الموسيقار السوري العالمي: مالك جندلي..بين الشرق والغرب يقدم مقام وهارموني.. – مشاركة: مروة صلاح متولي.

مروة صلاح متولي

مقام وهارموني: مالك جندلي بين الشرق والغرب

يبقى الالتقاء بين الشرق والغرب معضلة لطالما تناولتها مجالات الفكر، وكم تبدلت العلاقة بينهما على مر الزمان، وتحولت من أخذ إلى رد ومن شد إلى جذب. يسطع الشرق بنوره حيناً وتمتد أشعته إلى أقاصي الغرب، لتبدد بعضاً من ظلمته، ثم يسقط الشرق في الظلام ويمضي يلتمس شيئاً من نور شمس أشرقت في الغرب، بينما يمارس هذا الغرب هيمنته واستعلاءه على شرق بات حزيناً مظلماً، لكنه على الرغم من ذلك يحمل في أعماقه نوراً قديماً، وشمساً عتيقة تنتظر أن تنقشع عنها سحائب الضعف والفتور.
هناك العديد من المشاريع الفكرية التي قاربت تلك المعضلة، وتناولت العلاقة بين الشرق والغرب بالبحث والتحليل، كما انعكست تلك المعضلة على الآداب والفنون المختلفة، ويمكن القول إنها من الأركان الأساسية في مشروع الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي، ذلك المشروع الموسيقي الذي تتعدد وجوهه الفكرية والإنسانية والتاريخية بشكل مركب ومتشابك، حيث يدمج الهوية الموسيقية العربية في القوالب الكلاسيكية الغربية، ويوظف الفن كأداة للمقاومة السلمية وحراسة الذاكرة ونشر السلام. بنى مالك جندلي جسراً بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والتراث الموسيقي العربي، وخلق اتصالاً جديداً مبتكراً بين الشرق والغرب، من خلال لغتين موسيقيتين تختلفان عن بعضهما اختلافاً كبيراً.

الروح الهائمة والنظام الصارم

قبل أن تتوزع الموسيقى بين الشرق والغرب، توزعت الحياة منذ البداية أيضاً، فكان الميلاد والسنوات الخمس الأولى من الطفولة في ألمانيا، ثم العودة إلى الوطن السوري، والنشأة والتكوين والدراسة في مدينة حمص، والتردد الدائم على دمشق من أجل الدراسة في معهد الموسيقى، ثم الانطلاق مرة أخرى نحو الغرب بعد إتمام المرحلة الثانوية، لاستكمال الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد ذلك أتت سنوات طوال جعلت من البقاء خارج سوريا إجبارياً، وصار الوطن مكاناً لا يمكن الرجوع إليه بالنسبة إلى فنان حمل صوت الثورة السورية في موسيقاه إلى جميع المحافل الدولية.
تعد ثنائية المقام والهارموني ركيزة أساسية يقوم عليها مشروع مالك جندلي الموسيقي والفكري، حيث يعمل على توظيف المقامات الشرقية وفق نظرية علم الانسجام (الهارموني) في الموسيقى الكلاسيكية. والمقام هو روح الموسيقى العربية وبستانها الوافر الذي تتألف من خلاله الأنغام، والهارموني هو أساس الموسيقى الكلاسيكية ونظامها الصارم الذي يسمو بلغتها ويرتقي بها. لا تتفوق الموسيقى الكلاسيكية الغربية على الموسيقى التراثية العربية جمالياً، وإنما تتميز بنظامها العلمي الدقيق إلى جانب جمالياتها هي الأخرى بالطبع، فكل موسيقى تحمل روح بلادها ومزاج شعوبها وخيال بيئتها، بل وأحوال السياسة وفترات النهوض والانحطاط أو القوة والضعف، فالموسيقى أصدق لسان يعبر عن العصر والأمة.
تختلف الموسيقى الغربية عن الموسيقى العربية في الأنغام والأوزان والمقاييس وأساليب التأليف، فهي تعتمد على المسافة الكاملة ونصف المسافة، بينما تعتمد الموسيقى العربية على المسافات القصيرة وأرباع المسافات، بالإضافة إلى مجموعة هائلة من المقامات. في الموسيقى العربية يمثل المقام نظاماً نغمياً أساسياً تتشكل الألحان من خلاله، لكنه نظام مرن يستطيع أن يتحرك في مساحات كبيرة، وترتكز المقامات على تتابع الأبعاد الموسيقية، وتتميز بالربع تون الذي هو البعد الجمالي الذي يمنح الموسيقى العربية صوتها الفريد المميز. ولكل مقام مساره الديناميكي ونغماته الرئيسية والثانوية التي تحدد الروح والعاطفة، سواء كانت الحزن والشجن كمقام الصبا، أو القوة والبهجة كمقام العجم على سبيل المثال. يختلف كل مقام عن الآخر في التكوين والطابع واللون والمسافات والترتيب النغمي الخاص ودرجة الركوز، والمقام هو الأساس الذي يبنى عليه اللحن ويتم التأليف من خلاله، وإذا كانت الموسيقى العربية تتميز بعذوبة اللحن والطرب الشجي، فهذا نابع من المقام، أو من الثراء المقامي الكبير، حيث تتعدد المقامات بصورة واسعة، وتصنع باليت موسيقية شديدة التنوع اللوني. أما الموسيقى الغربية الكلاسيكية فيحكمها نظام دقيق صارم، وعلم الهارموني الذي هو جوهر الفرق بينها وبين الموسيقى العربية، وتعتمد على مقامين، أو سلمين فقط، هما السلم الكبير والسلم الصغير، ولكل منهما طابعه ومزاجه أيضاً وترتيب أبعاده، لذا نجد في الموسيقى الكلاسيكية، مقطوعة ما يقال إنها مؤلفة في سلم سي الكبير مثلاً، أي أنها مؤلفة في السلم الموسيقي بدءاً من نغمة سي وفقاً لترتيب أبعاد المقام الكبير. وعلى الرغم من اقتصار الموسيقى الغربية على سلمين فقط، إلا أنها تكثف نفسها رأسياً بالهارموني وأفقياً بالكونترابنط.

تغلب مالك جندلي على هذه المشكلة، فلم يجعل من الهارموني سلطة تهيمن على المقام، ولم يعزل المقام عن إمكانات الكتابة السيمفونية، وإنما تعامل مع العلاقة بينهما كعملية مستمرة من التحاور العميق، تسمح لكل عنصر بتقديم نفسه والاحتفاظ بجزء من استقلاله، مع إيجاد المساحة المشتركة للالتقاء والتناغم.

المهمة الفنية الصعبة

يعالج مالك جندلي إحدى أكثر القضايا الفنية تعقيداً في مجال التأليف الموسيقي، وهي التوفيق بين المقام العربي والهارموني الغربي، حيث ينتمي كل منهما إلى منظومة جمالية وفكرية نشأت في سياق حضاري يختلف تمام الاختلاف عن الآخر. وما ذهب إليه جندلي لم يكن يحتمل المغامرة أو الخطأ أو حتى الضعف، فمن العسير أن تجعل أعتى الفرق الأوركسترالية في العالم، تعزف موسيقى لمؤلف موسيقي عربي مسلم، جاء ينافس الغرب في رمز من أهم رموزه الحضارية كالموسيقى الكلاسيكية، بل ويحمل إليهم هذا الموسيقار لمحات تراثية من موسيقى وحضارة بلاده، ويجعل الأوركسترا السيمفوني أو الفيلهارموني تعزف مقام هزام مثلاً، أو مقام حجاز، لم يكن من الممكن تحقيق ذلك إلا إذا استوفت الموسيقى أرقى شروطها الفنية، وبعد أن تمت إعادة صياغة المقامات وفق علم الهارموني بطريقة أكاديمية رفيعة المستوى.
لا يقوم مالك جندلي باستعراض عناصر التراث الموسيقي العربي، من ألحان ومقامات وإيقاعات وآلات، وإنما يعمل بجد على بناء لغة موسيقية تثبت قدرتها على استيعاب منطقين موسيقيين مختلفين في الوقت ذاته. ولا تظهر استلهاماته من التراث العربي كلمحات شرقية ذات طابع فولكلوري سطحي، بل تتجلى كعنصر قوي يتغلغل داخل البناء السيمفوني، ويتفاعل مع تقنيات التأليف الأوركسترالي. ورغم أن المقام هو الذي يتم تكييفه داخل الإطار العلمي للهارموني، إلا أن جندلي لا يجعله تابعاً ضعيفاً، بل محاوراً خطيراً يفرض حضوره البهي بحمولته الثقافية الهائلة. تكمن صعوبة هذه المهمة في الاختلاف العميق بين المقام والهارموني، فالمقام العربي يعتمد بشكل أساسي على اللحن الأفقي، حيث تتحدد شخصية المقام من خلال المسار النغمي، ونقاط الارتكاز، والجمل التقليدية وأساليب الانتقال بين الاجناس. أما الهارموني فيبني منطقه على التتابع الرأسي للتآلفات، وعلى العلاقات الوظيفية بين الدرجات الموسيقية، ما يخلق ثنائية التوتر والاستقرار التي تقود حركة العمل الموسيقي، ولذلك قد يؤدي تطبيق الهارموني الكلاسيكي على الألحان المقامية، إلى طمس خصائص المقام، خاصة عندما تفرض عليه تآلفات صممت أصلاً لخدمة نظام السلم الكبير والسلم الصغير في الموسيقى الغربية.

