الموسيقار الفلسطيني رياض عيسى البندك (1926- 1992)

الموسيقار الفلسطيني الراحل ….. رياض عيسى البندك 1926- 1992 وهو من اكتشف المطربة الشهيرة فايزة احمد وأول من قدمها لعالم الغناء.ولد رياض البندك عام 1926 في بيت لحم في منزل عريق اجتماعيا وسياسياً. فمن هذا المنزل في بيت لحم خرج محرر وصاحب أول جريدة في المنطقة وثاني جريدة فلسطينية جريدة صوت الشعب والتي صدرت عام 1922، إنه عيسى البندك والد رياض والذي أصبح رئيسا لبلدية بيت لحم 3 مرات في مرحلة الثلاثينيات. وعيسى البندك هو سياسي وطني وكان عضوا في اللجنة التنفيذية العليا التي كان يرأسها المرحوم موسى كاظم الحسيني ومن بعده الحاج أمين الحسيني، وهي اللجنة التي كانت تقود النضال الوطني في أصعب فترة من حياة الشعب الفلسطيني.في هذه الأجواء ترعرع طفل موهوب موسيقياً وما أن بلغ 8 سنوات حتى تعلم العزف واستطاع الحصول على عود. وكان على الرغم من صغر سنه يقوم بجمع أولاد الحارة الذين وصل عددهم 15 طفلاً بمن فيهم أخته سعاد ويقوم رياض بإلباسهم ملابس خاصة لافتة للنظر ثم يجوب بهم بيوت المنطقة.. يعزف ويغنى ويساعده الأطفال الآخرون من خلال الغناء والعزف على الطبل والدف.. يحصلون في نهاية المطاف على نصف قرش أو قرش وهذا النمط من عرض موسيقي في الشارع كان رائجاً في بيت لحم في تلك الفترة ولكن الكبار يمارسونه وليس الصغار. درس رياض في مدرسة بيت لحم الابتدائية وكان مديرها آنذاك الأستاذ فاضل نمر من رام الله وكان يعزف الكمان ويعشق الموسيقى، وفي العام 1937 قام المدير بتشكيل جوقة للمدرسة فاختار رياض رغم أن عمره كان 11 عاماً. وبرزت موهبة رياض في الغناء والحفظ السريع للأناشيد مما جعل المدير يكلفه بغناء الأناشيد كل صباح قبل دخول الطلاب للصفوف. كان المدير شديد الإعجاب بهذا الطفل، وقد تعززت ثقة رياض بنفسه كثيراً عندما قال له المدير: إذا درست الموسيقى فستكون علماً من أعلامها. لم يستمر هذا الوضع فعندما علم والد رياض بنشاطات ابنه وصولاته وجولاته قام بكسر العود وتهديده.ولكن رياض اشترى عوداً آخر، وكان يهرب من المدرسة ليتدرب على العزف وعندما علم والده كسر العود مرة أخرى وعاقبة بإرساله إلى مدرسة النهضة الداخلية في البقعة، وهناك حصل على عود ثالث وصار يعزف ويغني للطلاب سراً، وخاصة بعد أن يتظاهر الجميع بالنوم يقوم هو وطلاب القسم الداخلي لإحياء الحفل الساهر. وفي مرحلة لاحقة انضم بعض المعلمون إلى الجمع،،،، وهذا العود أيضاً كسره الوالد الذي كان يريد لابنه أن يكون سياسياً أو صحافياً، وكان يقول له دائما: “علمك أولاً”. لكن رياض كان في واد آخر فقد ذهب إلى الإذاعة الفلسطينية (إذاعة القدس) وهو لا يزال فتى، وقدم طلباً لمدير الإذاعة في ذلك الوقت واسمه يحيى الليابيدي (وهو ملحن ممتاز، لحن أغنية “يا ريتني طير لأطير حواليك، لفريد الأطرش) وعندما طلبه اللبابيدي للمقابلة جهزرياض نفسه وألف أغنيه ولحنها مطلعها يقول: مسكين الطير غنّى .ذهب وغنى ونجح والتزم بالبروفات وسجلت تلك الأغنية وتم بثها من الإذاعة. فوجئت العائلة وجن جنون رئيس البلدية الذي اتصل باللبابيدي وهدده وقال: إذا أدخلت ابني طريق الفن فسأكسر لك الرجل الثانية ذلك أن اللبابيدي كان أعرجاً.في اليوم التالي ذهب رياض للإذاعة فمنعنه الحرس من الدخول فعاد حزيناً. وتوقفت مؤقتاً رحلته مع الإذاعة، لكنه استمر في إحياء الحفلات والسهرات والأعراس إلى أنه حدثت معجزة في شهر آب 1938 حيث كانت البلاد في حالة غليان والصراع على أشده مع العصابات اليهودية والتي كان جيش الانتداب الإنجليزي يَُغض الطرِف عن ممارستها من قبل. وبسبب نشاط عيسى البندك قام الجيش البريطاني باعتقاله وإبعاده إلى اليونان.يصف رياض هذا اليوم من وجهة نظره وعمره 12 سنة بأنه أسعد يوم في حياته مع علمه بأن كل فلسطين كانت غاضبة بسبب اعتقال وإبعاد والده. والسعادة التي غمرت رياض سببها أنه عاد إلى الإذاعة وأصبح أحدد مطربيها واعتقد أن رياض ترك كلية النهضة والتحق بعد ذلك بكلية تراسنطة في بيت لحم بحيث تعلّم النوتة الموسيقية هناك. عاد عيسى البندك من المنفى عام 1942 وفي عام 1947 عين رئيساً للجنة القومية في منطقة بيت لحم التي كانت تقوم بعمليات المقاومة في المنطقة، وبعد صدور قرار التقسيم ازداد التوتر إلى أن وقعت حرب 1948، والتحق أخواه مازن ويوسف مع المقاتلين، وطلب منه والده الاشتراك في التدريبات العسكرية ولكنه قرر بدلاً من ذلك الذهاب إلى دمشق. لم يهرب رياض من فلسطين بل لم يكن أقل وطنية من والده أو أخوته وكان يعرف أن في داخله ما هو أقوى من السلاح الحديدي. خرج رياض من فلسطين في وقت حرج، لكنه في خروجه هذا دخل إلى عالم الموسيقى وجذب الموسيقى إلى قضية فلسطين. ألف الأناشيد الوطنية طوال فترة حياته وكان يحلم بعمل موسيقي كبير وكان له ما أراد بعد 45 عاماً من العمل. فألف عمله الضخم وهو خلاصة تجربته وأسماه فلسطين،،، أرضه التي لم ينسها. وحمل العمل الثاني جزءاً من أرض فلسطين حيث كان عنوانه: من حطين إلى تشرين.يغضب رياض حين يُكتب عنه : الموسيقار السوري، وبسبب هذا الخلط فقد كان يحرص في كافة لقاءاته الشخصية والصحفية أن يذكر أنه فلسطيني. ليس ذلك فقط بل أنه من بيت لحم. وفوق ذلك يضيف أنه ابن عيسى البندك رئيس اللجنة القومية ورئيس البلدية الذي أُبعد إلى اليونان… الخ…سعى رياض دوما إلى تمتين علاقاته بفلسطين، ليس فقط من خلال الأناشيد والموسيقى بل من خلال المواقف السياسية. وقد دفع من حياته ثمن هذه المواقف وخاصة بعد اتفاق كامب ديفيد وقبله عند انفصال 1961في العام 1990 قامت م ت ف بتكريم المبدعين الفلسطينيين وكان رياض في مقدمتهم، لكنه من القلائل الذين أعطوا لفلسطين ولم يأخذوا. كان مستقلا بالمفهوم التقدمي. حاله كحال جميع الموسيقيين: معروف في الأوساط الفنية ومجهول في الأوساط الشعبية. سنستمع إلى دقائق من ألحان رياض البندك الوطنية في تلك الفترة، قام بإعدادها وتوزيعها الفنان عيسى مراد. انتهى الجزء الأولالجزء الثاني: رياض موسيقار الطرب الأصيل كانت البدايات في فلسطين، لكن رياض كان يعرف أن حدود فلسطين لا تتسع لفنه، وأن ابداعاته لا تتحقق إلا من خلال دمشق وبيروت والقاهرة، لذلك سافر إلى دمشق. وصل رياض إلى دمشق عام 1948 وعمره 22 عاماً وعندما اتصل بالإذاعة السورية اكتشف أنه كان معروفاً لديهم، فبدأ العمل معهم فوراً وسجل أول أغنية وهي ” آه من عينيك” وقدمها في حفلة خاصة.