الناس يقولون: “بيننا خبز وملح” لم يكونوا يقصدون طعاماً أُكل، بل المقصود عهداً خفياً من الوفاء وميثاقاً لا تكتبه الأقلام بل تحفظه القلوب – مشاركة: د.غسان القيم.

في الذاكرة القديمة حين كان الناس يقولون: “بيننا خبز وملح” لم يكونوا يقصدون طعاماً أُكل وانتهى بل كانوا يقصدون عهداً خفياً من الوفاء وميثاقاً لا تكتبه الأقلام بل تحفظه القلوب. فالخبز ليس رغيفاً فقط والملح ليس حبات بيضاء فحسب بل هما رمز للأمانة التي تنبت بين البشر حين يتقاسمون لقمة واحدة وظلاً واحداً.
غير أن بين الناس من يلبس ثوب الوداعة ويجلس إلى مائدتك مبتسماً ويشرب من كأسك ويعرف أسرار دارك ثم يخفي في صدره قلباً يترقب لحظة انكسارك. يراك واقفاً فلا يجرؤ عليك فإذا تعثرت خطاك أو أثقلك الزمن كشف عن وجهه الحقيقي وانقضّ عليك كما ينقضّ الغراب على سنبلة يابسة.
ذلك الغدار لا يعرف للخبز حرمة ولا للملح وفاء. يحسب الصداقة سلماً يصعد عليه فإذا بلغ غايته ركل السلم بمن عليه. يرافقك ما دامت شمسك مشرقة فإذا أقبلت غيوم المحن ابتعد قليلاً ينتظر لا ليسندك بل ليرى متى تضعف أكثر كي تكون طعنته أشد إيلاماً.
وفي حكم الأجداد كانوا يقولون: احذر من عدوك مرة ومن صديقك ألف مرة إذا فسد قلبه لأن العدو يهاجمك من أمامك أما الغدار فيأتيك من الباب الذي فتحته له بيدك ومن الثقة التي منحتها له بقلبك.
لكن الأيام وهي الحكيم الأكبر لا تترك الأقنعة طويلاً على الوجوه. فالغدر وإن تأخر انكشافه يفضح صاحبه كما تفضح الريح شجرة جوفاء. أما صاحب الوفاء فيبقى كالسنديانة العتيقة تشتد عليها العواصف فلا تزيدها إلا رسوخاً.
لذلك لا تحزن إن كشف لك الزمن غادراً كان يجلس إلى مائدتك فالمحنة لم تسلبك صديقاً حقيقياً بل كشفت لك حقيقة شخص لم يكن صديقاً منذ البداية. والخبز الذي لا يصونه صاحبه والملح الذي لا يحفظ عهده لا يستحقان أن يبقيا في ذاكرته ولا في ذاكرتك.
وكأن حكيمًا أوغاريتيًا نقش على لوحٍ من طين دافئ قبل آلاف السنين:
“لا تخشَ من الذي يعاديك جهاراً بل من الذي يقتسم معك الرغيف وهو يعدّ في قلبه ساعة الغدر فالطعنات التي تأتي من الخلف لا تصيب الظهر فقط بل تصيب الثقة أيضاً.”
“ليس أقسى من عدوٍ عرفته إلا صديقٍ أطعمتَه من خبزك وملحك ثم وجد في ضعفك فرصةً للانقضاض عليك.”
د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم