بستان مسمار، بدمشق،حيث وُلدت أول ثانوية نظامية في العاصمة،بإسم ( ثانوية التجهيز الأولى ) الصرح التعليمي وذاكرة للتاريخ التربوي .

ثانوية التجهيز الأولى صرح تعليمي وذاكرة للتاريخ .

لم تكن ثانوية التجهيز الأولى مجرّد مدرسة في دمشق، بل كانت إعلانًا مبكرًا عن انتقال المدينة من التعليم التقليدي إلى مفهوم الدولة الحديثة. هناك، في أعلى الشرف، وداخل بستانٍ كان يُعرف ببستان مسمار، وُلدت أول ثانوية نظامية في العاصمة لتؤدي مهمة واضحة: تجهيز الطلاب لدخول الحياة العملية في وظائف الدولة أو للالتحاق بالجامعات. ومن هذه الوظيفة تحديدًا استمدّت اسمها؛ فالتجهيز لم يكن توصيفًا لغويًا، بل رؤية تربوية تشبه في جوهرها ما نعرفه اليوم عن معاهد إعداد المعلمين، التي تؤهل طلابها لمرحلة تعليمية لاحقة ومسؤولية عامة.
قبل ذلك، كان التعليم الثانوي محصورًا في بناء واحد هو مكتب عنبر، المعروف آنذاك بالمدرسة السلطانية الأولى. ذلك البناء، الذي شيده الثري اليهودي الدمشقي يوسف أفندي عنبر، لم يلبث أن انتقل إلى ملكية الدولة العثمانية بعد مصادرته لقاء دين مستحق، لتُكمل بناءه وتضيف إليه جناحين، وتحوله إلى مدرسة لتعليم ما قبل المرحلة الجامعية. لكن المكان، على رمزيته، لم يعد يتسع لطموح التعليم ولا لعدد طلابه، فبدأ الحديث عن مدرسة جديدة عقب خروج العثمانيين من البلاد، وبقي المشروع معلّقًا بين النقاشات حتى عهد الرئيس تاج الدين الحسني، حين كُلِّف وزير المعارف سليم جنبرت بوضعه موضع التنفيذ.
في أواخر كانون الثاني من عام 1929، وُضع حجر الأساس، وبدأت أعمال البناء تحت إشراف المهندس سليمان أبو شعر. أربعة أعوام من العمل المتواصل انتهت في كانون الأول 1933، ثم بدأت مرحلة تجهيز المدرسة وصناعة لوازمها ونقل إدارات مكتب عنبر إليها، وهي عملية استغرقت نحو ثلاث سنوات أخرى، إلى أن افتُتحت المدرسة رسميًا عام 1936. وقد جاء المبنى، كما يذكر قتيبة الشهابي، على طراز معماري أوروبي تتداخل فيه الخطوط الكلاسيكية مع حس زخرفي عربي، في محاولة واعية لخلق عمارة تعليمية حديثة لا تنفصل عن البيئة الدمشقية.
وتُظهر الصور التاريخية والحديثة للمدرسة واجهتها الرئيسة الصلبة، بنوافذها المتناظرة وكتلتها المعمارية المتوازنة، بما يعكس روح المؤسسات التعليمية في النصف الأول من القرن العشرين. كما تكشف صور الساحة الداخلية عن فراغ معماري واسع كان شاهدًا على تجمع طلابها في الصباح، وحصص الرياضة،  وتبرز في بعض الصور القديمة ملامح المدرسة قبل التحديث والترميم، حين كانت الجدران تحتفظ بآثار الزمن، فيما تُظهر الصور الأحدث محاولات الحفاظ على المبنى بوصفه جزءًا من الذاكرة العمرانية لدمشق، لا مجرد منشأة تعليمية.
ظل اسم التجهيز الأولى ملازمًا للمدرسة حتى منتصف خمسينيات القرن العشرين، حين تقرر إطلاق اسم جودت الهاشمي عليها تكريمًا لمديرها الأول بعد وفاته. كان اسمه الحقيقي أحمد الحسني الجزائري، واشتهر بتفوقه في الرياضيات، حتى غلب عليه لقب “جودت” بمعناه البسيط: الجيد. لاحقًا، قُسِّم البناء إلى مدرستين؛ ثانوية جودت الهاشمي، وثانوية ابن خلدون، بعد نقل الأخيرة من موقعها السابق في المقبرة الفرنسية التي كانت قائمة غرب المدرسة.
لكن القيمة الحقيقية للتجهيز الأولى لم تكن في الحجر وحده، بل في البشر الذين مرّوا من صفوفها. فقد تخرّج فيها الرعيل الأول من رجالات سوريا الذين شغلوا مناصب إدارية وسياسية وعسكرية مؤثرة، ومنها انطلقت المظاهرات الرافضة للاحتلال الفرنسي، وتشكلت في أروقتها بذور معظم الحركات السياسية السورية. ضمن صفوفها التعليمية،في سياق فكري طلابي لم يفصل يومًا بين التعليم والهوية الوطنية.
وأمام المدرسة، كانت الحديقة شاهدًا آخر على التحولات. سُمّيت بدايةً حديقة الأمة، وصارت مقصدًا للنزهات، ومسرحًا للعروض السنوية في احتفالات عيد الجلاء، حيث كان الدمشقيون يقفون صفوفًا لمشاهدة العرض واستعادة معنى الاستقلال. جُدِّدت الحديقة لاحقًا، لكن حضورها في الصور والذاكرة بقي كما هو: امتدادًا بصريًا وتاريخيًا لمدرسة لم تكن يومًا مجرد ثانوية، بل فصلًا كاملًا من تاريخ دمشق الحديث.
………………………..
#سوريات_Souriat

******************************************
– المصادر:
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم