بقلم: ضحى شمس..طابعٌ تكريمي لزياد الرحباني، من وزير الاتصالات اللبنانية:شارل الحاج.

صورة زياد الرحباني أم معناه؟ بقلم ضحى شمس – 13.12.25
Doha Chams
طابعٌ تكريمي لزياد الرحباني، أعلنت عنه منذ أيّام وزارة الاتصالات اللبنانية في تغريدةٍ للوزير، شارل الحاج، يقول فيها إنّه وقّع “قراراً بإصدار طابع بريدي خاص بالفنان الراحل، زياد الرحباني، يضمّ أربع صور توثّق محطات من مسيرته الفنية”، مُضيفاً أنّ الطابع “سيُطرح في التداول ابتداءً من يوم الأربعاء المُقبل (الماضي/ 10 ديسمبر/ كانون أوّل 2025)”.

لاقى الخبر ترحيباً واسعاً من اللبنانيين الذين، وإن اختلفوا كثيراً حول مواقف زياد الأيديولوجية، وحول طريقة التكريم، فهم نادراً ما اختلفوا حول قيمته الموسيقية. هكذا، كرّرت وسائل الإعلام الخبر من دون أيّ إضافات. مع أنّ نصّ الوزير المُرفق بصور الطابع، طرح تساؤلات مهمّة، على الأقل لدينا.
فكيف توثّق، وأشدّد على توثّق، الصور الأربع المُختارة، وثلاث منها تكاد تكون من الفترة نفسها، محطّات من مسيرته الفنية؟

من اختار تلك الصور، واستناداً إلى أيّ معايير؟ وما المقصود بمسيرته الفنية؟ فهل هو فقط موسيقار؟ عازف؟ مُغَنٍ؟ موزّع؟ ملحّن؟ ممثّل؟ كاتب مسرحي؟ كاتب مقالات؟ كاتب إذاعي؟ أم هو كلّ هذا؟

لِمَ لمْ تختر الوزارة على سبيل المثال ملصّق مسرحية زياد “شي فاشل”؟ خصوصاً وأنّ زياد يظهر في هذا الملصّق الشهير بوضوح

حين تقرأ الخبر، تفترض أنّ هناك جهداً بُذل في انتقاء صور الطابع من أرشيف زياد الضخم. هكذا، خمّنتُ بدايةً أنّ معيار الاختيار كان التسلسل الزمني لأعماله، بدليل وجود صورة من بداياته الموسيقية. أقصد صورته مع سماعات الرأس (هيدفون)، والتي ظهرت للمرّة الأولى كما فهمت من صديق يُعتبر متابعاً دقيقاً، في كتيب رحلة فيروز إلى أميركا في العام 1981. أمّا الثلاث الأخريات فتكاد كلّها تكون من الفترة ذاتها، ولا تُشير إلى أيّ محطّة مفصلية في مسيرته.

فإن لم يكن المعيار المقصود هو التسلسل الزمني، بل المحطّات المهمة، لمَ لم تختر الوزارة مُلصّقاً أو صورة من حفلاته التي كان بعضها يُعتبر محطّة فاصلة أو رمزاً لمرحلة ما في أعماله، كما في “أورينتال جاز” مثلاً، أو حفلات بيت الدين التاريخية؟ لِمَ لم تنتقِ ملصّقاً لإحدى مسرحياته؟ فهذه المسرحيات الست كما نعلم جميعاً، أثّرت بعمق في الوعي المواطني العام، إضافة لتوثيقها (والوزارة تحبّ التوثيق) لواقع البلاد في مختلف المراحل التي كُتِبت وعُرِضت فيها تلك الأعمال؟

فإن كانت صورة “الهيدفون” هي الاختيار المناسب للإشارة، ربّما، إلى علاقة زياد بالعمل الإذاعي أو شغل الاستديو، ثم أضفنا إليها صورة له وهو جالس إلى البيانو، بوصفه مؤلّفاً وموزّعاً وعازفاً وملحّناً، كان من الممكن أن تكون وظيفة الصورتين الأخيرتين التعبير عن زياد الممثّل والكاتب والمسرحي.

لِمَ لمْ تختر الوزارة على سبيل المثال ملصّق مسرحيته “شي فاشل”؟ خصوصاً وأنّ زياد يظهر في هذا الملصّق الشهير بوضوح، ولا توجد تفاصيل كثيرة تزعج البصر بازدحامها في مساحة شديدة الصغر كالطابع.
تتجاهل مبادرات “تكريم” زياد الرحباني، جوهر الرجل ومعنى خياراته، وتتعامل معه كما لو كان مجرّد شخصية مشهورة

طبعاً لن أذكر ملصّق “سهرية” لأنّها أقرب إلى أعمال أهله ولا تعبّر عن زياد حسب تقييمه هو نفسه. والكلام يسري على “نزل السرور” التي من الممكن اعتبارها مرحلة انتقالية بين زياد الرحباني وبين مجرّد.. زياد، أما “فيلم أميركي طويل”؟ فهل أنا فعلاً بحاجة للشرح؟

بالطبع، لن تقوم الوزارة باختيار صور تعبّر عن انتمائه الفكري وآرائه السياسية كما في انتصاره للمُقاومات على اختلاف هُويّاتها المُتعاقبة في لبنان، والتي لم يكن يقصّر أيضاً في انتقادها. وكلمة “بالطبع” لا تعني تسليمنا بأنّ هذا السلوك صائب، بقدر ما تشير إلى توقّع النقص في منسوب الشجاعة الأدبية رسمياً، للاعتراف بعبقرية هذا المحرّض الاجتماعي الخطير والمؤثّر، تماماً كما هو في كلّ إنتاجه.

تتجاهل مبادرات “تكريم” زياد الرحباني، جوهر الرجل ومعنى خياراته، وتتعامل معه كما لو كان مجرّد شخصية مشهورة. تبدّى ذلك مثلاً، في استغلال رغبة الناس في إطلاق اسمه على شارع في منطقة الحمرا التي أحبَّ، للتخلّص من اسم الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، الذي كانت الدولة اللبنانية قد أطلقته على أوتوستراد المطار في لحظة “تكريم” أخرى من تاريخنا.

هذا التذاكي، معطوفاً على تجاهل مسرحه النقدي الساخر، يفضي إلى نوع من “تعقيم” لإرث الرجل. وهذا تصرّف، لو ثبتت نيّته، مُشين، فضلاً عن كونه صعب التحقيق. فهل الدولة اللبنانية تريد الاحتفاء بفنان، عبر تقديمه، عكس ما كان، مُحايداً، بلا لون أو شكل أو رائحة، على طاولة التكريم؟

في الذكرى الرابعة لرحيل عاصي الرحباني في عام 1990، سجّل زياد، حلقة خاصة في سلسلة “يه ما أحلاكم” التي كان يبثّها من إذاعة “صوت الشعب”. كانت الحلقة الإذاعية مُخصّصة للتنديد بمن كانوا “يستغيبون عاصي الرحباني بعد رحيله” بحجّة تكريمه كما قال وقتها، مُتسائلاً بسخرية وألم “كم هو سهل أن تستغيب شخصاً بعد أن غاب”. كانت نبرته غاضبة، تطفح بالمرارة وينضح منها الحزن.

في تلك الحلقة، والتي أُتيح لي الاستماع إليها قبل إذاعتها بنسخة أطول من تلك التي بُثّت، حذّر زياد “مكرّمي” عاصي الرحباني من تحريفهم المُتمادي، سنة بعد سنة، لصورة والده الراحل وقناعاته. كان دفاع ابن متألم عن والد عظيم، حاول المتسلقون على قامته استباحة إرثه وتطويعه ليناسب بعض قوى الأمر الواقع فنياً وسياسياً. كانت الحلقة بالنسبة إليه فرصة للتشديد على هُويّة الأخوين بوصفهما، كما قال، “عرباً، وليسوا فينيقيين”، الاسم الفني لليمين اللبناني المسيحي الرافض لعروبة لبنان.

لا زلت أذكر أنّني بكيت يومها وأنا استمع لتلك الحلقة. بكيت ليس من أجل إرث عاصي المُستباح فحسب، ولا فقط من أجل ألم زياد، وتأثّراً ببلاغته والخلفية الموسيقية التي اختارها من أروع أعمال الأخوين رحباني، بل أيضاً لمصير الإنسان الذي يصير بالموت عاجزاً حتى عن الدفاع عن نفسه.

في حياته لم يكن أحد ليجرؤ على تقويل زياد ما لم، أو لا يريد قوله. وهو لم ينجب أولاداً ليحموا إرثه واسمه بعد رحيله، كما فعل هو مع والده. لكنه “أنجبنا”؛ أجيال تشرّبت معنى ومغزى تمرّده الخلّاق، حسّه المواطني العالي، وطريقته في محاربة الظلم بكلّ أشكاله، كما ذوقه العالي في الفن.

فهل نكون على قدر هذه المسؤولية فنحمي معنى اسم زياد الرحباني ونمنع اختصار وجوده الثري بمجرّد صورة؟

https://www.facebook.com/share/p/1DPQszfCWL

******

أخر المقالات

منكم وإليكم