انتشار الرواية الصوفية.. هل نحن أمام سرد عربي خالص؟

الشارقة: علاء الدين محمود

برزت، مؤخراً، وبصورة كبيرة، ظاهرة الرواية الصوفية، أو السرد الذي يصنع علائق جمالية مع فضاء التصوف والروحانيات، عبر العديد من الأعمال السردية في مختلف أنحاء العالم العربي، بخاصة وسط أجيال الشباب من الروائيين الجدد، فهل تعبر تلك الظاهرة عن اتجاه يتلمس الأصالة للسرد العربي، بحيث تكون أعمالاً روائية وقصصية ذات طابع وبصمة عربية خاصة، تستمد حضورها من التراث في سياق البحث عن أفق للأدب العربي؟يكتسب السؤال السابق مشروعيته نتيجة لأن العديد من الدراسين والباحثين والنقاد، ظلوا يردّدون على الدوام أن السرد العربي، من روايات وقصص، أو حتى شذرات ونثر، هو بشكل كامل من أثر الأدب الغربي، بل وظل العديد من هؤلاء النقاد يشدّدون على أن الكتّاب العرب أخذوا الأساليب وطرق الكتابة وتقنياتها من المؤلفين، الغربيين والعالميين.

وإذا كانت الرواية شديدة الالتصاق بالمجتمع والناس والوقائع اليومية التي تجري أحداثها ومشاهدها في الحياة، فإن هناك من يرى أن الكثير من الكتّاب العرب قلدوا حتى الواقع الغربي، بمعنى أن قضاياهم لا تعالج واقع المجتمعات العربية، بل هي تخص مجتمعات غريبة عنهم، وذلك يعني الحكم بغربة الرواية العربية في واقعها الاجتماعي.

اختلاف

على الجانب الآخر، هناك من يحتجون بأن التراث العربي زاخر بالحكايات والقصص التي أخذ منها الغرب نفسه، بالتالي هو تراث ثري بالإبداع، وغني بالمعارف، ما يعني أن هناك كتّاباً أخذوا من تلك المنابع الصافية، ويضربون مثلاً بكتّاب كبار عبّروا عن مجتمعاتهم الخاصة، وعن الهم والشاغل العربي العام، في جميع القضايا الاجتماعية والسياسية، بل هناك من يرى أن البحث عن أفق للأدب العربي في مجال السرد لم يتوقف، بخاصة مع الذين طرقوا مجال الرواية التاريخية التي نقبت في التاريخ والحضارة العربية، وأسقطوا أعمالهم السردية على الواقع والحاضر واستشراف المستقبل، حيث لقيت الرواية التاريخية قبولاً كبيراً في العالم العربي من قبل القراء العرب.

ومن هنا، فإن الرواية الصوفية، إضافة إلى عوامل أخرى، تبرز كمقترح جمالي وفكري عربي أصيل، نابع من ذلك التراث العامر، وتلك الحضارة العريقة، بخاصة أن هناك أشكالاً أدبية سبقت الراوية، مثل الشعر الذي عبّر عن الفضاء الصوفي بشكل متميز سواء بواسطة شعراء، أو بواسطة أقطاب الصوفية أنفسهم، من الذين اشتهر عنهم نظم الشعر الروحاني، من أمثال ابن الفارض، ورابعة العدوية، والحلاج، وابن عربي، وجلال الدين الرومي، وغيرهم كثر، إضافة إلى النثر والمقولات التي عبرت عن مفاهيم فكرية فلسفية ذات أبعاد جمالية، ولعل ذلك ما جعل الكثير من النقاد يرون أن الرواية الصوفية تسللت من عباءة الشعر الصوفي، ومن مقولات المتصوفة وأصحاب التجارب الروحية.

معطف

هناك أيضاً من يرون أن الرواية الصوفية لم تخرج من معطف الشعر الصوفي، بل من تراث المتصوفة العرب والمسلمين، حيث مثل حالة جمالية ذات جذب كبير، فكان أن تأثر بها الشعر، ونهل منها بوصفه الأدب والإبداع الذي كان سائداً حينها، ولما ظهرت الرواية العربية عالجت المواضيع الصوفية بشكل محدود، وبصورة إبداعية معيّنة، ولكن مع تطور السرد العربي في هذا العصر اتجه الكثير من الكتاب نحو الرواية الصوفية بالكامل، بمعنى صناعة أعمال سردية مستوحاة من الفضاء الروحي الصوفي، أو تتحدث عن أحد المتصوفة وترصد سيرته، أو متأثرة بمقولات صوفية.

كان الأثر الصوفي في السرد حاضراً في فترة بداية ثمانينيات القرن العشرين، وقد استلهم الروائيون العرب تلك المخيلة الجامعة، والإبانة اللغوية، والتأمل في الكون والواقع عند الصوفيين، وكان لذلك مفعوله في النظر إلى البنى، الفكرية والاجتماعية والسياسية، السائدة، بما طرحته من أسئلة، وأدوات جديدة لفهم الواقع، فتلك اللحظة الصوفية تسربت إلى روائيين كبار، استطاعوا بالفعل أن يؤسسوا لحالة جمالية متوهجة بالألق الروحي، وكان لذلك الأمر أثره حتى في مستوى الأساليب، والأدوات، والتقنيات، حيث زود الذهاب إلى منطقة التراث الكتّاب بطرائق ووسائل جديدة في السرد، لأن الجوهر نفسه كان جديداً، ومختلفاً، وحافلاً بالمعنى.

وهناك الكثير من النقاد والباحثين يرون أن الرواية الصوفية قد بدأت بشكل حقيقي مع جمال الغيطاني، في عدد من المؤلفات، أهمها كتاب «التجليات»، وهو عمل أدبي ضخم ومميز، عبارة عن أسفار ثلاثة تتناول رحلة البحث عن المعنى والحقيقة والتصوف، بشكل معاصر، ويتميز بأسلوب غني بالمترادفات والمفردات الصوفية، ويُعتبر إبداعاً في الأدب العربي الحديث، حيث يجمع بين التراث العربي والفكر المعاصر، واتّبع فيه الكاتب أسلوب السرد الروائي من حيث البناء والأخيلة، فكان بالفعل أيقونة أدبية مترعة بالجمال والوهج الصوفي البديع، وهناك العديد من الأعمال الأخرى للغيطاني تتماهى مع الفضاء الصوفي.

أسئلة

غير أن هناك العديد من الكتّاب الكبار الذين صنعوا تواصلاً مع الفضاءات الروحانية والصوفية في أعمالهم السردية ممن سبقوا تجربة الغيطاني، وعلى رأسهم نجيب محفوظ، حيث تسربت الأجواء الروحية إلى الكثير من أعماله السردية، بشكل يشير إلى أن التصوف والحياة الروحية هي جزء من المجتمعات العربية، في نمط حياتهم وتقاليدهم، ولعل من أبرز أعمال محفوظ التي يظهر فيها الأثر والقبس الصوفي والأسئلة الوجودية والفلسفية: «الطريق»، و«الشحاذ»، و«رحلة ابن فطومة»، و«حديث الصباح والمساء»، ويتجلى الألق السردي الصوفي بشكل أكثر وضوحاً في رواية «قلب الليل»، التي طرحت أسئلة وجودية عن الإنسان، وحريته، والهدف من حياته، وقد صاغها نجيب محفوظ على شكل سردية تتعلق بحياة جعفر الراوي بطل الحكاية، حيث نهضت العديد من أعمال محفوظ على أسئلة صوفية، وتجولت شخصيات المتصوفة داخل نصوصه السردية بصورة مباشرة، أو مواربة، مثل: الدرويش، والمتأمل، والمجذوب.

وكذلك، فإن ذلك الضياء الروحاني ارتبط بكاتب آخر من جيل العمالقة، وهو الطيب صالح، خاصة في رائعته «بندر شاه»، التي يتعزز فيها الحضور الصوفي البهي، بخاصة مع سيرة بطل الجزء الثاني مريود، والذي كان أعجوبة من عجائب الزمان، منذ اختفائه الغامض، وحتى ساعة عودته إلى القرية، وهي سيرة تحفها الأسرار الصوفية، والتحليق في عوالم من المقامات النورانية، والإشراقات، والفيوض الروحانية.إن هذا الظهور الكبير في القرن الحادي والعشرين للرواية الصوفية لم يكن نتاج صدفة، فهو يعبّر عن اتجاه أصيل في السرد العربي الخالص، إضافة إلى أن روح العصر قد فرضت هذا الشكل من السرد، حيث قيم السوق والاغتراب والتشظي، ما يولد أسئلة الهوية والبحث عن الجذور، حيث كانت الرواية الصوفية هي ضمن المقترحات الجمالية والفكرية الأكثر رواجاً، إلى جانب السرد التاريخي، وربما هذا ما أدى إلى أن ظهرت أجيال من الروائيين الجدد الذين انفتحوا على التراث بأشكال وصور متعدّدة، بخاصة الفضاء الروحي الذي يغوص في الماضي من أجل الإجابة عن أسئلة الراهن والمستقبل.

إشراقات

من أبرز هذه الإشراقات السردية الصوفية رواية «الأطلسي التائه»، للكاتب المغربي مصطفى لغتيري، والتي تزخر بالمعلومات من خلال تنقل الراوي بين مدن وبراري المغرب، ومن خلال المتعبّدين والنسّاك الذين يلتقي بهم، ويزودونه بطريق المعرفة الذي، وكما يقول، لا حدود له «وأن الله وحده قادر على أن يلقي بنوره على من يشاء من عباده»، حيث تعتمد الرواية على أسلوب الحكي التقليدي عبر شخصية الراوي، أبو يعزي الهسكوري.

ومن العلامات المهمة في الأدب الروائي الصوفي، رواية «هذا الأندلسي»، للكاتب المغربي بن سالم حميش، ويستعيد المؤلف في العمل فترة فاصلة في حياة عرب الأندلس، أي تلك الحقبة التي سبقت سقوط غرناطة، وجسدت ضعف العرب، وأزمتهم الحضارية، وشيوع التعصب الفكري والديني، حيث تنجح الرواية في إعادة صوغ حياة الصوفي ابن سبعين مستعينة بكتبه، وتأملاته، ورؤيته المتسامحة، وتأملاته للدين والعيش، في ما يشكل ضوءاً ساطعاً يلقيه الروائي على الواقع الراهن.

وهناك أيضاً رواية «موت صغير»، للكاتب السعودي محمد حسن علوان، وهي سيرة روائية متخيلة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، تتبع رحلة حياته من الأندلس إلى دمشق، وتغوص في تجربته الصوفية العميقة، وتجمع بين الأحداث التاريخية المتخيلة، وتفاصيل الحياة الشخصية، وتأخذ الرواية القارئ في تفاصيل رحلة ماتعة محتشدة بالمواقف والرؤى والإشراقات مع مقولات ابن عربي، ومواقفه، وحكايته ذات الدلالات الروحية والفكرية العميقة، وكذلك تفعل رواية «شوق الدرويش»، للكاتب السوداني حمور زيادة، وهي الأخرى بمثابة قطعة سردية مفعمة بالجمال الروحي، وتتناول الواقع الاجتماعي في السودان في حقبة تميزت بسطوة الأفكار الصوفية، وتدور الرواية في فضاء المحبة الروحية العميقة.

ومن أبرز المشاريع السردية التي نهضت على الفضاء الصوفي، حيث الوجد والألق والنورانيات، تلك المتمثلة في روايات وقصص الكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة، الذي أسّس ملامح اتجاه سردي بمرجعية روحية، والتي يرى فيها مفهوماً مختلفاً للأدب، حيث إن غاياته المعرفية تكمن في إنتاج أدب يحقق تحولاً في وجدان القارئ، ومعرفته وسلوكه، ومن أبرز رواياته التي تمثل فيها تلك المفاهيم: «جبل قاف»، و«بحر نون»، و«بلاد صاد»، و«طواسين الغزالي»، و«الجنيد… ألم المعرفة».تواصلصنعت الرواية الصوفية تواصلاً بين الأجيال الحالية والتراث العربي، وشجعت على العودة لتلك الدرر والكنوز من مؤلفات التصوف، وغيرها، وهنا تبرز علاقة جدلية، بحيث إن تلك العودة إلى تراث المتصوفة من مؤلفات ومقولات، تكسب القارئ خبرة في التعامل مع السرد الصوفي، ما يؤدي إلى ترسيخ هذا الإبداع الذي بات يفرض نفسه بقوة.

طريق جديد

يميز كتاب «الرواية الصوفية بين سلطة المرجع وسلطة السارد… رواية طواسين الغزالي لعبد الإله بنعرفة أنموذجاً»، للكاتب مؤيد أحمد عايد الشرعة، أنه يبحث عن طريق جديد للرواية العربية، حيث يتناول إحدى روايات المشروع الروائي العرفاني للروائي المغربي عبد الإله بنعرفة، وهي رواية «طواسين الغزالي» الصادرة عن دار الآداب ببيروت، سنة 2011 م. وفيها يشكل عبد الإله بنعرفة سيرة الإمام الغزالي وشخصيته تشكيلاً روائياً. وقد حاول الباحث دراسة هذه الرواية وتحليلها من زاويتين تتحكمان على نحو جدلي في تشكيل بنيتها السردية، الأولى: المنظور التاريخي لشخصية الإمام الغزالي وسلطته، والأخرى: سلطة السارد ومخياله، بالإضافة إلى بحثه في جماليات هذا النمط السردي الجديد، الذي يعيد فيه السارد بناء الشخصية التاريخية الصوفية وفق أخيلته وزاوية رؤيته، ويبدع الأحداث التي مرت بها والشخصيات التي عايشتها وحاورتها، فضلاً عن دراسة الأمكنة والأزمنة التي تؤطر كل ذلك وتؤثر فيه.

وتقوم الدراسة على تمهيد وأربعة فصول وخاتمة، وتضمنت المقدمة تعريفاً بالرواية العرفانية انطلاقاً من سؤال: هل ثمة ما يسمى بالرواية العرفانية؟ وحديثاً عن مشروع عبد الإله بنعرفة الروائي. وأما سائر الفصول فكانت على النحو الآتي: عني الفصل الأول بتحليل عتبات الرواية ومرجعياتها، ودرس الباحث في الفصل الثاني شخصية الغزالي في الخطاب السردي بين سلطة التاريخ وسلطة السارد، وجمالية توظيف الشخصية الصوفية في السرد، وتناول الفصل الثالث بالتحليل شبكة التناص في الخطاب السردي، وتحدث الفصل الرابع عن تسريد الأمكنة التاريخية، وتسريد الأزمنة التاريخية، ثم الخاتمة التي تحتوي على نتائج الدراسة.

ويبحث الكتاب كذلك عن أثر الرواية الصوفية باعتبارها تجربة روائية مهمة في سياق السرد العربي الحديث، حيث أحدثت نقطة تحول وتطور كبيرين ومثلت فتحاً جديداً في الأدب العربي، وذلك عبر مواضيعها التي لم يتم التطرق إليها في الأدب الروائي العربي الحديث خاصة فيما يتعلق بمقولات المتصوفة وشخصياتهم وسيرهم وتوظيف كل ذلك داخل الحدث الروائي بشكل مبتكر وبتقنيات وأدوات خاصة ومختلفة، حيث تتمحور الدراسة حول كيفية تعامل الرواية الصوفية مع التراث الديني والروحي دون أن تقع في التفسير المباشر أو الوعظ، وكيف يبتكر السارد عالماً روائياً يوازن بين احترام المادة الصوفية الأصلية وتجاوزها عبر السرد، مما يولد توتراً بين الالتزام بالنص الأصلي والحرية الإبداعية في صياغته.الكتاب يعود بنا إلى النصوص التأسيسية كذلك التي أسست للرواية الصوفية العربية الحديثة، حيث يتناول مؤلفات لكتاب مثل الغيطاني، خاصة روايته «كتاب التجليات»، الذي وظف فيه لغة التصوف وأساليب تعبيرها الرمزية، واستدعى شخصيات صوفية وأحداثاً مرتبطة بها، كما يشير الكتاب إلى أن هذا النوع السردي بدأ في الانتشار بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وهناك العديد من الروائيين الذين برعوا فيه، حيث تناولوا شخصيات مثل محيي الدين بن عربي، وابن سبعين، وأبي الحسن الششتري، والجنيد، والغزالي، وسواهم.

كما تلفت الدراسة إلى أن الروائي عبد الإله بنعرفة، برز في الكتابة الصوفية، فهو قد أصدر حتى الآن ثماني روايات، وأطلق مصطلح الرواية العرفانية على هذا النوع من السرد، والكتاب يبحث في جماليات الرواية الصوفية، وينقب في كيف استطاع الأدباء استلهام التراث الصوفي وتقديمه للقارئ المعاصر بأساليب جديدة، مع التركيز على كيفية تعامل الكاتب مع هذه المادة الروحية الغنية.

ولعل القارئ في اطلاعه على هذه الدراسة المهمة التي تنقب في تفاصيل الرواية الصوفية، يخرج بأشياء في غاية الأهمية، وهي أن في إمكان هذا النوع السردي أن يكون مركزاً إبداعياً مهماً في خارطة السرد العربي، بحيث يشكل نقطة انطلاقة نحو رواية ذات خصائص عربية.

م

المراجع والمصادر

Jamal Al-Ghitani، التجليات، دار الشروق، القاهرة، 1998.

Naguib Mahfouz، قلب الليل، دار المعارف، القاهرة، 1991.

Tayeb Salih، بندر شاه، هاينمان، لندن، 1969.

Abdelilah Benarafa، طواسين الغزالي، دار الآداب، بيروت، 2011.

Mohamed Hassan Al-Alwan، موت صغير، دار النشر، الرياض، 2005.

أخر المقالات

منكم وإليكم