الممثل “إدوارد نورتون “يكتشف أن بوكاهانتس هي جدته من الدرجة الثانية عشر

في كثير من الأحيان، تبدو القصص التي نسمعها في طفولتنا وكأنها حكايات خيالية تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى تختلط الحقيقة بالأسطورة. لسنوات طويلة، نشأ الممثل الأمريكي الشهير Edward Norton وهو يستمع إلى قصة عائلية غريبة ومثيرة، مفادها أن أسرته تنحدر مباشرة من بوكاهونتاس، الشخصية التاريخية الشهيرة في بدايات التاريخ الأمريكي. وكما يفعل معظم الناس، كان يبتسم كلما سمع هذه الرواية، معتقدًا أنها مجرد أسطورة عائلية جميلة أضيفت لإضفاء بعض السحر على تاريخ العائلة، فالأمر بدا أكبر من أن يكون حقيقيًا.

▪︎ لكن المفاجأة جاءت عندما شارك نورتون في برنامج الأنساب الشهير Finding Your Roots مع المؤرخ المعروف Henry Louis Gates Jr.. دخل الحلقة متوقعًا اكتشاف بعض التفاصيل المثيرة عن أجداده، لكنه لم يكن مستعدًا للحقيقة المذهلة التي كانت بانتظاره. فقد كشف له المؤرخ وثائق تاريخية متصلة بالكامل، دون أي فجوات أو تخمينات، تثبت بشكل قاطع أن بوكاهونتاس هي جدته الثانية عشرة الكبرى، وأن زوجها الإنجليزي John Rolfe هو جده الثاني عشر الأكبر.

▪︎ وأظهرت السجلات أن النسب انتقل بصورة مباشرة عبر ابنهما الوحيد توماس رولف، لتتحول القصة التي اعتقدها الجميع مجرد أسطورة عائلية إلى حقيقة تاريخية موثقة. كان الأمر أشبه بمد جسرٍ يمتد لأكثر من أربعة قرون بين الماضي السحيق والحاضر المعاصر.

▪︎ ولإدراك حجم هذه المفاجأة، أوضح غيتس لنورتون أن زواج بوكاهونتاس وجون رولف في مستعمرة جيمس تاون عام 1614 حدث بينما كان الكاتب المسرحي العظيم William Shakespeare لا يزال على قيد الحياة ويكتب أعماله في إنجلترا. وعندما سأل نورتون بدهشة كيف أمكن إثبات هذا النسب بعد كل تلك القرون، جاء الجواب بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: البشر يدوّنون حياتهم، ويسجلون الولادات والزواجات والوفيات، تاركين خلفهم سلسلة من الوثائق التي تحفظ قصصهم عبر الزمن.

▪︎ إلا أن الجانب الأكثر تأثيرًا في القصة لا يتعلق بالمفاجأة نفسها، بل بحياة المرأة التي تقف خلف هذه الأسطورة. فقد كانت بوكاهونتاس، التي وُلدت حوالي عام 1596 باسم أمونوت، ابنة أحد زعماء السكان الأصليين البارزين. عاشت حياة مليئة بالتقلبات، إذ أُسرت على يد المستعمرين الإنجليز، وتكيفت مع عالم مختلف تمامًا عن عالمها، ثم اعتنقت المسيحية وسافرت إلى إنجلترا حيث قُدمت كرمز للعالم الجديد.

▪︎ وهناك، بعيدًا عن موطنها الأصلي وأنهاره وغاباته، سارت بين أفراد النبلاء والعائلة المالكة، لكنها لم تنعم بحياة طويلة. ففي سن العشرين فقط، أصابها المرض أثناء وجودها في مدينة غريفزند الإنجليزية، لتفارق الحياة قبل أن تتمكن من العودة إلى أرضها التي أحبتها.

▪︎ وتروي بعض المصادر التاريخية أنها، وهي تواجه لحظاتها الأخيرة، التفتت إلى زوجها وقالت كلمات مؤثرة للغاية: “لا بد أن يموت الجميع، لكن يكفيني أن طفلي سيعيش.” كانت كلمات بسيطة، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى نبوءة حقيقية.

▪︎ فقد عاش ابنها توماس رولف بالفعل، وكبر وأنشأ أسرة، واستمر نسله عبر الأجيال المتعاقبة. ومن خلال ذلك الخيط الرفيع الذي امتد عبر مئات السنين، وصل الإرث العائلي في نهاية المطاف إلى ممثل هوليوودي معاصر لم يكن يتوقع يومًا أن يكون مرتبطًا بشكل مباشر بإحدى أشهر شخصيات التاريخ الأمريكي.

▪︎ وعندما نظر إدوارد نورتون إلى الوثائق التي تثبت نسبه، عبّر عن مشاعره بهدوء واحترام، مؤكدًا أن مثل هذا الاكتشاف يجعل الإنسان يدرك مدى ترابط البشر عبر التاريخ، وأننا جميعًا جزء صغير من نسيج إنساني هائل يمتد عبر القرون.

▪︎ واليوم، يقدّر الخبراء أن هناك أكثر من مئة ألف شخص على قيد الحياة ينحدرون من نسل بوكاهونتاس. يعيشون حياتهم كمعلمين وأطباء وفنانين وعمال وأشخاص عاديين، وربما لا يعلم معظمهم شيئًا عن هذا الرابط التاريخي المذهل الذي يجمعهم بأحداث وقعت قبل أكثر من أربعمئة عام.

▪︎ تذكرنا هذه القصة بأن بعض الحكايات التي نسمعها في مجالس العائلة قد تبدو مستحيلة أو مبالغًا فيها، لكنها أحيانًا تحمل بين طياتها قدرًا من الحقيقة يفوق الخيال نفسه. فالتاريخ ليس مجرد أسماء وتواريخ في الكتب، بل هو سلسلة متصلة من البشر والقصص والذكريات التي تعيش فينا حتى اليوم، لتؤكد أن الماضي لا يختفي أبدًا، بل يواصل رحلته عبر الأجيال في صور وأسماء وحكايات جديدة.

# مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم