💥 «المرأة عند محمد خان» .. بطلات يكتبن مصائرهن من هند وكاميليا إلى بنات وسط البلد«سينماتوغراف» ـ أسامة عسللم يتعامل محمد خان مع المرأة بوصفها «قضية» جاهزة للعرض على الشاشة، ولم يحاول أن يصنع منها نموذجًا مثاليًا للضحية أو صورة مضادة للرجل. الأهم في سينماه أنه نظر إليها باعتبارها شخصية كاملة، لها رغباتها ومخاوفها وأخطاؤها وأحلامها، وقد تتناقض مع نفسها بقدر ما تتناقض مع العالم المحيط بها.لهذا تبدو المرأة في أفلام خان واحدة من أكثر المساحات التي تكشف جوهر مشروعه السينمائي. فالرجل الذي انشغل بالشارع والمدينة والطبقة والمكان، لم يكن يرى المرأة خارج هذه العناصر، وإنما جعلها جزءًا عضويًا منها. لا تأتي بطلاته من فراغ، ولا تتحركن في فضاء سينمائي مصطنع، بل يولدن من البيوت والشوارع وأماكن العمل والعلاقات الاجتماعية، ومن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية.ومن هنا يمكن فهم خصوصية شخصياته النسائية.. إنها لا تبحث عن التعاطف بقدر ما تطالب بأن تُرى.** المرأة ليست هامشًا في حكاية الرجلفي كثير من السينما التقليدية، تُبنى الشخصية النسائية انطلاقًا من علاقتها بالرجل (زوجة، حبيبة، أم، ضحية أو سبب في تحريك الحدث). أما عند محمد خان، فالعلاقة بالرجل ليست بالضرورة مركز وجود المرأة، حتى عندما تكون جزءًا أساسيًا من صراعها.وهذه النقطة تحديدًا تضيء عليها قراءة المونتيرة دينا فاروق، التي أشارت إلى أن شخصيات خان النسائية امتلكت أبعادًا وحكايات خاصة ومستقلة، ولم تكن مجرد شخصيات مكملة للرجل. كما رأت أن أفلامه منحت المرأة مساحة للتعبير عن رغباتها وطموحاتها بعيدًا عن النماذج النمطية.وهنا تكمن أهمية هذه الرؤية، فاستقلال المرأة عند خان لا يعني بالضرورة انتصارها، ولا يعني أن السينما تمنحها دائمًا مخرجًا سعيدًا من أزماتها. على العكس، كثير من بطلاته يدفعن ثمن اختياراتهن، لكنهن على الأقل يمتلكن حق الاختيار، حتى عندما يكون هذا الاختيار مرتبكًا أو مؤلمًا أو محكومًا بحدود المجتمع.** الرغبة في مواجهة القيدفي «موعد على العشاء»، لا تبدو المرأة مجرد طرف في علاقة عاطفية أو زوجية، بل شخصية محاصرة داخل منظومة من السلطة والرغبة والعنف. وهنا يستخدم خان العلاقة الشخصية لكي يكشف بنية اجتماعية أوسع، فالصراع لا يدور فقط بين امرأة ورجل، وإنما بين رغبة فردية في امتلاك الحياة وبين سلطة تريد إخضاعها.أهمية الشخصية النسائية في الفيلم أنها لا تُختزل في كونها «مظلومة». فالمأساة ليست في أن المرأة تعاني فقط، وإنما في أن المجتمع يضيّق عليها مساحة الحركة إلى درجة يصبح فيها أي بحث عن الحرية محفوفًا بالخطر.وهذا من أكثر ما يميز خان.. لا يحوّل الألم النسائي إلى خطاب، بل إلى دراما.** امرأتان خارج القالبمع «أحلام هند وكاميليا»، ينتقل خان إلى منطقة أكثر تعقيدًا، امرأتان من هامش المدينة، تجمعهما الصداقة والاحتياج والعمل والحلم، لكنهما لا تتطابقان في الرغبة أو الشخصية أو طريقة التعامل مع الواقع.هند وكاميليا ليستا نسختين من «المرأة الفقيرة» كما قد تفعل سينما اجتماعية مباشرة، وإنما شخصيتان مختلفتان تتقاطعان في الهشاشة وتختلفان في رد الفعل عليها.والأهم أن خان لا ينظر إلى عالمهما من أعلى. الكاميرا تقترب منهما من مستوى الحياة نفسها: الشارع، البيت، العمل، العلاقات، التفاصيل اليومية. لذلك تصبح البيئة جزءًا من بناء الشخصية، لا مجرد خلفية للأحداث.وفي هذا الفيلم تحديدًا، تظهر إحدى أهم خصائص نساء خان، الحلم عندهن ليس ترفًا طبقيًا. حتى المرأة التي لا تملك الكثير تمتلك تصورًا لحياة أفضل، ورغبة في الحب والاستقرار والأمان، وقدرة على تخيل مستقبل مختلف.** المرأة أمام سلطة الرجلفي «زوجة رجل مهم»، يتخذ حضور المرأة شكلًا أكثر مأساوية. فميرفت أمين تقدم شخصية تعيش في البداية داخل علاقة تبدو مستقرة، قبل أن تكشف السلطة المتصاعدة للزوج هشاشة هذه الحياة.هنا لا يستخدم خان المرأة فقط للكشف عن الرجل، وإنما يكشف من خلالها كيف يمكن للسلطة أن تتسلل إلى الحياة الخاصة، وأن تعيد تشكيل تفاصيل العلاقة نفسها.المرأة في الفيلم لا تواجه رجلًا متسلطًا فحسب، بل تواجه عالمًا كاملًا يعيد تعريف سلوكها وحدودها وعلاقاتها. ومع تصاعد هيمنة الزوج، تتقلص مساحتها تدريجيًا، ويصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا يحدث للإنسان حين يتحول البيت نفسه إلى امتداد للسلطة؟.هذه واحدة من أكثر شخصيات خان قوة من الناحية النقدية، لأنها تكشف أن العنف لا يبدأ دائمًا بالصراخ، بل قد يبدأ بإعادة ترتيب حياة الآخر باسمه ومن أجله.** المرأة خارج الصورة النمطيةفي «خرج ولم يعد»، تظهر تجربة ليلى علوي في صورة مختلفة تمامًا. لم يكن خان يبحث عن المظهر النمطي للمرأة الريفية، وإنما عن حضور أكثر صدقًا واتصالًا بالبيئة.وتكشف شهادة علوي عن طبيعة هذا الاختيار، فقد طلب منها خان التعامل مع تفاصيل المكان والحياة الريفية بصورة مباشرة، من قيادة الجرار إلى التعامل مع الحيوانات، كما كان حريصًا على أن تكون الشخصية جزءًا حقيقيًا من محيطها.وهنا لا تصبح البيئة مجرد ديكور، وإنما وسيلة لإعادة تعريف الشخصية. المرأة لا «تمثل» الريفية، بل تتحرك داخل عالمها وكأنها تنتمي إليه بالفعل.وكان لهذا الفيلم أثر واضح في مسيرة علوي، إذ منحها أول جائزة وغيّر نظرة المخرجين إليها، وفق ما استعادته خلال جلسة الجونة.لكن أهمية التجربة تتجاوز مسيرة الممثلة، فهي تكشف إيمان خان بأن صدق الشخصية يبدأ من التفاصيل، وأن صورة المرأة على الشاشة لا تُصنع بالملابس أو المكياج وحدهما، وإنما بعلاقتها بالمكان وطريقة حركتها ونظرتها وتصرفاتها.** المدينة بعيون نسائهافي «بنات وسط البلد»، تصبح المدينة نفسها طرفًا في الحكاية. هند وجميلة تتحركان في فضاء القاهرة بما يحمله من فرص وقيود وتناقضات، وتصبح علاقتهما بالعمل والحب والجسد والمستقبل مرآة لطبقة اجتماعية كاملة.لا يمنحهما خان البطولة لأنهما «مثالان» للمرأة المصرية، وإنما لأنهما شخصيتان تبحثان عن مكان لهما في مدينة مزدحمة بالاحتمالات والضغوط.وهنا ينجح خان في الابتعاد عن الرؤية الرومانسية للمرأة الشعبية. فبطلاته يخطئن، يحلمن، يترددن، يغرن، يحببن، ويبحثن عن حياة أفضل. إنهن نساء حقيقيات، لا أدوات لإثبات فكرة مسبقة.وهذه ربما إحدى أهم سمات سينما خان، الإنسانية تسبق الرسالة.