
هيرب أشرمان.. حارس الضوء البلاتيني وعين كليفلاند التي تحفظ ذاكرة المدينة
من الكاميرا العتيقة إلى الصورة الخالدة: رحلة مصور أمريكي جعل من الأبيض والأسود وثيقةً للإنسان والمكان، ومن تقنيات القرن التاسع عشر لغةً فنية تقاوم النسيان
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين يصبح الضوء ذاكرةً لا يطويها الزمن
في زمنٍ تتسارع فيه الصورة الرقمية، وتُلتقط فيه آلاف المشاهد بلمسة إصبع، يواصل بعض المصورين السير في الاتجاه المعاكس، لا رفضًا للتطور، بل بحثًا عن جوهر الصورة وعمقها المادي والجمالي. ومن بين هؤلاء يبرز المصور الأمريكي هيرب أشرمان (Herb Ascherman)، الذي كرّس جانبًا كبيرًا من تجربته الفنية لتوثيق مدينة كليفلاند وسكانها، مستعينًا بالكاميرات الكبيرة وتقنيات الطباعة التاريخية، وفي مقدمتها الطباعة البلاتينية التي تمنح الصورة طابعًا فنيًا مميزًا وثراءً نغميًا عميقًا. إنه مصور يرى أن قيمة الصورة لا تُقاس بسرعة إنتاجها، بل بقدرتها على البقاء، ولا تتحدد بحداثة الجهاز وحدها، بل بما يحمله الفنان إلى المشهد من معرفة وصبر ورؤية.
هيرب أشرمان.. أربعة عقود في صحبة الإنسان والمدينة:
على مدى أكثر من أربعة عقود، وثّق أشرمان منطقة كليفلاند الكبرى في ولاية أوهايو الأمريكية، وأنجز أرشيفًا يضم أكثر من تسعة آلاف صورة، غلب عليها الأبيض والأسود. ولم تكن المدينة في أعماله مجرد أبنية وشوارع وأفق عمراني، بل فضاءً إنسانيًا متغيرًا تتقاطع فيه الذاكرة الشخصية مع التحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. ومن المصانع التي شهدت ازدهار الصناعة إلى المؤسسات الثقافية والفنية التي أسهمت في تشكيل هوية المدينة، يبحث أشرمان عن العناصر التي تصنع شخصية المكان وتمنحه خصوصيته.
وقد دخلت اثنتان وثلاثون صورة من أعماله ضمن مجموعة متحف كليفلاند للفنون، وهو ما يمنح تجربته حضورًا مؤسسيًا مهمًا، ويؤكد مكانة التصوير الفوتوغرافي بوصفه ممارسة فنية ووثيقة بصرية قادرة على حفظ تفاصيل الحياة وتحولات المجتمع. كما ارتبط اسمه بمشروعه المعروف «50 وجهًا: تذكّر المحرقة» الذي يعود إلى عام 1985، وهو عمل يتناول الذاكرة الإنسانية من خلال الوجوه، حيث يصبح البورتريه مساحةً للشهادة والتأمل، لا مجرد تسجيل للملامح.
الكاميرا الكبيرة.. طقسٌ من الصبر ودقة النظر:
من العلامات البارزة في تجربة أشرمان استخدامه كاميرا ديردورف (Deardorff) كبيرة الحجم، بمقاس 8×10 بوصات، وهي من الكاميرات التي تتطلب إعدادًا دقيقًا، وحاملًا ثلاثي القوائم، ووقتًا أطول في ضبط التكوين والتركيز والتعريض. إنها أداة لا تمنح المصور رفاهية الاستجابة المتسرعة، بل تدعوه إلى دراسة المشهد قبل تسجيله، وإلى التفكير في كل عنصر داخل الإطار: الخطوط، والكتل، والتوازن، والضوء، والعلاقة بين الموضوع والخلفية.
في التصوير بالكاميرات الكبيرة، تتحول عملية الالتقاط إلى طقس بصري متكامل؛ فالمصور لا يكتفي برفع الكاميرا وتوجيهها، وإنما يراقب الصورة على سطح التركيز، ويفحص العلاقات الهندسية والنغمية، ويختار اللحظة التي تتوافق فيها عناصر المشهد مع رؤيته. ولهذا تبدو هذه الممارسة أقرب إلى التأمل المنظم منها إلى الاستجابة الخاطفة.
وعندما يحمل أشرمان كاميرته العتيقة إلى شوارع كليفلاند أو مواقعها المفتوحة، فإنه لا يستحضر الماضي بوصفه حنينًا إلى أدوات قديمة فحسب، بل يعيد اختبار العلاقة بين العين والزمن والآلة. فالكاميرا الكبيرة، على الرغم من ثقلها وبطء استخدامها، تتيح تفاصيل دقيقة وملفات تصويرية غنية، وتفرض على المصور انضباطًا تقنيًا ينعكس على بنية الصورة النهائية.
الطباعة البلاتينية.. كيمياء الضوء وفن البقاء:
تحتل الطباعة البلاتينية مكانة خاصة في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، وهي من العمليات البديلة التي ازدهرت منذ القرن التاسع عشر، وتُعرف بقدرتها على إنتاج تدرجات نغمية دقيقة وملمس بصري هادئ وطابع مادي مميز. وفي هذه التقنية، لا يكون الهدف مجرد الحصول على نسخة من صورة سلبية، بل صناعة صورة مطبوعة تتكامل فيها الكيمياء والورق والضوء والخبرة اليدوية.
تختلف الطباعة البلاتينية عن عمليات الطباعة الفوتوغرافية التقليدية المعتمدة على أملاح الفضة؛ إذ تستخدم مركبات الحديد والبلاتين في تكوين الصورة، وتتميز المطبوعات الناتجة بثباتها المعروف عند تحضيرها ومعالجتها بصورة صحيحة. كما تتفاعل مع طبيعة الورق وملمسه، فتمنح الصورة حضورًا ماديًا يجعلها أقرب إلى العمل الفني الأصلي منها إلى نسخة استهلاكية عابرة.
إن ممارسة هذه التقنية تتطلب فهمًا للكيمياء الضوئية، وخبرة في إعداد المواد الحساسة، وتحكمًا في التعريض والمعالجة، فضلًا عن قدرة على قراءة الدرجات الرمادية وتوقع نتائج الطباعة قبل ظهور الصورة النهائية. وهنا تتجلى أهمية أشرمان بوصفه مصورًا وممارسًا للتقاليد الفوتوغرافية التاريخية، في وقت أصبحت فيه هذه المهارات أقل شيوعًا مقارنة بوسائل الإنتاج الرقمي السريعة.
ومع ذلك، فإن وصفه بأنه أحد آخر خبراء الطباعة البلاتينية ينبغي فهمه في سياق الإشارة إلى ندرة هذا التخصص ودقة ممارسته، لا باعتباره آخر من يمارسه على مستوى العالم؛ فهناك فنانون ومصورون آخرون ما زالوا يعملون بهذه التقنية ويطوّرون إمكاناتها.
الأبيض والأسود.. حين يتحدث الضوء بلغة النغمات:
في أعمال أشرمان، لا يبدو الأبيض والأسود اختزالًا لغياب اللون، بل اختيارًا جماليًا يحرر المشهد من بعض مشتتاته، ويعيد توجيه النظر نحو البنية الأساسية للصورة. فالضوء والظل، والملمس، والخطوط، والتباين، والفراغات، تتحول إلى مفردات رئيسية في بناء المعنى.
إن التصوير الأحادي اللون يمنح المصور فرصةً لإعادة تفسير الواقع، لا لنسخه كما تراه العين فحسب. فالواجهة المعمارية تصبح دراسةً للكتلة والضوء، والوجه يتحول إلى خريطة من التجاعيد والتجارب، والشارع يصير مسرحًا للعلاقات الإنسانية، بينما تتخذ السماء والغيوم دورًا بنائيًا في تشكيل التوازن البصري.
وتزداد أهمية هذا الاختيار حين يقترن بالطباعة البلاتينية؛ إذ تتضافر التدرجات النغمية مع ملمس الورق وطريقة تشكّل الصورة، لتنشأ علاقة بين المحتوى وشكله المادي. وهكذا لا يعود العمل مجرد ملف رقمي يمكن نسخه بلا حدود، بل يصبح قطعة فنية لها حضورها الخاص، وتاريخ إنتاجها، وبصمة صانعها.
من ورشة التصوير إلى تأسيس مجتمع فوتوغرافي حي:
لم تقتصر مساهمة أشرمان على إنتاج الصور، بل امتدت إلى بناء بيئة ثقافية تدعم المصورين وتتيح لهم تبادل الخبرات وعرض تجاربهم. ففي عام 1977، أسس ورشة كليفلاند للتصوير الفوتوغرافي (Cleveland Photographic Workshop)، التي أتاحت عرض أعمال أكثر من ألف مصور، وأسهمت في تعزيز الحضور الفني للتصوير داخل المدينة.
وفي عام 2006، أسس جمعية كليفلاند للمصورين البديلين (Cleveland Society of Alternative Photographers)، بهدف دعم تقنيات التصوير التاريخية والبديلة التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وإبقاء هذا التراث حاضرًا في الممارسة المعاصرة. وتكشف هذه المبادرات عن جانب مهم من شخصيته المهنية؛ فهو لا ينظر إلى المعرفة بوصفها ملكية فردية، بل مسؤولية ثقافية تتطلب التعليم والمشاركة ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
ويُعرف أشرمان أيضًا بكونه طالبًا ومعلمًا للتصوير الفوتوغرافي، إذ تضم مكتبته الشخصية أكثر من 2300 كتاب متخصص في هذا الفن. وهذا الشغف بالقراءة والبحث ينسجم مع فلسفته التي يختصرها في السعي إلى الجودة؛ وهي فلسفة لا تعني الكمال التقني وحده، بل تشمل احترام الموضوع، ودقة التنفيذ، والوعي بتاريخ الوسيط الفوتوغرافي.
«عين كليفلاند».. حين تتحول حياة المصور إلى فيلم
في عام 2025، أعاد الفيلم الوثائقي القصير «عين كليفلاند» (The Eye of Cleveland)، من إخراج جيم كونيغسايكر (Jim Koenigsaecker)، تسليط الضوء على تجربة أشرمان ومسيرته الطويلة. يمتد الفيلم نحو اثنتي عشرة دقيقة، ويقدم صورة عن المصور أثناء العمل في الاستوديو، متوقفًا عند علاقته بمدينته وبالوسط الفني والثقافي الذي ينتمي إليه.
ويجمع الفيلم بين مشاهد عملية التصوير ومقابلات مع شخصيات من مؤسسات ثقافية وفنية في كليفلاند، من بينها متحف كليفلاند للفنون وأوساط المعارض الفنية وأوركسترا كليفلاند. وبهذا لا يكتفي العمل بتقديم سيرة مصور، بل يرسم ملامح علاقة متبادلة بين الفنان والمدينة؛ فالمصور يوثق المكان، والمكان بدوره يمنح أعماله سياقها الإنساني والتاريخي.
حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في مهرجان كولومبوس الدولي للأفلام والرسوم المتحركة، كما عُرض في مهرجانات سينمائية، من بينها مهرجان تشاغرين للأفلام الوثائقية ومهرجان برشلونة لصناع الأفلام المستقلين. ووصل إلى جمهور واسع عبر الإنترنت، ليمنح تجربة أشرمان فرصة جديدة للانتشار خارج الدوائر المحلية.
ومن المشاهد اللافتة في خاتمة الفيلم تصوير أشرمان أفق كليفلاند المسائي بكاميرته الكبيرة المثبتة على حامل ثلاثي القوائم. تبدو هذه اللقطة وكأنها تلخص مسيرته كلها: رجل يقف أمام مدينة تتغير، يراقب ضوءها، وينتظر اللحظة التي تستقر فيها العناصر داخل إطار الصورة. وحين تضيء الألعاب النارية سماء المدينة عقب انتصار فريقها الرياضي، يلتقي الحدث العابر بذاكرة المصور الطويلة، ويتحول المشهد إلى فصل جديد في أرشيف المكان.
كليفلاند.. المدينة التي تستعيد صورتها
تحتل كليفلاند موقعًا أساسيًا في رؤية أشرمان؛ فهي ليست خلفية جغرافية لأعماله، بل موضوع مستمر للتأمل والتوثيق. وقد شهدت المدينة تحولات اقتصادية واسعة، تراجعت خلالها قطاعات صناعية تقليدية، في الوقت الذي حافظت فيه مؤسسات ثقافية وعلمية على حضورها، وأسهمت في صياغة هويتها المتجددة.
ومن هذا المنطلق، تبدو صور أشرمان سجلًا بصريًا لمدينة تحاول إعادة اكتشاف ذاتها. فالعمارة ليست حجرًا صامتًا، والوجوه ليست ملامح منفصلة عن سياقها، والأفق العمراني ليس مجرد خط يفصل الأرض عن السماء؛ إن كل عنصر يحمل أثرًا من تاريخ المجتمع، وتصبح مهمة المصور التقاط هذا الأثر وصياغته في صورة قابلة للقراءة بعد سنوات طويلة.
وهنا تتجلى أهمية التصوير الوثائقي المحلي؛ فالتاريخ البصري لا تصنعه الصور الكبرى وحدها، ولا تحتكره العواصم العالمية أو المؤسسات الإعلامية الضخمة. قد تبدأ الذاكرة الأكثر صدقًا من شارع صغير، أو عامل في مصنع، أو موسيقي يستعد للعزف، أو وجه يروي بصمته حكاية جيل كامل.
خاتمة: الجودة بوصفها موقفًا من الصورة
يمثل هيرب أشرمان نموذجًا للمصور الذي اختار أن يجعل من الإتقان موقفًا فنيًا وثقافيًا، لا مجرد مهارة تقنية. فمن خلال الكاميرا الكبيرة والطباعة البلاتينية والأبيض والأسود، يذكّرنا بأن الصورة ليست بالضرورة نتاج السرعة، وأن التطور الرقمي، على الرغم من إمكاناته الهائلة، لا يلغي قيمة المعرفة الكيميائية والبصرية والحرفية المتراكمة عبر تاريخ التصوير.
إن أهمية تجربته لا تكمن في استخدام أدوات قديمة فحسب، بل في قدرته على منحها وظيفة معاصرة؛ فهو يوظفها لتوثيق الإنسان والمدينة، ويحافظ على تقاليد طباعية نادرة، ويسهم في تعليم التصوير وتطوير مجتمعه الفني. وبين أكثر من تسعة آلاف صورة، ومشروعات توثيقية تمتد عبر عقود، ومبادرات ثقافية وفيلم يستعيد حكايته، تتشكل سيرة مصور يؤمن بأن العمل الجيد لا يحتاج إلى ضجيج كي يترك أثرًا.
وفي عالم تتكاثر فيه الصور وتتناقص فيه أحيانًا فرص التأمل، تظل تجربة أشرمان دعوةً إلى التمهل والنظر مجددًا: أن نمنح الضوء الوقت الكافي، وأن نرى الإنسان خلف الملامح، والتاريخ خلف الجدران، والذاكرة خلف المشهد. فالصورة العظيمة ليست ما يملأ الشاشة للحظة، بل ما يبقى في الوجدان حين تنطفئ الشاشة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


