الناقد العراقي: د. عبدالكريم الحلو..كتب:شوقي كريم حسن … الاديب والروائي..الذي كتب العراق من جهة الجرح.

شوقي كريم حسن … الاديب والروائي
الذي كتب العراق من جهة الجرح
الدكتور عبدالكريم الحلو

” الأدب الذي لا يوجع… لا يوقظ أحداً “

📌 لا زلت أؤمن أن وظيفة الأديب ليست
أن يقف على مسافة آمنة من وجع الناس، يراقب الحرائق من شرفة اللغة، ثم يعود إلى مكتبه ليكتب عن الدخان.

” الأدب الحقيقي لا يقف على الرصيف “

📌 ينزل إلى الشارع، يمشي بين الحطام، يمد يده إلى الجريح، ويلتقط من فم المقهور كلمة سقطت خوفا، ثم يعيدها
إلى اللغة كي لا تموت.

📌ومن هنا أصبح لزاماً علي أن أقرأ تجربة ( الكبير شوقي كريم حسن )؛ أديباً شجاعاً، وروائياً وطنياً ، وكاتباً لم يتعامل مع العراق بوصفه موضوعاً أدبياً ، بل بوصفه ذاكرة وجرحاً وإنساناً .

شوقي .. لم يكتب العراق من شرفة بعيدة، ولم يحاول أن يصنع منه وطنا من الكلمات المزينة. كتبه من الداخل؛ من أزقته وبيوته ومقاهيه، من وجوه فقرائه ومهمشيه، من خوف أطفاله، ومن أحلام شبابه، ومن ذاكرة وطن أثقلته الحروب والخسارات.

” وهنا تكمن أهمية تجربته “

📌فالوطنية في الأدب ليست أن نرفع العلم في كل صفحة، ولا أن نكثر من الشعارات.
الوطنية أن نرى الإنسان الذي يعيش تحت هذا العلم.
أن نرى الأم التي تنتظر.
والعامل الذي يعود منهكا.
والفلاح الذي يزرع ولا يملك.
والطفل الذي يكبر قبل أوانه.
والشاب الذي يحمل شهادته ومستقبلا مغلقا أمامه.

” الوطن في الأدب الحقيقي ليس خريطة… الوطن إنسان “

ومن هذه البقعة الخطيرة .. يكتب شوقي كريم حسن الإنسان قبل أن يكتب المكان.

” أديب من جهة الجرح “

هناك من يكتب عن الجرح من بعيد،
وهناك من يكتب من داخله.

الأول يستطيع أن يحافظ على أناقته.
أما الثاني، فتلتصق بالكتابة أصابع الألم.
وشوقي كريم حسن .. اختار الاقتراب.

📌لم يبحث عن العراق في الصور الرسمية،
بل في التفاصيل التي أهملتها الذاكرة؛
في الإنسان العادي الذي لا يكتب التاريخ باسمه، مع أنه يدفع ثمنه.

📌وهنا تتحول الرواية عنده
إلى أكثر من حكاية.
تصبح مقاومة للنسيان.

فالتاريخ قد يحفظ أسماء الحكام والقادة والحروب، لكنه كثيرا ما ينسى وجه المرأة التي انتظرت، والطفل الذي خاف، والرجل الذي عاد إلى بيته فلم يجد إلا الغياب.

أما الرواية، فإنها تستطيع أن تمنح هؤلاء حياة أخرى.
أن تقول للمنسي:
أنا أراك.
لن أنساك.
وهذه واحدة من أسمى وظائف الأدب.

” شجاعة السؤال “

📌 الأديب الشجاع ليس من يصرخ أكثر.
إنه من يسأل أكثر.
لماذا حدث هذا؟
من دفع الثمن؟
من اختفى؟
من كُسر؟
ومن كتب التاريخ باسمه، ؟
بينما بقي الذين صنعوه الحقيقيون
في الظل !!

📌وظيفة الكاتب ليست أن يقدم لنا الإجابات الجاهزة، بل أن يفسد علينا راحة اليقين، وأن يجعلنا نرى ما تعودنا ألا نراه.

” فالظلم لا يصبح عادلا لأنه طال “
والموت لا يصبح طبيعيا لأننا تعودنا عليه.
والصمت ليس دائما سلاما.

📌وهنا تكمن شجاعة شوقي كريم حسن:
أنه لم يجعل الأدب ستارة تخفي الواقع،
بل نافذة تكشفه.

” روائي حمل العراق معه”

ثمة كتاب يتركون أوطانهم حين يغادرونها.
وثمة كتاب يحملون أوطانهم معهم.

📌 وشوقي كريم حسن من هؤلاء.
يحمل العراق في لغته، وفي ذاكرته، وفي شخصياته، وفي الأمكنة التي يسكنها الناس قبل أن تسكنها الخرائط.

ولهذا فإن وطنيته ليست شعارا جاهزا، بل مسؤولية تجاه الإنسان والمكان والذاكرة.
إنه يحب العراق بما يكفي لكي يكتب عن أوجاعه.

📌 وهذه هي الوطنية الأصعب :
أن تحب وطنك، لا أن تجامله.
أن تكشف جرحه، لا أن تخفيه.

” أن تراه كما هو، لا كما تريد له أن يكون “

📌فالكاتب الذي يحب وطنه حقا لا يضع المساحيق على وجه الخراب.
بل يضع إصبعه على الجرح ويقول :
هنا يؤلمنا العراق.

” شاهد لا متفرج”

📌 المتفرج يرى النار ويصف لونها.
أما الشاهد فيسأل:
من أشعلها؟
ومن احترق فيها؟
ومن أغلق الباب؟
ومن يستطيع أن يفتحه؟
وهكذا أرى شوقي كريم حسن.
هو ليس مجرد راو للحكاية العراقية،
بل شاهد عليها.
والشاهد لا يستطيع أن يكون محايدا أمام كل شيء.

” حين يسحق الإنسان، لا تكفي البلاغة.

وحين يضيع الوطن، لا تكفي اللغة”

وحين تموت الذاكرة،
يصبح القلم أحد أشكال المقاومة.
ليس لأنه يستطيع إيقاف الحرب أو هدم السجن، وإنما لأنه يستطيع أن يمنع الضحايا من الموت مرة ثانية:
موتهم في الذاكرة.

” الأدب الذي له غبار على حذائه “

لقد مللنا من الأدب الذي يصف لنا النافذة ولا يفتحها.
نريد أدبا له غبار على حذائه.
أدبا يعرف رائحة الخبز.
يعرف خوف الفقراء.
يعرف تعب العمال.
يعرف دمعة الأم.
يعرف وحدة الشيخ.
يعرف حيرة الشاب.
يعرف مدينة تضحك نهاراً
وتبكي سراً في الليل.

📌نريد أدبا لا يخجل من الشارع،
ولا يخاف من الحقيقة،
ولا يعتذر عن إنسانيته.

📌ولهذا بقيت مؤمناً متيقناً في الكبير شوقي كريم حسن صورة للأديب الذي اختار أن يكون شاهداً لا متفرجاً، وإنساناً لا متفرجاً على الإنسان، وروائيا يكتب الوطن من جهة جرحه لا من جهة شعاراته.

📌إنه يعرف أن الكتابة ليست دائما
طريقا إلى المجد.
أحيانا تكون طريقا إلى الوجع.
لكنها، رغم ذلك،
تبقى الطريق كي لا يموت الذين
عاشوا قبلنا مرتين:
مرة حين ماتوا،
ومرة حين نسيناهم.

📌وشوقي كريم حسن اختار أن يقف
في الجهة الأخرى من النسيان:
جهة الإنسان.
جهة الذاكرة.
جهة العراق.

وهنا يصبح الأدب موقفا.
ويصبح القلم شهادة.
وتصبح الرواية ذاكرة شعب.

عندها يصبح الأديب، الذي يرفض الصمت، صوتا لمن لم يجدوا من يتحدث باسمهم.

📌 ومن هنا، من هذه المساحة التي يلتقي فيها الأدب بالإنسان، والكتابة بالمسؤولية، أتوجه إلى الكبير شوقي كريم حسن

بتحية تليق بالعظماء ؛

تحية إلى رجل لم يجعل القلم زينة،
بل حمّله مسؤولية.

تحية إلى روائي لم يكتب العراق من خارجه، بل حمل وجعه في قلبه، وذاكرته في كلماته، وإنسانه في رواياته.

تحية إلى أديب عرف أن الوطن لا يُحب بالشعارات، وإنما بالانحياز إلى إنسانه، والدفاع عن ذاكرته، وكشف جراحه حين يخشى الآخرون النظر إليها.

📌 سلاما عليك، يا شوقي كريم حسن،
أيها الأديب الذي اختار أن يكون شاهدا
لا متفرجا، وصوتا لا صدى،
وذاكرة لا تسمح للنسيان أن ينتصر.

📌 لك التحية، لا لأنك كتبت كثيرا فحسب، بل لأنك كتبت من المكان الأصعب:

من جهة الإنسان.
ومن جهة الوطن.
ومن جهة الجرح.

ومن هنا، من قلب ناقد يشعر انه تلميذك، أرفع لك تحية العظماء ؛
تحية قلم لم ينحنِ إلا للحق،
وتحية ناقد بقي واقفاً
حين كان الصمت أكثر أمانا،

وتحية رجل آمن أن الكلمة، حين تكون صادقة، تستطيع أن تبقى أطول من الخوف، وأبقى من السلطة، وأعمق من الزمن.

لك المجد الأدبي الذي لا تمنحه الجوائز،
بل تمنحه ذاكرة الناس.
ولك الخلود مع الصادقين والصديقين
ايها الانسان العظيم .

د. عبدالكريم الحلو
كاتب وناقد أدبي عراقي

أخر المقالات

منكم وإليكم