بعد الحفلة جاءت المطربة المشهورة ماري جبران وطلبت أن تغني هي هذه الأغنية، فوافق رياض وبقى يدربها حتى الصباح إلى أن حفظت الأغنية والتي هي أشهر أغنية لماري جبران.توطدت علاقة رياض مع ماري جبران وسافر معها إلى بيروت مؤجلا عرض العمل الذي تلقاه من الإذاعة السورية وذهب رياض مع ماري إلى صالة عويس وهي أكبر صالة غناء في بيروت آنذاك وفوجئ بالإعلانات الضخمة لتسويق الأغنية الجديدة والتي لاقت نجاحاً لا مثيل له ونالت إعجاب فريد الأطرش الذي كان حاضراً. وعندما كتبت الصحافة اللبنانية رأيها الإيجابي بالأغنية قام مدير الإذاعة اللبنانية بدعوة رياض وماري لتسجيل الأغنية في الإذاعة (كما هو العهد في ذلك الوقت) بعد ذلك مباشرة عُرض على رياض العمل في بيروت وصدر قرار بتعينه رئيساً لقسم الموسيقى في الإذاعة اللبنانية.كان رياض صادقا مع نفسه وفنه وتجربته وانتبه إلى محدودية صوته كمطرب واتساع قدرته كملحن، لذلك فقد ترك الغناء مع الإذاعة وتفرغ للتلحين والتوزيع وتأسيس الفرق الموسيقية وقيادتها. لذلك قبل العمل في بيروت.بعد سنتين عاد رياض إلى دمشق وعين مراقباً للموسيقي في الإذاعة السورية وشكل أول فرقة موسيقية لإذاعة دمشق، وكان مسئولا عن فرقتي الإذاعة وعن جميع الأغاني التي تسجل في الإذاعة.واتسع عمل رياض في التلحين حيث قدم الألحان إلى جميع المطربين المشهورين في سوريا ولبنان ومنهم: ماري جبران، كروان، زكية حمدان، نور الهدى، سعاد محمد، فايزة أحمد.وفوق ذلك فقد نظم رياض الشعر ومن أشعاره “سهرت الليل” والتي غناها المطرب جورج وسوف في صباه من ألحان رياض أيضاً. فائزة أحمدسمع رياض أن هناك صوتاً جميلاً لفتاة تغني في مكان شعبي، فذهب رياض وسمعها وأعجب بصوتها لكنه رثى لوضعها بسبب تدني مستوى الصالة التي تغني فيها، وقام باستدعائها فجاءت إلى الإذاعة غير مصدقة نفسها. قام رياض بإعطائها فرصة لتغني وصمم أن يحول هذه الفتاة إلى مطربة مشهورة، فلحن لها موشحا أندلسيا مطلعه:امسحوا عن ناظري كحل السهاد وانفضوا من مضجعي شوك القتادوالطريف أن هذه الفتاة لم تكن تعرف القراءة والكتابة فبقي معها رياض حوالي الشهر لتحفيظها الشعر. وكانت هذه الفتاة هي فايزة أحمد. وبعد نجاح الموشح، والمطربة الجديدة استمرت الأغاني وعندما سافر رياض إلى القاهرة عام 1953 لحقت به فايزة وأخذها إلى أحمد سعيد مدير صوت العرب وتبنتها الإذاعة، وسجلت أول ما سجلت الموشحين السابقين وأحضر لها الفرقة الماسية بقيادة أحد فؤاد حسن، وهكذا بدأت فايزة رحلتها في القاهرة من القمة. وقام رياض بتعريفها إلى كمال الطويل ورياض السنباطي وبليغ حمدي والذين لحنوا لها لتصبح المطربة الثانية بعد أم كلثوم.