جودة الشعر والتوتر الدلالي

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

حين تنحرف اللغة لتستعيد معناها
لا يقوم الشعر على الطمأنينة اللغويّة، ولا يرضى بالإقامة في منطقة المألوف المستقرّ، بل يولد من انكسار النسق، ومن قلق الصياغة، ومن ذلك التوتّر الخلّاق الذي ينشأ حين تُدفَع اللغة إلى تخومها القصوى. فالشعر، في جوهره، ليس قولًا لما نعرفه، بل زعزعةٌ لما ألفناه، وإعادة ترتيب للعلاقات بين الكلمات والمعاني على نحوٍ يُربك العقل ليُوقظه، ويستفزّ الذائقة ليُخصبها.
لقد أدرك النقّاد العرب الأوائل هذه الحقيقة مبكّرًا. فعبد القاهر الجرجاني، في نظريته الشهيرة عن النظم، لم يرَ الشعر في الألفاظ ذاتها، بل في العلاقات التي تنشأ بينها. التقديم والتأخير، والحذف والإضمار، عنده، ليست حيلًا بلاغيّة، بل أدواتٌ لتوليد المعنى، لأنّ المعنى لا يُستخرج من الكلمة مفردة، بل من موقعها في البناء الكلّيّ. وهنا يتجلّى الشعر بوصفه هندسةً ذهنيّة، لا زخرفةً لفظيّة.
والحذف، على وجه الخصوص، هو أعلى درجات الثقة بالمتلقّي. فالشاعر حين يحذف، لا يختصر، بل يوسّع فضاء الدلالة، ويترك فراغًا محسوبًا ليملأه القارئ بخبرته ووجدانه. وقد رأى النقّاد أنّ «أبلغ الكلام ما دلّك على معناه ولم يُصرّح به»، لأنّ الإيحاء يُحرّك العقل أكثر مما يفعل التصريح. وهذا ما يجعل الشعر خطابًا تشاركيًّا، لا أحاديّ الاتجاه.
أما العدول عن المألوف، فهو قلبُ الشعر النابض. فاللغة العاديّة تسعى إلى الإفهام، أمّا اللغة الشعريّة فتسعى إلى الإدهاش. ومن هنا قال أبو تمام إنّ الشعر «صناعةٌ تُحتاج إلى عقلٍ زائد»، لأنّ الشاعر لا يكتفي بتسمية الأشياء، بل يُعيد تسميتها، ويخلخل العلاقة التقليديّة بين الدالّ والمدلول. وهذا الخلل المقصود هو ما يُنتج التوتّر الدلاليّ، أي تلك الحالة التي يقف فيها المعنى على الحافة، لا يستقرّ، ولا ينفلت.
وليس غريبًا أن يلتقي النقّاد والأطبّاء في توصيف أثر الشعر. فقد رأى بعض أطبّاء النفس، منذ فرويد ويونغ، أنّ الانزياح اللغويّ في الشعر يشبه عمل الحلم في اللاوعي: تكثيف، وإزاحة، ورمز. فالشاعر، حين يُقدّم ما يُؤخَّر، أو يُضمر ما يُقال عادة، إنّما يفتح مسارًا آخر للمعنى، مسارًا نفسيًّا عميقًا يتجاوز الإدراك السطحيّ. وهنا يصبح التوتّر الدلاليّ حالةً صحيّة، تُنقذ اللغة من الابتذال، والوعي من التبلّد.
أما الشعراء أنفسهم، فقد كانوا أكثر وعيًا بهذه الوظيفة من أيّ منظرٍ أو ناقد. فالمتنبي، في أعنف لحظات تمرّده اللغويّ، لم يكن يخرق النسق إلا ليُعيد بناءه على صورة ذاته القلقة. وأدونيس، في حداثته الجذرية، جعل من الانزياح مشروعًا فكريًّا، لا جماليًّا فحسب، حيث تتحوّل اللغة إلى سؤالٍ مفتوح، لا إلى جوابٍ جاهز. وفي هذا المعنى، قال الشاعر الفرنسي بول فاليري إنّ «الشعر تردّدٌ طويل بين الصوت والمعنى»، وهذا التردّد هو عين التوتّر الخلّاق.
إنّ التوتّر الدلاليّ ليس زينةً أسلوبيّة، بل شرط وجود الشعر. فحين تستقيم اللغة تمامًا، تموت شعريّتها، وحين تُفلت بلا ضابط، تفقد معناها. وبين هذين الحدّين، يعمل الشاعر عمل الجرّاح: يقطع ليُداوي، ويُربك ليُبصّر، ويؤلم اللغة قليلًا كي تستعيد حياتها.
وهكذا، لا يكون الشعر قولًا جميلًا فحسب، بل تجربةً ذهنيّةً ونفسيّةً وجماليّة، تُدرّب المتلقّي على الشكّ، والتأويل، وإعادة النظر. إنّه فنّ التوتّر بامتياز، وحين يغيب هذا التوتّر، يغيب الشعر، ويبقى الكلام… بلا روح.

أخر المقالات

منكم وإليكم