الهباري والزبون: حكاية الهوية والجمال في الرقة بين صمود التراث وتحديات العصر….
في كل مجتمع، ثمة رموز تختزل روحه وتاريخه، ليست كلها من الحجر أو البرونز، بل قد تكون من القطن والحرير والصوف، وفي سهل الرقة الممتد على ضفاف الفرات، حيث تلاقت حضارات، واختلطت أنساب، وتقاطعت طرق القوافل، وجدت هذه الرموز تعبيرها الأرقى في الزي الفراتي: الهباري والزبون. لم يكن لباس المرأة هنا مجرد غطاء أو زينة، بل كان لغة صامتة تنطق بالانتماء، وتصرح بالأصالة، وتحرس نظاماً اجتماعياً بأكمله. إنه تاريخ مطرز بخيوط ملونة، يحكي قصة مجتمع في مواجهة العصر، وحكاية هوية ترفض الاندثار.
الهباري: وشاح الحرير الذي هزّ وجدان الشعراء
كثيرا ما تبدأ الحكايات الكبيرة بتفاصيل صغيرة. والهباري، بتلك الخفة التي لا يتعدى وزنها مائة غرام، كان تفصيلا حمل ثقلا هائلا في ذاكرة المنطقة. إنه ليس مجرد غطاء رأس، بل هو “بيان أناقة وشفرة جمال” خاصة بنساء الفرات، يصنع من الحرير الخالص، ليبلغ من الرقة والشفافية مبلغا يجعل من ارتدائه فنا قائما بذاته. كانت المرأة تطوي المترين من هذا الحرير وتلفهما حول رأسها في حركات محكمة، تاركة ما يُعرف بـ “الكذلة”، خصلة الشعر التي تتدفق من تحته، كإعلان عن جمال لا يخجل من الظهور بل ينتظر الإعجاب.
وكان للجمال هنا أسماء وألوان. فالهباري الذي يجمع بين الأخضر والأحمر سُمّي “جناح الخضر” تيمنا بطائر المنطقة، والآخر الذي تخلط ألوانه الأصفر والأسود والأبيض عُرف بـ “رشك الحنة”. ووراء الاسم الأول، “الهباري” نفسه، حكاية تذكرنا بصلات الإنسان بالأرض؛ فقد اشتق من وردة برية ناعمة الملمس وبرتقالية اللون تسمى “الهبري”، كأنما أرادت المرأة أن تضع على رأسها زهرة البادية الناعمة التي لا تقهرها قسوة الصحراء.
ولم يكن هذا الجمال ليغيب عن بصيرة الشعراء وألسنة المغنين، فخلدوه في قصائد الغزل والمديح. قالوا عنه: “يا زين لبس الهباري براس غالينا يدنجر ويغض النظر لمّن يلاقينا”.
هذا البيت وحده يكفي كشهادة على المكانة التي احتلها هذا الوشاح الحريري في الوجدان الجمعي، فهو “يدنجر” أي يلفت الأنظار بشدة، ويجعلها “تغض” خجلا أو إعجابا. إنه سلاح الجمال في مواجهة العالم.
الزبون: عباءة الهيبة والعرف الاجتماعي
إذا كان الهباري يمثل رقة التفاصيل وجمالها، فإن الزبون يمثل “هيبة الكل ووقاره”. هذا الرداء الطويل الشبيه بالعباءة، كان في الأصل لباساً للرجال قبل أن يستأثر به النساء، ليتحول مع الوقت إلى “أيقونة الأنوثة الرصينة” في الجزيرة السورية. لم يكن قطعة كمالية، بل كان ضرورة اجتماعية صارمة. كانت العبارة تتردد على ألسنة الكبيرات: إن المرأة التي تخرج من دون زبون تكون قد “خرجت مجردة”. هنا، يتحول القماش إلى حاجز أخلاقي، ودرع يحمي كرامة حامله، وعلامة على الاحترام الواجب للمكان والمناسبة.
وكان الزبون، بحكم هذه الأهمية، سجلا للثراء والذوق. تنوعت أسماؤه وأسعاره بتنوع أقمشته وزخارفه. فهناك “أبو رويشة” القديم، و”الجَز” الحريري الثمين، و”الخر شدي” الشتوي الثقيل، و”العذيف” المخملي الناعم. وكان التطريز يحول القطعة إلى تحفة، كما في “الزبون المقصب” أو “أبو دلال” المطرز بدلة القهوة بخيوط نحاسية، ليروي على القماش قصة الكرم والضيافة. وكانت الأسعار تتحدث أيضا، فمن خمسين دولاراً للقطعة العادية، إلى ثلاثمائة دولار للقطعة المطرزة يدويا، كاستثمار في الهيبة والمكانة.
وكما الهباري، وجد الزبون طريقه إلى الشعر، حيث تغنى به الندمان ووصفوه في أشعارهم، مؤكدين على مكانته التي لا تضاهى.
بين سيوف التطرف ورياح الحداثة
لم تسر حكاية هذا الزي في خط مستقيم. فقد واجه، كسائر تفاصيل الحياة في الرقة، امتحاناً وجوديا قاسيا خلال سنوات سيطرة تنظيم “داعش”. حيث فُرض اللباس الأسود الموحد، وحُظرت الألوان، وانمحت معالم الهوية تحت ستار من التشدد الأعمى. واختفى الهباري والزبون من الشوارع، وكأنما أُريد لمجتمع أن يمحو ذاكرته البصرية ويرتدي حدادا قسريا على نفسه. لكن الذاكرة أقوى من النسيان، والهوية أصلب من الإكراه. وعاد القماش الملون ليعلن عودة الحياة. بعد التحرير، وعادت النساء، وخاصة الأكبر سنا، إلى ارتداء زي تراثهن في الأعراس والمناسبات، ليس كعادة فحسب، بل كإعلان انتصار وانتماء.
الذاكرة المطرزة
في النهاية، تبقى حكاية الهباري والزبون أكثر من مجرد تاريخ للأزياء. إنها سيرة مجتمع كتبها على جسد المرأة. فيها نقرأ حكاية الجمال الذي يتشبث بالحياة حتى في أقله حالاتها رقة، كما في حرير الهباري. ونقرأ قصة النظام الاجتماعي وقيمه، متجسدة في هيبة الزبون ووقاره. لقد صمدا أمام تحديين كبيرين: تحدي التطرف الذي أراد إخفاءهما، وتحدي العصر الذي أراد استبدالهما. وصمودهما هذا هو تأكيد على أن بعض الرموز لا تموت، بل تتحول من لباس للحياة اليومية إلى لباس للروح والهوية، تخلعه الأجيال كي لا تخلع عنها نفسها. وهكذا، يظل تراث الرقة، كالنهر الذي يجاورها، يبدو هادئا على السطح، لكن تياراته العميقة تجري حاملة بذور الماضي إلى مستقبل لا يزال يبحث، رغم كل شيء، عن وجهه الخاص.
*********************
المصادر:
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
مواقع: الصحافة الأجنبية.
********