وفي مصر لحّن رياض لأكبر مطربي ومطربات مصر مثل: شهرزاد كارم ومحمود، محمد قنديل، فايزة كمال، نور الهدى. رياض البندك موسيقار عمالقة الطرب الأصيللعبت ألحان رياض البندك دوراً في تمكين شخصية المطرب، ويمكن بسهولة ملاحظة بصمات رياض في شخصية المطربين الذين أدوا ألحانه. هذا ما حدث مع عليا التونسية في لحن لا ملامة والذي هو أفضل لحن غنته عليا في حياتها بشهادة رياض السنباطي. ولعبت الأغنية الأولى لجورج وسوف سهرت الليل في ترسيخ شخصية جورج في اختياره طريق الطرب الأصيل وهذا ما حدث مع لطفي بشناق وفايزة أحمد، ونصري شمس الدين وفهد بلان وملحم بركات ونهاد طربية وماري جبران. ورياض البندك له الفضل في اكتشاف أو توجيه انطلاقة عدد من المطربين مثل: فايزة أحمد، لطفي بشناق وجورج وسوف وفاتن الحناوي.ولولا القدر والمصادفات السيئة لكان أنجز رياض لحناً لأم كلثوم من كلمات عبد الوهاب محمد، فقد التقى الملحن والمطربة والكاتب عام 1970 وتم الاتفاق على أن يقوم رياض البندك بالتلحين وتبدأ البروفات بعد عودة أم كلثوم من موسكو، لكن عبد الناصر توفي فجأة، واختلطت الأمور وتوقف المشروع.. ألف الأناشيد الوطنية دون أن يتنازل عن الأصالة في اللحن. ودون أن يتنازل استطاع أن يمزج الأصالة بالسياسة، والعراقة بالحدث اليومي.يعتبر النقاد عمله الضخم “فلسطين” أول عمل في تاريخ الموسيقى يقدم على اوركسترا عربية كرد على مؤلفات الغرب السيمفونية، هذا العمل هو خلاصة تاريخ رياض في عمله المثابر في الموسيقى ويظهر عظمة الموسيقى العربية بأسلوبها وإرادتها وتسلسلها النغمي في وقت يجري فيه تغريب موسيقانا وإفقادها شخصيتها المستقلة. سعى رياض دوماً لإيجاد قالب موسيقي طويل للموسيقى العربية وكان يشاركه الرأي كل من رياض السنباطي وعبد الحليم نويرة، لكن الأخيران ماتا قبل أن يتحقق حلمهما وقام رياض البندك بإنجاز عمله وهو حلم حياته، وقد وضع فيه كل خبرته واستخدم مقامات عربية معروفة وأخرى مجهولة من الزمن العباسي وما بعده. يا عيني عالصبربعد هزيمة حزيران عام 1967 حدثت اهتزازات في الأجواء الفنية في مصر، وغنى جميع المطربين الكبار أغاني وطنية مثل أم كلثوم ، عبد الحليم حافظ ، عبد الوهاب. ولم يكن من اللائق أن يتم تسجيل أو بث أغاني غير وطنية. غير أن رياض البندك وعلى الرغم من المضايقات التي كان يواجهها غير المصريين في مصر على الصعيد الفني فقد كسر تلك القاعدة عندما لحن لوديع الصافي. يقول رياض: إن مراقب الموسيقى في الإذاعة المصرية جاءه وطلب منه أن يلحن لوديع الصافي أغنية تهز القاهرة، وأعرب عن ثقته بأن رياض هو الوحيد القادر على عمل اللحن المطلوب. وبعد أن وافق رياض جاءه الكثيرون لمنعه من ذلك بغية إفشال وديع الصافي تحت ذرائع متباينة، ومنها “أن وديع انتهى”. لكن رياض رفض الرضوخ للضغوط والإغراءات قائلاً: إذا كان وديع قد انتهى فليس هناك مطربين في الوطن العربي.