تغلب مالك جندلي على هذه المشكلة، فلم يجعل من الهارموني سلطة تهيمن على المقام، ولم يعزل المقام عن إمكانات الكتابة السيمفونية، وإنما تعامل مع العلاقة بينهما كعملية مستمرة من التحاور العميق، تسمح لكل عنصر بتقديم نفسه والاحتفاظ بجزء من استقلاله، مع إيجاد المساحة المشتركة للالتقاء والتناغم. لهذا نجد في أعماله ما يمكن تسميته بإعادة مفهوم الاندماج، إذ لا تذوب الهوية الشرقية داخل القالب الغربي، ولا يتم رفض التقنيات الغربية بدافع المحافظة على التراث، بل يجري العمل على إنتاج لغة موسيقية تثمن وتبرز مزايا الطرفين وتخلق جمالية مضاعفة. وتنم مؤلفاته عن وعي كبير بأن الهوية الموسيقية لا تتحقق بمجرد استخدام مقام شرقي أو إيقاع عربي، بل من خلال إمعان التفكير في المادة الموسيقية نفسها، وطول التأمل في المقام لا كمجموعة من النغمات فحسب، وإنما كنظام تعبيري يحمل تاريخاً ثقافياً كبيراً، يتطلب إدخاله إلى العمل السيمفوني جهداً هائلاً في إعادة صياغة العلاقات بين اللحن والهارموني والتوزيع الأوركسترالي بطريقة تحافظ على روحه الأصلية، وتمنحه في الوقت نفسه حضوراً جديداً داخل الكتابة السيمفونية. لم يقع مالك جندلي في فخ التقليد أو الاستشراق أو الفولكلورية السطحية، وذهب يبني جسوراً حقيقية بين الحضارات ويؤلف بين جميع البشر، ويدفع بالسامع العربي نحو عالم الموسيقى الكلاسيكية، ويذيق السامع الغربي شيئاً من جمال موسيقانا العربية. لذلك لا تقتصر ثنائية المقام والهارموني في أعماله على جماليات وتقنيات الموسيقى، بل هي نابعة من رؤية فكرية وأهداف استراتيجية، تؤمن بدور الموسيقى وقدرتها على إقامة حوار ثقافي وحضاري، وتغيير الصورة النمطية في الغرب عن العرب والمسلمين. كما قدم إجابة عن سؤال فني لطالما طرح من مختصي الموسيقى في بلادنا، لماذا لا يفهم العالم الغربي موسيقانا؟ ولماذا لا يستمع إليها كما نستمع نحن إلى موسيقاه؟

رحلة مع المقامات الهارمونية

في ما ألفه حتى الآن من أعمال، قام مالك جندلي بتوظيف العديد من المقامات الشرقية، ولا يعني هذا أن كل مقطوعة يؤلفها لا بد من أن تضم استلهاماً لمقام معين، لكننا نلاحظ تنوعاً كبيراً في حضور المقامات في موسيقاه، ذلك الحضور الذي يتطلب دراسات تفصيلية لطريقة معالجة كل مقام، والمقامات التي يميل إليها أكثر من غيرها، ومدى ملاءمة المقام المختار للمؤلف الموسيقي، أو لموضعه في حركة ما من السيمفونية.
في السيمفونية رقم 5، تحديداً في الحركة الثانية التي صيغت في قالب النوكتيرن، تم توظيف مقام حسيني من سماعي قديم لتاتيوس أفندي، ففي أجواء الليل وسط الجبال الساحرة التي ألهمت المؤلف هذه الحركة، يحضر مقام حسيني بما فيه من شجن وروحانية ووقار. وفي الحركة الثالثة التي صيغت في قالب الاسكرتسو المرح السريع، يحضر مقام محير بطابعه الحماسي وغنائيته وحيويته، بينما يحضر مقام هزام في الثيمة الرئيسية للحركة الرابعة بوجدانيته ومرونته التعبيرية. وفي ألبوم «رسائل من وطني» نستمع إلى مجموعة من المقامات، كمقام حجاز في الرسالة الأولى، ومقام حجاز كار كرد في الرسالة الخامسة، ومقام راست في الرسالة السادسة من بشرف قديم لتاتيوس أفندي، ومقام نوا أثر في الرسالة السابعة من بشرف قديم لإسكندر شلفون. وفي القصيد السيمفوني الرائع «المحيط الصامت»، نستمع إلى مقام حجاز كار من سماعي للموسيقار السوري نديم الدرويش، وهنا يلعب هذا اللحن دوراً درامياً محورياً، حيث تم توظيفه ليكون هو حصيلة ما أخذته معها طفلة سورية صغيرة من متاع وميراث وذكريات من وطنها، ذلك اللحن الذي يتردد في ذهنها ويرسم صورة جدها الذي كان يغنيه لها في كل ليلة، بينما هي وحيدة في قارب صغير يتقلب بها وسط أهوال البحر وظلمته وتلاطم أمواجه، وحيدة تماماً بعد أن قتل الديكتاتور كل عائلتها.
وفي مقطوعة «مرثاة» قام مالك جندلي بتوظيف مقام صبا المعروف بشجنه الشرقي الأصيل وحزنه الغامض، وطبيعته الشاعرية العاطفية وأبعاده وتأملاته الوجدانية، وأعاد تشكيله داخل نسيج هارموني معقد بتقنياته الدقيقة، من حيث بناء الجمل والتوزيع الأوركسترالي وتعدد الطبقات النغمية، والانتقال داخل المقام بحس مرهف. ويذهب إلى أحد قوالب الموسيقى العربية، قالب التحميلة، وهو قالب موسيقي صرف غير غنائي يعتمد على الآلات الموسيقية فقط بعيداً عن الصوت البشري. ليكتب رثاء بحروف الموسيقى لشهداء الثورة السورية وضحايا الديكتاتورية والطغيان من الشعب السوري، وضحايا الظلم في كل مكان من العالم.

في السيمفونية رقم 5، تحديداً في الحركة الثانية التي صيغت في قالب النوكتيرن، تم توظيف مقام حسيني من سماعي قديم لتاتيوس أفندي، ففي أجواء الليل وسط الجبال الساحرة التي ألهمت المؤلف هذه الحركة، يحضر مقام حسيني بما فيه من شجن وروحانية ووقار.

وفي ألبوم «سوهو» يوظف جندلي ألحاناً سورية تراثية وموشحات أندلسية ووصلات حلبية والمقامات الموسيقية العربية في هارمونية فريدة، ونستمع إلى ألوان من التقاسيم وتقنيات العزف على العود، ونغمات الربع تون وعدة مقامات كمقام كرد ومقام صبا ومقام نهاوند ومقام بياتي ومقام عشاق، بينما تلتقي تقاسيم العود مع مسارات البيانو والتشيللو الهارمونية. وفي الحركة الثالثة من السيمفونية رقم 1 نستمع إلى مقام نهاوند، تمسكاً بالأمل المنشود وإيماناً بمستقبل سوريا، وجمالها وثقافتها وتاريخها. وفي السيمفونية رقم 4 نستمع إلى مقام راست من سماعي قديم لإسكندر شلفون.
وفي كونشيرتو البيانو والأوركسترا، يقدم البيانو الثيمة الحيوية الراقصة المستمدة من سماعي قديم في مقام بسته نكار للموسيقار السوري علي الدرويش، وثيمة أخرى شاعرية غنائية مستمدة من سماعي قديم في مقام شاهناز، وتتقلب الموسيقى بين الثيمتين كالانتقال بين الحزن والفرح. وتستمد الحركة الثانية ثيمتها الرئيسية من سماعي قديم في مقام نكريز، ونستمع إلى التشيللو بنغمه العميق الحزين في لحن مؤثر مستمد من سماعي قديم في مقام عجم لسيساك أفندي، ومقام بياتي في الحركة الثالثة. وفي الحركة الأولى من كونشيرتو الكمان والأوركسترا، نستمع إلى مقام زنكلاه يعزفه الكمان، من سماعي قديم للموسيقار الحلبي الشيخ علي الدرويش، ونستمع في الحركة الثانية إلى مقام حجاز بصوت الأوبوا من سماعي قديم ليوسف باشا، ومقام جهاركاه بصوت العود في الحركة الثالثة من سماعي آخر لتاتيوس أفندي.
وفي كونشيرتو الكلارينيت والأوركسترا الذي يخلق حواراً فعالاً وحيوياً للغاية بين الشرق والغرب، نستمع إلى مقام حجاز كار في الحركة الأولى، وقد استلهمه جندلي من وصلة سورية قديمة، تحديداً من موشح تقليدي تراثي بعنوان «زارني المحبوب» في إيقاع المصمودي. ونستمع في الحركة الثانية إلى مقام حجاز، من خلال تنويعات قصيرة على ثيمة مستوحاة من موشح سوري قديم بعنوان يا غزالي. البطيئة أيضاً جاءت عبارة عن نوكتيرن (ليلية) تمتد إلى ما يقرب من ثماني دقائق، وتتكون من ست تنويعات قصيرة مستمرة على ثيمة مستوحاة من موشح سوري قديم في مقام حجاز بعنوان «يا غزالي». ثم نستمع في الحركة الثالثة إلى مقام بياتي من موشح «يا حلو اللمى».

ومن المقطوعات التي تجمع بين الشرق والغرب في عنوانها كما في موضوعها، مقطوعة «فالس حجاز»، حيث تدور أنغام هذه المقطوعة الموسيقية بين قالب موسيقي غربي راقص هو قالب الفالس، ومقام من مقامات الموسيقى الشرقية العربية هو مقام حجاز كار. تمتد المقطوعة إلى ما يقرب من أربع دقائق ونصف، نستمتع خلالها بالإصغاء إلى فالس جميل بما فيه من اختراق مشرقي واضح وانتهاء الجملة الموسيقية على اللون المشرقي، خصوصاً بعض الطلعات، يحدث الاختراق ويتوقف ويعود اللحن إلى السير على وتيرة الفالس مع تلوين مشرقي في المنتصف، ميلوديا مواكبة لميلوديا أخرى، تصاعدات مشرقية تنتهي في أعلى السلم، مزج عمودي وأفقي أو أفقي على وجهين يأخذ جزءاً من الميلودي ويعطيه تلويناً مشرقياً وأحياناً يجمع بين خطين ميلوديين في الوقت نفسه.
وفي ألبوم شجرة الياسمين الذي يضم مقطوعات من موسيقى الحجرة، مؤلفة لثلاثي البيانو والتشيللو والعود، نستمع إلى مقام نوا أثر في مقطوعة «إلى الشباب»، ومقام صبا في مقطوعة شجرة الياسمين من خلال تقاسيم العود الشجية. اعتمد الموسيقار مالك جندلي على الآلات الثلاث من أجل خلق لوحات موسيقية متنوعة الألوان ذات نسيج غني، مع إبراز جماليات كل آلة وقدراتها التعبيرية، حيث يجتمع البيانو مع العود والتشيللو فنستمع إلى مزيج موسيقي فريد يجمع بين الشرق والغرب. يضفي العود لمسة شرقية مليئة بالحنين والشجن والتعبير العاطفي العميق، ويضيف البيانو عمقاً هارمونياً واسعاً بقدرته على التنقل بين الأساليب المختلفة، ويثري التشيللو هذا الاجتماع بنغماته العميقة والرخيمة التي تضفي إحساساً درامياً وشاعرياً بديعاً. من خلال ثلاثي البيانو والعود والتشيللو يخلق الموسيقار مالك جندلي أجواء موسيقية متنوعة من التأملية الحالمة إلى الديناميكية الحيوية والقوية إلى لمسات الحزن والشجن، ويصنع مساحة للتفاعل بين الأنغام الشرقية والغربية بطريقة أكاديمية شديدة الإبداع.

كاتبة مصرية

أخر المقالات

منكم وإليكم