كتاب عرب يتحدثون عن سيرة المكان في القصة و الروايةالمكان في العمل الأدبي
سيرة للكاتب أم للزمكان؟
خلود الفلاح
يعيش المكان في العمل الأدبي حكاية الشخصيات والأحداث بصرف النظر عن علاقة الحميمية والكره التي تربط الكاتب بالمكان. والسؤال الذي طرح هل يشكل المكان في العمل الروائي والقصصي سيرة للكاتب فقط أم هو سيرة للكاتب والمكان معاً. وتقول القاصة بشرى خلفان هو سيرة الكاتب بالمكان.. إلا إذا كان النص فعليا مركزا ومشغولا بقصدية عن المكان ذاته .أبذل جهدا بحثيا مضنيافي الإيفاء بتفاصيل المكانالروائية ميسلون هاديأعتقد إنه يشكل سيرة لكليهما.. الكاتب والمكان.. ولكن يُقال إن الرواية هي فن زماني، بمعنى أنها مبنية على الزمان أساساً، فهي ليست كالشعر الذي فيه الزمان مطلق. وهي ليست كالقصة القصيرة التي لا تتحدد به بشكل صريح. ولكنها الأكثر عناية بالزمان الذي هو العنصر الأهم في الرواية ومن خلاله نعرف صورة عصر بأكمله هو العصر الذي تدور فيه الرواية أو العصر الذي نعيش فيه.. أما المكان فهو العنصر المؤثث لهذا العالم الزماني الذي يؤرخ للأحداث والمشاعر والصراعات ويمنحه الإطار الذي تتحرك فيه.. ولكن هذا لا يمنع من القول إن المكان ركيزة أساسية لكتاب عالميين صوروا البيئة المحلية أحسن تصوير كماركيز وإيزابيل الليندي ونجيب محفوظ.
وتضيف هادي بالنسبة لي تحديداً يشكل المكان عبئاً على انسيابية العمل.. وأبذل جهداً بحثياً مضنياً من أجل الإيفاء بمتطلباته بما يتلاءم مع التفاصيل الأخرى المتعلقة بالشخصية أو الحدث والتي تنساب مثل تدفق النهر الجاري.. وعندما تتحرك الشخصية في بيئة معينة لا أعرفها يشكل هذا تحدياً كبيراً لي ويحتاج مني إلى جهد كبير لتقديم تلك البيئة بشكل دقيق.. وتوضح هادي إذا كانت الرواية رواية حدث كما في رواية العالم ناقصاً واحد فإن التركيز يكون على مشاعر الشخصيات وتداعياتها تجاه هذا الحدث.. ولهذا جعلت مكانها الروائي هو البيت.. حيث كان البيت العراقي بطلاً للكثير من أعمالي.. بكل تفاصيله وحكاياته الشعبية.. ومن خلاله كنت أنقل ما يدور خارج هذا البيت من أخطار وأهوال.. البيت دائما كان هو الحب والملاذ والأمان حتى بالنسبة لأثنين مختلفين في الرؤيا كما في حلم وردي فاتح اللون . وهو الملجأ الأخير لامرأة تنتظر المجهول كبلقيس في نبوءة فرعون والخيمة التي تظلل الجميع في العيون السود .. وحتى عندما يهجره البعض من أجل البحث عن خلاص فإنه قد يضيع في خراب آخر.. كما في الحدود البرية و يواقيت الأرض .الأماكن تختزل تجارب ورؤى في وعي ولا وعي الكاتبالقاص فتحي نصيبلم يعد المكان الهندسي بيت، نفق، قطار، مقهى،غرفة نوم، زنزانة.. على نحو خاص في الأعمال الأدبية الحديثة مجرد إطار تدور فيه الأحداث، بل أصبح المكان مشاركا في الحدث. فليس هناك مكان غير متورط في الحدث. من الناحية الفنية فان منذ ذكر مكان أو المسرح الذي تدور فيه الوقائع يشي بالشخصيات وسماتها وصفاتها الخارجية.
ومن الناحية الفكرية فالمكان قد يحدد الرؤى والمشاعر للشخصيات القصصية أو الروائية وكذلك التطورات التي تلحق بهذه الشخصيات.ويضيف نصيب لو حدد الكاتب المكان في زنزانة فهذا يعني تحديد العلاقة بين الشخصيات التي قد تكون علاقة تسلطية بين السجين والسجان أو علاقة تفاعلية بين السجناء أنفسهم أو علاقة نفسية تدور في ذاكرة السجين.. وكل هذه العلاقات الصراعية تحددت من خلال طبيعة مكان وقوع الأحداث.ويوضح نصيب مما لاشك فيه أن الكاتب يختزن في ذاكرته أماكن عديدة لمراحل عمرية مختلفة تشكل مجموع تجاربه الحياتية مع أفراد آخرين أيا كانت درجة العلاقة بينه وبينهم.