وقام رياض بتلحين أغنية “يا عيني عالصبر” وكتبت عنها جريدة الأخبار المصرية عنواناً عريضاً ” الأغنية التي أبكت أربعين مليون مصري”. وانتشرت هذه الأغنية بشكل كبير، وقال محمد عبد الوهاب عن هذا اللحن بأنه مدرسة فنية كاملة. الفنان عيسى مراد يقدم هذه الأغنية بصوته.نهاية الجزء الثانيالجزء الثالث: رياض الموسيقار القومينشأ رياض في بيت وطني قومي، وهو وإن كان رفض الانخراط في قضية التدريبات على السلاح فذلك بسبب وجود دوافع أخرى لديه وليس رفضاً لفكرة النضال من أجل فلسطين. وتعتبر تنقلات رياض في العواصم العربية تعبيراً عن حالة هذه البلدان وعن موقفه السياسي. وهو لا يترك فرصة إلا ويعبر عن انتمائه القومي والفلسطيني.فعندما سافر في وفد فني إلى القاهرة في العام 1946 وعلى ضوء اتفاق بين إذاعة القدس والقاهرة للمشاركة في عيد الاستقلال.. قام بتلحين أغنيه كتبها الشاعر الفلسطيني سعيد العيسى عنوانها: تحية عرب فلسطين إلى أرض الكنانة. وواجه رياض مشكلة عدم وجود عازفون كثيرون يجيدون قراءة النوتة لذلك فقد حضرت الفرقة الوحيدة التي تجيد قراءة النوتة وهي فرقة المعهد الموسيقي الشرقي. ويعتقد رياض أن هذا العمل هو أول عمل منوط يتم عزفه في مصر من قبل فرقة موسيقية. كان رياض يعرف الفرق بين آفاق فلسطين المحدودة فنيلً والأبواب الواسعة في القاهرة ودمشق وبيروت. فبدأ يفكر بالسفر إلى دمشق. وهذا ما حدث،لذلك فعندما اندلعت ثورة يوليو عام 1953 وافق على العرض الذي تلقاه من حكومة الثورة في مصر وسافر إلى القاهرة للمشاركة في تأسيس صوت العرب. لقد سافر إلى القاهرة عن طريق بيروت تهرباً من مسئولي الإذاعة السورية الذين رفضوا استقالته، لكنه سافر تاركاً وراءه تعويض نهاية الخدمة. وقد لحن أول نشيدين وحدويين في الإذاعة مع الفرقة السيمفونية.النشيد الأول وهو: هلموا هلموا يا شباب العرب إلى المجد والمجد للأقوياءوالنشيد الثاني:السهول والربا رددت نداؤها حين جردنا الظبي نفتدي حماناولحن رياض الأغاني والأناشيد الوطنية لكبار المطربين في مصر.وفي عام 1954 أشرف رياض علىحفل فني وطني كبير حضره الرئيس جمال عبد الناصر والذي قام باستدعائه إلى رئاسة الجمهورية حيث استقبله بحفاوة وقال له: ” إنا نتابع كل اللي بتعمله في صوت العرب”. ثم قام بأخذ صورة تذكارية. هذه الصورة التي يعتبرها رياض أكبر وسام في حياته.وحتى نعرف مقدار التضحية التي قدمها رياض في هذا القرار علينا أن نعرف أنه في ذلك الوقت كان يُزج في السجون الأردنية كل من كان يستمع إلى إذاعة صوت العرب. وكانت هذه الإذاعة هي لسان حال التيار القومي بقيادة مصر عبد الناصر في مواجهة أطراف حلف بغداد.والطريف أن والده المرحوم عيسى البندك كان في تلك الفترة سفيراً في أسبانيا ووزيراً في الحكومة الأردنية. عام 1957 بدأت ملامح الوحدة بين مصر وسوريا بالتبلور فترك القاهرة وعاد إلى دمشق وتحققت الوحدة عام 1958، وأيدها كثيراً، ولكن الانفصال حدث عام 1961 اخذ موقفاً مناهضاً ، فلوحق واضطر للذهاب إلى بيروت، وهناك وافق على عرض تقدم به نبيل خوري الفلسطيني مدير البرامج في إذاعة بيروت الكبرى فعمل قائداً لاوركسترا الإذاعة اللبنانية سنة 1962. وعندما حدثت هزيمة حزيران عام 1967 عاد إلى القاهرة دون أن يقدم استقالته فخسر تعويضً نهاية الخدمة مرة أخرى. في العام 1970 عاد رياض إلى دمشق وظل هناك إلى أن ترشح للعمل في دولة الإمارات.