** المرأة في مواجهة المصيروفي «الغرقانة»، يتخذ حضور المرأة بعدًا أكثر قسوة، إذ تصبح الشخصية النسائية في مواجهة عالم يضغط عليها من أكثر من اتجاه. لكن خان لا يحوّلها إلى رمز مجرد، بل يحاول الاحتفاظ بملامحها الإنسانية وتفاصيلها الخاصة.وهذا ما يجعل شخصياته النسائية قابلة للقراءة خارج إطار «السينما النسوية» بمعناها المباشر. فهو لم يكن بصدد إنتاج أفلام عن المرأة بالمعنى الموضوعي الضيق، وإنما كان يصنع أفلامًا عن الإنسان المصري، وكانت المرأة جزءًا أساسيًا من هذا الإنسان.** من الجمال إلى الشخصيةربما يمكن قراءة تطور المرأة في سينما محمد خان باعتباره انتقالًا من صورة المرأة إلى شخصيتها.فهو لم يكن معنيًا بالجمال السينمائي بوصفه قيمة مستقلة. وهنا تكتسب شهادة هنا شيحة أهمية خاصة، إذ تحدثت عن بحث خان عن امرأة تبدو طبيعية وغير مصطنعة، لكنها تستطيع أن تبدو جذابة حين تتأنق، وهي رؤية تتسق مع اهتمامه بالشخصية قبل المظهر.ولهذا أيضًا كان اهتمامه بالملابس والتفاصيل الخارجية جزءًا من بناء الشخصية وليس مجرد اختيار جمالي. فالملابس، وطريقة الكلام، والحركة، والمكان، والعلاقة بالآخرين، كلها عناصر تكشف من تكون المرأة قبل أن تقول من تكون.** لم يجمّل نساءهوتكمن قوة محمد خان في أنه لم يحتج إلى جعل بطلاته «مثاليات» لكي يمنحهن قيمة. لم يكن مضطرًا إلى تبرئة المرأة كي يتعاطف معها، ولا إلى إدانة الرجل في كل مرة كي يمنحها حقها.نساء خان يمكن أن يكنّ قويات وضعيفات في الوقت نفسه، شجاعات وخائفات، راغبات ومترددات، واثقات ومهزومات. وهذه التناقضات تحديدًا هي ما يمنحهن الحياة.ومن هنا تأتي أهمية حديث ليلى علوي عن أن خان كان يفهم المرأة من الداخل، ويهتم بالمشاعر والتفاصيل التي قد تبدو صغيرة لكنها تصنع الشخصية.فالمسألة لم تكن في أن خان «أحب المرأة المصرية» فحسب، كما قالت علوي، وإنما في كيفية تحويل هذا الحب إلى لغة سينمائية: امرأة لها جسد يتحرك داخل المكان، وصوت يعبّر عن رغبتها، وملابس تكشف بيئتها، وعلاقات تحدد موقعها، وأحلام لا تختفي لمجرد أنها امرأة.** إرث ما زال صالحًا للقراءةبعد عشر سنوات على رحيل محمد خان، لا تبدو شخصياته النسائية مجرد صور من زمن سينمائي مضى. وربما تكمن قوة هذه الشخصيات في أنها لم تُكتب لتعيش لحظة الفيلم فقط.هند وكاميليا ما زالتا تحملان أسئلة الهامش والحلم. وزوجة الرجل المهم لا تزال تكشف العلاقة بين السلطة والحياة الخاصة. ونساء «بنات وسط البلد» ما زلن يعبرن عن مدينة تمنح الفرص بقدر ما تفرض القيود. أما تجربة ليلى علوي في «خرج ولم يعد»، فتظل مثالًا على إيمان خان بأن صدق الشخصية يبدأ من علاقتها بالعالم الذي تعيش فيه.لهذا فإن قراءة المرأة في سينما محمد خان لا تنتهي عند سؤال: هل كان مخرجًا منحازًا للمرأة؟ السؤال الأكثر دقة هو: ماذا فعل بها سينمائيًا؟.والإجابة أن خان منحها ما هو أهم من البطولة أحيانًا.. منحها الوجود.وجودًا لا يعتمد بالكامل على الرجل، ولا يحتاج إلى خطاب يشرحها، ولا إلى صورة مثالية تبرر التعاطف معها. جعلها امرأة من لحم ودم، تحمل تناقضاتها إلى الشاشة، وتترك للمشاهد مهمة أن يراها كما هي. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