معنى آخر لا يمكن لأي كاتب روائي أن يتجرد تماما من مكان ما في زمن ما وتجربة ما، وهذا ما يشكل وعيا وفكرا يترجم في عمل أدبي. واعتقد أن المكان بهذا المعنى يشكل سيرة للكاتب، سواء كان المكان يأتي في سياق الذاكرة الماضوية أو المخيلة المستقبلية . فالأماكن تختزل تجارب ورؤى وعلاقات في وعي ولاوعي الكاتب.
العمل الأدبي ليس أمينافي نقل الأمكنة
الروائي فوزي الديماسي
الأمكنة كما الأزمنة في العمل الأدبي، تنقسم إلى قسمين هذا إجرائيا لا غير مكان فيزيائي، وآخر نفسي، وزمن فيزيائي وآخر نفسي، ولكن الكتابة طينها اللغة وروحها ذات الكاتب، فذاته شرفته التي يطلّ منها على العالم، وحينما يكتب فهو بصدد كتابة ذاته، ذاته الحاملة بين جنبيها لرؤيته الخاصة للعالم وللإنسان، وبذلك تكون للأمكنة ذكريات، وحسب نوع الذكرى التي يحملها الإنسان للمكان في باطنه » اللاوعي تكون صورته، إذ تعامل الفنان مع محيطه هو تعامل نفسي » ذاتي، وتلك هي صفة الفنّ وطبيعته أن يكون ذاتيا أو لا يكون، بمعنى أنّ العمل الفنّي حتى وإن كان تسجيليّا بامتياز فلا يستطيع أن يكون أمينا في نقل الأمكنة لأنّه نقل محكوم بذات الفنّان وهمومه ورؤيته.
علاقتنا بالمكان بين الحب والكره
الروائي مصطفى لغتيري
لا جدال في أن المكان يعتبر من أهم مكونات العمل الأدبي و حتى وإن اختلفت التسميات بين من يستعمل كلمة مصطلح المكان و من يوظف مصطلح الفضاء باعتبار أن هذا الأخير أشمل وأعم من الأول، غير أن دلالتهما تكاد تكون متقاربة في التداول الاصطلاحي إذا استثنيا فروقا بسيطة ، بحيث يدلان معا على الحيز أو الأحياز التي تتنقل فيها الشخصيات في العمل الأدبي عموما والقصة والرواية على وجه الخصوص، بحيث يصعب تصور رواية أو قصة بدون مكان، فهو الوعاء الذي يحتوي الأحداث والشخصيات على حد سواء. أما بخصوص إذا ما كان المكان يشكل سيرة الكاتب أم سيرة للمكان، فالأمر متداخل جدا وجدلي بشكل مربك، فالكاتب غالبا ما يكتب عن أمكنة تعرف عليها، وعاش فيها وربط معها علاقة من نوع ما، قد تكون علاقة حب حميمية أو علاقة كره بحسب الوقائع التي عاش فيها، والكاتب بالطبع يضيف من خياله الشيء الكثير عند تصويره لهذه الأمكنة، لكن يبقى المكان بشكله الواقعي هو المنطلق اللهم إذا استثنيا المكان الفنطاستيكي ذا الحمولة الأسطورية، ويضيف لغتيري الكاتب حين ينشئ المكان داخل القصة أو الرواية كما تخيله وكما يستجيب لهدفه من كتابة الرواية، فإنه يسجل سيرة هذا المكان كتحصيل حاصل، و إن كان الأمر ليس بهذه البساطة كما أشرت لذلك سابقا، لأن الأديب لا يسجل الواقع كما هو ولا يستنسخ الأمكنة،وإنما يصور المكان كما وقر في ذهنه ومخيلته أو كما يتمنى أن يكون، بما يستجيب لرؤيته الجمالية للعمل الأدبي عموما. لكل ذلك من الصعب الجزم في الأمر ويتوجب التعاطي معه بكثير من الاحتراز.
المكان يحمل ملامح الشخصيات
الناقد محمد الصفراني
الفضاء الروائي يضم المكان والزمان، وهما قطباه، ولا يتصور عمل روائي من غيرهما، والرواية هي فن توصيف الزمكان الذي هو في وجه من وجوهه مكان الراوي وزمانه وفي وجوهه الأخرى يحمل ملامح الشخصيات وتنامي الأحداث، ويكون الفضاء الروائي سيرة للكاتب في الرواية السيرذاتية ويطغى بأنفاس وتفاعلات الكاتب.


