلى شخصيات تتجوّل على شاطئ خلال الصيف، تلتقي وتفترق بلا دافع واضح، وكأنها خرجت من أحد أفلام إريك رومير. لكن مياكي يتجنّب الوقوع في فخ التقليد أو الاستسهال، فلا يتحوّل إلى نسخة باهتة كما تفعل أحياناً بعض أعمال المخرج الكوري هونغ سانغ سو. أما في الفصل الثاني، فتصبح لي نفسها “بطلة” الحكاية، وتحملنا وسط الثلوج إلى لقاء مع رجل يمنحها مأوى.

هذا هو الفيلم في خطوطه العريضة. أما ما تبقّى، فمشاعر، وكادرات مشغولة بعناية، تسلب الأنفاس ببساطتها، ونعلم كم ان بلوغ هذه البساطة معقّد… لا شيء “يحدث” فعلياً بمعنى الحكاية التقليدية، لكن ما يحدث على المستوى الحسّي لا يتركنا غير مبالين. كأن الفيلم قبلة وُجِّهت إلى من يعشقون هذا النوع من السينما الهادئة، الرقيقة، العذبة. وأنا من بينهم. لا عنف، لا حاجة لإصرار على تفسير كلّ شاردة وواردة، لا محاولات لفرض مصير واحد على كلّ ما يعبر الشاشة. لا سرديات مكتملة ولا شروح تفسد الغموض.

هناك جملة تنسجم كلياً مع جوهر السينما التي يقترحها شو: تقول لي في أحد المشاهد إنها أضاعت الكاميرا، فيجيبها الرجل الذي يرافقها في رحلتها الثلجية: “ينبغي لكِ انتظار حلول الربيع للعثور عليها”. من فكرة بسيطة كهذه، يصنع المخرج مساحة لحضور المتفرج، مراهناً على خياله بدلاً من أن يقدّم له كلّ شيء على طبق. يحاول الفيلم أن يقول شيئاً عن العلاقة بين العيش وتجربة الكتابة، وكيف لا يُمكن أحدهما أن ينوجد من دون الآخر.

حفيف ورق الشجر هنا أهم من أي شيء آخر. انها من تلك اللحظات التي تعيدنا إلى أصول السينما. اللقطات الثابتة ترفعها إلى ذروتها التعبيرية. يقول شو: “كي نتأمل جريان النهر وننبهر بتغيّراته الساحرة، أعتقد أن على المرء أن يقف ساكناً على الضفّة من دون أن يتحرك. الكاميرا الثابتة قادرة على التقاط حتى أدقّ التفاصيل، مثل ابتسامة خفيفة على وجه الممثّل أو تمايُل الأشجار بلطف. من خلال الأفلام الكلاسيكية، وخصوصاً الصامتة منها، تعلّمتُ أن هذا الإحساس بالدهشة هو المتعة الحقيقية في مشاهدة السينما”.

#هوفيك حبشيان#مجلة تيليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم