ذاكرة لم أعرف أصحابها
حين وصلتني هذه الكاميرات الفلميه لم أشعر أنني حصلت على مجموعة من الأجهزة القديمة بل شعرت أنني استلمت ذاكرة أشخاص لا أعرفهم.
أمسكتُ بإحداها وكان أول سؤال يخطر في بالي من كان ينظر من هذا المنظار قبلي؟
من ضغط زر الغالق مئات المرات؟
ما الذي كان يستحق في نظره أن يقتطع له جزءاً من الفيلم؟
ربما صوّرت إحداها طفلاً في يومه الأول وأخرى وثّقت أباً لم يعد موجوداً اليوم.
ربما حضرت زفافاً أو سفراً أو وداعاً في محطة أو عيداً عائلياً بسيطاً لم يكن أصحابه يعرفون أنه سيتحول بعد سنوات إلى ذكرى ثمينة.
وربما التقطت صوراً عادية جداً… شارعاً، نافذة، شجرة، وجهاً عابراً.
لكن هل تبقى الصورة عادية بعد مرور ثلاثين أو أربعين عاماً؟
أنظر إلى هذه الكاميرات وأتساءل كم صورة مرّت من خلالها؟ كم وجهاً سكن عدساتها للحظة؟ كم إنساناً ابتسم أمامها ثم مضى؟ وكم شخصاً ظهر في صورها ولم يعد موجوداً في هذا العالم؟
نحن نعرف أسماء الكاميرات، موديلاتها، نوع العدسات وسنوات صناعتها، لكننا لا نعرف الشيء الأهم ما الذي رأته؟
فالكاميرا، على عكسنا، لا تختار ما تتذكره وما تنساه.
هي مجرد شاهد صامت يدخل الضوء إليها لجزء من الثانية، يترك أثره على الفيلم، ثم يغلق الغالق وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن ذلك الجزء الصغير من الثانية قد يبقى أطول من حياة صاحبه.
وهنا تكمن غرابة التصوير الفلمي بالنسبة لي الفيلم لا يحفظ الضوء فقط، بل يحفظ دليلاً على أن لحظة ما كانت موجودة فعلاً. أن هؤلاء الأشخاص وقفوا هنا وأن هذا المكان كان بهذا الشكل وأن أحداً أحب هذه اللحظة بما يكفي ليضغط زر الغالق.
اليوم وصلت هذه الكاميرات إليّ بلا أصحابها، كأن الزمن سلّمني شهوداً فقدوا القدرة على الكلام.
قد لا أعرف القصص التي مرت من داخلها ولا عدد الأفلام التي ابتلعتها ولا الوجوه التي شاهدتها، لكن آثار الزمن على أجسادها تقول إنها عاشت أكثر مما تخبرنا به أرقامها التسلسلية.
وربما بعد سنوات طويلة ستصل إحدى كاميراتي أنا أيضاً إلى شخص لا يعرفني.
سيمسكها، يتفحص الخدوش على جسدها وينظر من منظارها ثم يسأل السؤال نفسه من كان يحمل هذه الكاميرا قبلي؟
وماذا كان يرى من خلالها؟
عندها سأكون أنا أيضاً جزءاً من حكاية مجهولة.
لهذا لا أرى أمامي اليوم مجموعة كاميرات قديمة… أرى أعيناً توقفت عن النظر لكن الضوء الذي مرّ من خلالها ذات يوم ربما ما زال حياً في صورة معلّقة على جدار بيتٍ ما.
محمد الصواف
كربلاء
١٨/٨/٢٠٢٦