عمل رياض في تأسيس الإذاعة والتلفزيون في الإمارات العربية المتحدة التي كانت قد استقلت حديثاً بصفته مستشاراً للموسيقى في وزارة الإعلام وذلك منذ العام 1972-1975. عاد إلى دمشق وعمل خبيراً للموسيقى في هيئة الإذاعة والتلفزيون ولحن خلال الفترة اللاحقة للعديد من المطربين. عاش رياض في سوريا كأنها فلسطين، وتعامل معه السوريون شعبا وحكومة كأنه سوري، بل لقد منحوه امتيازات لم يمنحوها للسوريين أنفسهم. التزم رياض بالخط القومي التقدمي، وجاءت ألحانه وكلماته لتعبر عن مواقفه. ولم يتورط رياض في تلحين أية أغنية لشخصية رئيس عربي وحتى الرئيس حافظ الأسد الذي منحه منزلا . وبينما كان الملحنون السوريون يقدمون أغنيتين وطنيتين سنوياً تتداخل فيهما الوطنية بالشخصية..كان رياض يجهز عملين كلاسيكيين عربين في منتهى الضخامة.في الثمانينات كرس رياض جزءا من وقته في تأليف أعمال موسيقية كلاسيكية عربية، وهو الأمر الذي حلم به طوال حياته. وكان له ما أراد. فألف عملاً ضخماً بعنوان “من حطين إلى تشرين” وعملاً آخر بعنوان “فلسطين”وقد قُدم العملان في دمشق وسجلا ويتم بثهما من وقت لآخر.رياض كأخيه مازن كان يكرر رفضه العودة تحت راية الاحتلال، لكنه ظل يحلم بفلسطين.ظل رياض وفياً لبيت لحم ولفلسطين وللعروبة حتى وفاته في دمشق في العام 1992. منذ أن التقيت رياض في دمشق قبل عشرين عاماً وأنا أفكر بأنه من الواجب أن يتعرف أهل بيت لحم وفلسطين على هذا الموسيقار الكبير. كنت أحمل هذا الهم كأمانة حملتها من خاطري. واليوم وفي ختام هذه الأمسية أود أن أعبر عن سعادتي لأني قد أديت الأمانة، ومن الواجب منذ الآن عل المعهد الوطني للموسيقى وأكاديمية بيت لحم للموسيقى وجميع المهتمين بالموسيقى إكمال الرسالة. أود أن أقدم شكري للسيد منذر البندك ابن رياض والموجود في الدنمارك وشكري كذلك لشقيقة رياض السيدة سعاد والدة المناضل نبيل أبو اردينة. الشكر كذلك للشاعر أحمد دحبور وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية. شكري الجزيل للمعلومات التي قدموها لي وأغنت هذا البحث. ولا ننسى المعهد الوطني للموسيقى في بيت لحم والذي تعامل مع موضوع هذه الأمسية بجدية فائقة دون أن يتوفر لديه حرف واحد يبتدئ منه. في نهاية الجزء المتعلق برياض البندك نستمع الآن إلى نشيد موطني والذي لحنه رياض في الخمسينات للمطربة فايدة كامل تؤديه فرقة المعهد الوطني للموسيقى. نهاية الجزء الثالث م. مجدي الشومليقدم الملحن والموسيقار الفلسطيني رياض البندك العشرات من الالحان لعديد من الفنانين المعروفين في العالم العربي ونبدا مع معض الحانه الغير شائعه والنادره التي تم الحصول عليها من الارشيف الخاص للاذاعات…بحث ونشر حصري من محمد تميمي القدس.

المصدر: صحيفة المثقف الفلسطيني

أخر المقالات

منكم وإليكم