المفكر جورج طرابيشي (1939-2016م) من الباحثين العرب الذين جمعوا بين الترجمة والتأليف في مسارٍ واحد.

يُعَدّ جورج طرابيشي (1939–2016) من الباحثين العرب الذين جمعوا بين الترجمة والتأليف في مسارٍ واحد. انطلق من قناعةٍ مفادها أن تغيير العقليات يتطلب نضالاً بالكلمة، لا مجرد شعارات سياسية أو إيديولوجية. بدأ مترجماً، ثم انتقل إلى النقد الأدبي متأثراً بالتحليل النفسي، قبل أن يخوض سجالاً نقدياً واسعاً مع محمد عابد الجابري، ليتعمق لاحقاً في دراسة التراث الإسلامي من منظور علماني. تتناول هذه الدراسة المراحل الأساسية في مسيرته الفكرية .

البداية من الترجمة: خطيئة سعيدة تفتح الآفاق
تخيّل رجلاً يدرك أن المكتبة العربية تئنّ من فراغ هائل، فيقرر أن يملأه بنفسه. هكذا بدأ طرابيشي مترجماً، ناقلاً مئة كتابٍ إلى العربية. غير أنه ارتكب ما يسمّى “خطيئة سعيدة”: ترجم عمالقة الفكر الألماني – فرويد وهيغل – عن الفرنسية لا عن الأصل. لكن هذه الخطيئة أنقذت أجيالاً من الانتظار العقيم، وفتحت نوافذ على التحليل النفسي والفلسفة الجمالية والتاريخ الفلسفي. وقبيل رحيله، ظلّ مخلصاً لهوس الدقة، ينقح ترجمات فرويد مستعيناً بأحدث الطبعات الفرنسية.

النقد الأدبي:
ثم تحوّل طرابيشي إلى النقد الأدبي حاملاً معه عدسة التحليل النفسي. اختار الرواية ساحةً لتشريح العقل الجمعي، فأنجز دراساتٍ كشفت الأغوار الخفية للنصوص: من “عقدة أوديب في الرواية العربية” إلى “رمزية المرأة في الرواية العربية”، مروراً بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ونوال السعداوي. كأنه كان يقول: في متخيّل الأدب تكمن مفاتيح فهم الذات العربية.

معركة العقل: مواجهة الجابري
ثم جاءت اللحظة المفصلية: كتاب الجابري “تكوين العقل العربي”. تحمّس له طرابيشي أول الأمر، ثم اكتشف تحريفاً في نص إخوان الصفا، فانقلب الإعجاب إلى مشروع تفنيد استمر ربع قرن. في أربعة كتبٍ من 1515 صفحة، قابَل فيها صفحات الجابري الـ1715 صفحة بصفحة، أعاد طرابيشي تعريف النزاهة البحثية. لكنه حين رحل خصمه عام 2010، كتب معترفاً بفضله، في تجلٍّ نادر لنبل العالم الذي ينتصر للحقيقة لا للهوى.

اختراق المقدّس: الدراسات الإسلامية
لم يتوقف عند هذا الحد، بل توغّل في أعماق التراث الإسلامي والمسيحي بعينٍ علمانيةٍ فاحصة. أنتج كتباً إشكالية هزت الثوابت: “مذبحة التراث”، و”المعجزة أو سبات العقل في الإسلام”، وصولاً إلى “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”. رأى أن الإيديولوجيا خنقت النهضة العربية، ودعا إلى إعادة “أسلمة” الإسلام المعاصر. ثم توّج هذه المرحلة بإنجازٍ موسوعي: “معجم الفلاسفة” بستة أجزاء.

الحلم التنويري: رابطة العقلانيين
آمن بأن التغيير يحتاج جبهةً، فشارك في تأسيس “رابطة العقلانيين العرب” عام 2007 إلى جانب نصر أبو زيد ومحمد أركون. في عامين فقط، أنتجت الرابطة 81 كتاباً تحت شعار “من أجل ثقافة نقدية تنويرية علمانية”، وكأنها رسالة أخيرة في زمن الظلام.

النهاية: موت صغير على هامش موت كبير
ثم صمت الرجل الذي لم يفعل في حياته سوى الكتابة، شلّه نزيف وطنه سورية. في مقاليه الأخيرين عام 2011، وصف الربيع العربي بأنه فتح “أبواب الجحيم”، ورأى أن صمته “موتٌ صغير على هامش الموت الكبير: موت الوطن”. وفي عام 2016، رحل جورج طرابيشي وهو يتحسر على حلب، تاركاً وراءه إرثاً معرفياً هائلاً، قوبل – بعد موته – بالجحود والنكران.

المصادر:
· جمال شحيد “جورج طرابيشي بين الترجمة والنقد والدراسات الإسلامية”. ضفة ثالثة، 28 أكتوبر 2017.
· المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة. “جورج طرابيشي مفكرًا بيننا”مجلة القلمون العدد السادس١٥يوليو٢٠٢٠

سوريات_souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم