النحات العالمي السوري:مجيد جمول.. حين يعبر النحت حدود الوطن ويحوّل الألم إلى أمل.- إعداد: فريد ظفور.


مجيد جمول.. حين يعبر النحت حدود الوطن ويحوّل الألم إلى أمل
النحات العالمي السوري–البولندي الدكتور مجيد جمول
أول فنان من أصول عربية يفوز بجائزة سيبريان كاميل نورفيد المرموقة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين يصبح الحجر ذاكرةً عابرة للحدود
ثمة فنانون لا يغادرون أوطانهم حين يرحلون عنها، بل يحملونها معهم في الذاكرة، وفي اللغة، وفي المادة التي يصنعون منها أعمالهم. وحين تتحول هذه الذاكرة إلى فن، يصبح الوطن أكثر من جغرافيا، ويغدو المنفى فضاءً جديداً لإعادة اكتشاف الذات.
من هذه المنطقة الإنسانية والجمالية تتشكل تجربة الفنان والنحات السوري–البولندي الدكتور مجيد جمول، الذي استطاع خلال مسيرة فنية وأكاديمية طويلة أن يبني جسراً إبداعياً بين سوريا وبولندا، وأن يجعل من النحت وفن الميداليات والغرافيك لغات تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وجاء حصوله على جائزة سيبريان كاميل نورفيد في فئة الفنون التشكيلية، عن معرضه الفردي «تسامي المشاعر. فن مجيد جمول – النحت، فن الميداليات، الغرافيك»، ليضع تجربة هذا الفنان السوري في موقع بارز داخل المشهد التشكيلي البولندي، وليشكل، وفق المعطيات المنشورة عن الجائزة، محطة استثنائية بوصفه أول فنان من أصول عربية يحصل عليها.
إنها ليست مجرد جائزة لمسيرة فنان، بل لحظة تلتقي فيها الجغرافيا بالذاكرة، والهوية بالفن، والرحيل بالاستقرار، والألم بالأمل.
من ريمة حازم إلى وارسو.. رحلة تشكل الفنان
ولد مجيد جمول في بلدة ريمة حازم في محافظة السويداء السورية، في بيئة ارتبط فيها منذ طفولته بعالم النحت والفنون التشكيلية.
كانت البدايات الأولى أشبه بتكوين حسي مبكر؛ فالطفل الذي يكتشف علاقة يده بالمادة، وعينه بالشكل، وذاكرته بالكتلة، يبدأ تدريجياً في إدراك أن العمل الفني ليس مجرد صناعة شكل، وإنما بحث عن معنى مختبئ داخل المادة.
درس جمول الرسم والغرافيك والنحت في مركز الفنون الجميلة بدمشق، وهناك أخذت تجربته الأولى شكلها الأكاديمي، قبل أن تفتح أمامه المنحة الدراسية إلى بولندا طريقاً جديداً.
في أكاديمية الفنون الجميلة في وارسو، درس النحت وتخرج بامتياز عام 1975، لتبدأ مرحلة أخرى من تكوينه الفني، مرحلة ستربط التجربة السورية بالمدرسة الأوروبية، وتمنحه فضاءً واسعاً للاشتغال على الشكل والمادة والرمز.
العودة إلى دمشق.. الفنان الذي حمل تجربته إلى وطنه
بعد تخرجه في بولندا، عاد جمول إلى سوريا، حيث مارس التدريس الأكاديمي، فدرّس النحت في جامعة دمشق، ثم تولى إدارة مركز الفنون التشكيلية في دمشق.
لم تكن العودة مجرد رجوع جغرافي، بل كانت مرحلة من مراحل انتقال المعرفة الفنية. فالفنان الذي اكتسب تجربة أكاديمية أوروبية عاد ليضع جزءاً من خبرته في خدمة المشهد التشكيلي السوري.
وهنا تتضح إحدى السمات المهمة في تجربة جمول: فهو لم يكن فناناً يكتفي بإنتاج الأعمال، وإنما جمع بين الإبداع والتدريس والإدارة الثقافية والمشاركة في الحركة الفنية.
وفي عام 1987 حصل على منحة DAAD في برلين، وهي محطة أخرى أضافت إلى تجربته الأوروبية بعداً جديداً، قبل أن يستقر بصورة دائمة في وارسو، التي تحولت مع مرور الزمن من محطة دراسية إلى بيت ثانٍ، بل إلى فضاء وجودي وإبداعي.
وارسو.. من الغربة إلى البيت
ربما تختصر كلمات جمول عن تجربته في بولندا جوهر حكايته كلها.
فحين انتقل إلى وارسو قبل عقود، لم يكن يتوقع، كما قال عند تسلمه الجائزة، أن تصبح بولندا «بيته الحقيقي».
هذه الجملة البسيطة تحمل في داخلها أسئلة كبيرة حول معنى الوطن والانتماء والهجرة والهوية.
فالإنسان قد يولد في مكان، لكنه يبني ذاكرته في أماكن متعددة. والفنان تحديداً يستطيع أن يجعل من هذا التعدد مادة إبداعية، بحيث لا يعود الانتماء مسألة جغرافية خالصة، وإنما يصبح شبكة من الذكريات والتجارب واللغات والصور.
في تجربة جمول، تبدو سوريا حاضرة في الجذور والذاكرة، بينما تبدو بولندا حاضرة في التكوين الأكاديمي والنضج الفني والاستقرار. وبين المكانين تشكلت هوية فنية لا تلغي أحدهما لحساب الآخر، وإنما تحاول الجمع بينهما داخل العمل الفني.
«تسامي المشاعر».. حين يتحول الألم إلى أمل
جاء معرض «تسامي المشاعر. فن مجيد جمول – النحت، فن الميداليات، الغرافيك» ليقدم خلاصة مكثفة لمسيرة الفنان، وقد عُرض في متحف مازوفيا في بوتسك.
والعنوان نفسه يفتح الباب أمام قراءة فلسفية للتجربة.
تسامي المشاعر ليس مجرد عنوان لمعرض، بل يمكن النظر إليه بوصفه مفتاحاً لفهم العلاقة بين الإنسان والفن لدى جمول.
فالفن هنا لا يهرب من الألم، وإنما يعيد تشكيله.
ولا يحاول محو الخوف، وإنما يمنحه صورة جديدة.
ولا يتجاهل الجرح، بل يحوله إلى طاقة إبداعية قادرة على إنتاج معنى مختلف.
ومن هنا جاءت فكرة طائر الفينيق محوراً رمزياً في العمل، باعتباره الكائن الأسطوري الذي يرتبط بالموت والانبعاث والاحتراق والولادة الجديدة.
إن الفينيق، في هذه القراءة، ليس مجرد رمز أسطوري؛ إنه استعارة للإنسان الذي يستطيع أن يعيد بناء ذاته من رماد التجربة.
النحت.. حين تصبح المادة لغة
النحت فن شديد الصلة بالوجود.
في التصوير يمكن للضوء أن يلتقط لحظة عابرة، وفي الرسم يمكن للخط واللون أن يصنعا عالماً على سطح مستوٍ، أما النحت فيدخل مباشرة في علاقة مع الكتلة والفراغ والظل والضوء والمكان.
ولهذا فإن تجربة جمول في النحت تبدو جزءاً من بحث أوسع في العلاقة بين الإنسان والمادة.
فالكتلة ليست كتلة فقط، والفراغ ليس غياباً، والسطح ليس سطحاً محايداً.
كل عنصر يحمل دلالة.
إنها عملية تحويل للمادة من وجودها الفيزيائي إلى وجود رمزي؛ حيث يصبح الحجر أو المعدن أو أي وسيط تشكيلي آخر حاملاً للذاكرة والانفعال والفكرة.
وهنا يلتقي النحت بالفوتوغرافيا أيضاً.
فالمصور يبحث عن الضوء الذي يكشف الشكل، بينما يبحث النحات عن الشكل الذي يكشف علاقته بالضوء. وفي الحالتين هناك سؤال واحد تقريباً:
كيف يمكن تحويل العالم المرئي إلى معنى؟
فن الميداليات.. التاريخ في دائرة صغيرة
إلى جانب النحت، يحتل فن الميداليات مساحة مهمة في تجربة مجيد جمول.
والميدالية ليست مجرد قطعة معدنية صغيرة، بل يمكن أن تكون وثيقة بصرية مصغرة.
ففي مساحة محدودة يستطيع الفنان أن يختصر وجهاً أو حدثاً أو فكرة أو شخصية أو رمزاً، وأن يمنحها شكلاً قابلاً للحفظ والتداول.
