رستم
يمامة حمص
في ورشة صغيرة يملؤها غبار الحجر ورنين الإزميل، يقف الحرفي ياسين أحمد رستم أمام كتل صمّاء، لا يراها حجارة جامدة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ بعيد. وبصبرٍ يشبه صبر الحضارات التي يوثق نقوشها، يحوّل رستم الصخر إلى حكايات محفورة، تستعيد ملامح حضارات عريقة مرّت من هنا وتركت أثرها على الذاكرة والوجدان.

منذ طفولته، لم تكن علاقة رستم بالحجر علاقة مهنة فحسب، بل شغفاً رافقه لعقود طويلة، حتى تحوّل النحت لديه إلى رسالة تهدف إلى صون التراث، وتعريف الأجيال الجديدة بجماليات الفنون القديمة وعمقها التاريخي.
علاقة لا تُبنى إلا بالصبر
يقول رستم إن النحت على الحجر يحتاج إلى صبر طويل وخبرة دقيقة بطبيعة المادة التي يتعامل معها الحرفي، فلكل حجر مزاجه وخصائصه وطرقه الخاصة في التشكيل. فالحجر البازلتي الأسود، كما يوضح، يُعد من أقسى أنواع الأحجار وأكثرها صعوبة، بينما يمتاز حجر الألباستر، المعروف محلياً بـ“الرخامة”، بمرونته وقابليته للتشكيل.

ولا يكتفي رستم بما يتوافر من أحجار قريبة، بل يسافر إلى مناطق سورية مختلفة بحثاً عن الحجر المناسب لكل عمل، تبعاً لطبيعة القطعة الفنية والنقوش المراد تنفيذها، مؤمناً بأن نجاح العمل يبدأ من اختيار الحجر قبل أن يلامسه الإزميل.
وتجمع أدواته بين الإزميل التقليدي بمقاساته المتعددة، والأدوات الكهربائية الحديثة التي تساعده على تسريع بعض مراحل العمل، من دون أن تفقد القطعة روحها اليدوية أو دقتها الفنية.
نقوش تعيد الحياة إلى حضارات غابرة
تركز أعمال رستم على إعادة تنفيذ نماذج مستوحاة من آثار الحضارات الكنعانية والكلدانية والسومرية، في محاولة لتوثيقها وحفظها من النسيان. وقبل أن يبدأ بأي قطعة، يعود إلى المراجع والكتب التاريخية المتخصصة، ليدرس سمات كل حضارة وخصائص نقوشها ورموزها وكتاباتها.
ويؤكد أن لديه مكتبة تضم مصادر عن الحضارات الفينيقية والرومانية والآشورية والفرعونية، يستند إليها في تصميم أعماله، بما يضمن المحافظة على الطابع التاريخي لكل مرحلة، ويمنح النقوش دقة أقرب إلى الأصل.

بالنسبة إليه، لا يقتصر النحت على إنتاج قطعة فنية جميلة، بل هو شكل من أشكال التوثيق البصري، ووسيلة لإبقاء الذاكرة الحضارية حاضرة في الحجر.