إنها أشبه بـ«صورة ثلاثية الأبعاد» مضغوطة داخل دائرة أو مساحة محددة.
ومن هذه الزاوية، يصبح فن الميداليات قريباً من مفهوم الأرشيف البصري؛ فالإنسان لا يحفظ تاريخه بالكتب والصور وحدها، وإنما يحفظه أيضاً في المعادن والعملات والميداليات والمنحوتات.
وهنا يتقاطع فن جمول مع فكرة الذاكرة التي تشكل محوراً أساسياً في تاريخ الفنون الإنسانية.
الغرافيك.. الوجه الآخر للفكرة
أما الغرافيك فيضيف إلى التجربة بعداً آخر.
إذا كان النحت مرتبطاً بالكتلة والمكان، فإن الغرافيك يفتح المجال أمام الخط والمساحة والتكرار والأثر الطباعي.
وهكذا تتجاور في تجربة جمول ثلاث لغات:
النحت، والميدالية، والغرافيك.
ثلاثة مسارات تبدو مختلفة في الوسيط، لكنها تلتقي في البحث عن الشكل والدلالة.
وهذا التنوع لا يعني التشتت، بل يكشف عن فنان يتعامل مع العمل التشكيلي بوصفه منظومة مفتوحة، تستطيع الفكرة فيها أن تنتقل من الكتلة إلى السطح، ومن المجسم إلى العلامة، ومن الفراغ إلى الخط.
أكثر من أربعين معرضاً.. حضور يتجاوز الجغرافيا
على مدى عقود، شارك مجيد جمول في معارض وملتقيات فنية داخل بولندا وخارجها، وأقام أكثر من 40 معرضاً فردياً، وشارك في فعاليات فنية دولية متعددة.
وعُرضت أعماله في دول من بينها سوريا وبولندا والكويت والعراق وروسيا والجزائر وبريطانيا، كما شارك في ورش وملتقيات دولية للنحت وفن الميداليات.
وتوجد أعماله في مجموعات مؤسسات ومتاحف، من بينها المتحف البريطاني في لندن، إلى جانب مؤسسات فنية في ألمانيا وسوريا وبولندا.
وهكذا لم تعد تجربة جمول محصورة في جغرافيا واحدة، بل أصبحت جزءاً من حركة فنية عابرة للحدود.
جائزة نورفيد.. الاعتراف بمسيرة كاملة
تأتي جائزة سيبريان كاميل نورفيد في سياق بالغ الدلالة بالنسبة إلى مسيرة جمول.
فالجائزة التي يمنحها إقليم مازوفيا تكرم مبدعين في مجالات متعددة من الثقافة والفنون، من الأدب والموسيقى والمسرح إلى الفنون التشكيلية، إضافة إلى جوائز مرتبطة بمجمل المسيرة الإبداعية.
وقد شهدت الدورة الخامسة والعشرون للجائزة منح أربع جوائز عن «عمل الحياة»، في إشارة إلى أهمية المسيرة الممتدة في تقييم التجربة الإبداعية.
أما بالنسبة إلى جمول، فقد جاء التكريم عن معرضه «تسامي المشاعر»، ليحمل معنى خاصاً؛ إذ لا يُقرأ العمل المعروض بمعزل عن المسار الطويل الذي أوصل الفنان إلى هذه اللحظة.
إن الجائزة هنا تضيء على العمل الفني، لكنها في الوقت نفسه تستعيد رحلة الفنان: من السويداء إلى دمشق، ومن دمشق إلى وارسو، ومن الطالب إلى الأكاديمي، ومن النحات إلى الفنان متعدد الوسائط، ومن الغربة إلى صناعة بيت فني جديد.
السوري الذي أصبح جزءاً من الذاكرة الفنية البولندية
تجربة مجيد جمول تطرح سؤالاً يتجاوز حدود الفن:
ماذا يحدث عندما يحمل الفنان ذاكرته السورية إلى فضاء ثقافي آخر؟
الجواب ليس بالضرورة في الموضوعات المباشرة التي يرسمها أو ينحتها، وإنما في الطريقة التي يعيد بها بناء علاقته بالعالم.
الفنان المهاجر لا يحمل وطنه في حقيبة، بل يحمله في الذاكرة البصرية.
في تفاصيل الوجه.
في شكل الجسد.
في الرموز.
في علاقة الإنسان بالمادة.
وفي ذلك الشعور العميق بأن كل عمل فني هو محاولة لاستعادة شيء فقدناه أو نخشى فقدانه.
ولهذا فإن تجربة جمول يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها نموذجاً من نماذج الفن السوري في الاغتراب؛ ذلك الفن الذي لا يتوقف عند سؤال الهوية، وإنما يحاول تحويل الهوية إلى لغة إنسانية قابلة للحوار مع الآخر.
بين سوريا وبولندا.. جسر من الحجر والذاكرة
قد يكون أجمل ما في مسيرة مجيد جمول أنها لم تقم على فكرة المفاضلة بين ثقافتين، وإنما على الحوار بينهما.
سوريا أعطته البدايات والجذور والذاكرة الأولى.
وبولندا أعطته فضاءً أكاديمياً وفنياً جديداً، ثم أصبحت جزءاً من حياته وتجربته.
وبين البلدين تشكلت شخصية الفنان.
إنه نموذج للفنان الذي يجعل من الهجرة امتداداً للتجربة لا قطيعة معها.
فالمنفى قد يكون قاسياً عندما يُفرض على الإنسان، لكنه قد يتحول، في التجربة الإبداعية، إلى مختبر لاكتشاف الذات والعالم.
وفي هذا المختبر تتغير الأشياء: الوطن يصبح ذاكرة، والغربة تصبح مكاناً، والألم يصبح شكلاً، والخوف يتحول إلى رمز، والرمز يتحول إلى فن.
مجيد جمول.. أركيولوجيا المشاعر في المادة
إذا أردنا قراءة تجربة جمول من منظور فني أكثر عمقاً، يمكن القول إن النحات يمارس نوعاً من أركيولوجيا المشاعر.
إنه ينقّب في الطبقات الداخلية للإنسان، كما ينقّب عالم الآثار في طبقات المكان.
لكن بدلاً من الحفر في التراب، يحفر الفنان في المادة.
وبدلاً من استعادة قطعة أثرية، يستعيد حالة إنسانية.
وبدلاً من البحث عن زمن مضى، يحاول إعادة صياغة الحاضر من خلال ذاكرة الماضي.
وهنا يصبح النحت فعلاً من أفعال الكشف.
فالعمل لا يُصنع فقط؛ بل يُكتشف تدريجياً، مثلما تُكتشف الذاكرة طبقة بعد طبقة.
خاتمة: طائر الفينيق الذي خرج من الحجر
ربما كان طائر الفينيق الذي استحضره مجيد جمول في معرض «تسامي المشاعر» أكثر من رمز فني.
إنه صورة مكثفة لمسيرته.
فنان خرج من بيئة سورية صغيرة، وتعلم الفن في دمشق، ثم حمل تجربته إلى وارسو، وعاش تحولات الغربة والاندماج والاستقرار، وظل طوال عقود يصنع من النحت والغرافيك وفن الميداليات لغة خاصة به.
ثم جاءت جائزة سيبريان كاميل نورفيد لتعلن، في لحظة رمزية، أن الفن قادر على عبور الحدود التي تعجز الجغرافيا عن عبورها.
إن تجربة الدكتور مجيد جمول لا تختصرها جائزة، ولا معرض، ولا قائمة طويلة من المشاركات الدولية؛ لأنها في جوهرها حكاية فنان آمن بأن المادة تستطيع أن تتكلم، وأن الحجر يمكن أن يحمل ذاكرة، وأن المعدن يمكن أن يحفظ وجهاً أو حدثاً، وأن الألم حين يمر عبر الفن قد يتحول إلى أمل.
ومن السويداء إلى دمشق، ومن دمشق إلى وارسو، تتواصل الرحلة.
رحلة نحات سوري–بولندي جعل من المادة ذاكرة، ومن الاغتراب جسراً، ومن الألم جمالاً، ومن الفن لغةً إنسانية لا تحتاج إلى ترجمة.
مجيد جمول ليس مجرد نحات يعرض أعماله في العالم؛ إنه فنان يحمل في منحوتاته أثر المكان الأول، ويصوغ من تجربته العابرة للحدود ذاكرةً جديدة للإنسان والفن.


أخر المقالات

منكم وإليكم