فما هي حكاية المصوّر الذي اختصر سنوات الحرب في ثانية واحدة، وخلّد «انفجار الفرح» في ذاكرة العالم
هناك صور لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن تقع العين عليها حتى يبدأ القلب في قراءة ما وراءها. وهناك صور تتجاوز زمن التقاطها، فتتحول من وثيقة صحفية إلى ذاكرة إنسانية مشتركة. ومن بين هذه الصور تقف «Burst of Joy» ــ «انفجار الفرح» ــ واحدة من أكثر الصور تأثيراً في تاريخ التصوير الصحفي الأميركي.
خلف هذه الصورة يقف المصور الأميركي سلافا «سال» فيدر Slava “Sal” Veder، مصور وكالة Associated Press الذي التقط في 17 مارس/آذار 1973، في قاعدة ترافيس الجوية بولاية كاليفورنيا، لحظة عودة العقيد في سلاح الجو الأميركي روبرت ل. ستيرم إلى بلاده بعد أكثر من خمس سنوات قضاها أسيراً في فيتنام الشمالية.
لم تكن الصورة مجرد تسجيل لعودة أسير حرب إلى وطنه؛ لقد كانت مشهداً مكثفاً عن الغياب والانتظار والحرب والأسرة والعودة، وفي لحظة واحدة اجتمعت فيها كل هذه المعاني أمام عدسة فيدر. وفي عام 1974 حصل عنها على جائزة بوليتزر للتصوير الفوتوغرافي ــ Feature Photography.
واللافت أن خبر رحيل سال فيدر جاء في أغسطس/آب 2026، إذ توفي في 22 أغسطس عن 99 عاماً، قبل ثمانية أيام فقط من بلوغه المئة. وهكذا تعود صورته الشهيرة إلى الواجهة من جديد، لا باعتبارها صورة من الماضي فحسب، بل باعتبارها درساً دائماً في قوة اللحظة الفوتوغرافية.
من الصحافة إلى الصورة
وُلد سلافا فيدر في 30 أغسطس/آب 1926 في بيركلي، كاليفورنيا، لعائلة مهاجرة من روسيا. بدأ حياته المهنية في الصحافة، وعمل في الكتابة الرياضية والتحرير الإخباري قبل أن ينتقل بصورة أكثر تكريساً إلى التصوير.
وفي عام 1961 التحق بوكالة Associated Press مصوراً، ثم انتقل لاحقاً إلى مكتب الوكالة في سان فرانسيسكو، حيث أصبح جزءاً من فريق المصورين الذين غطوا الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات.
لم يكن فيدر من المصورين الذين جاءوا إلى المهنة عبر طريق أكاديمي تقليدي؛ فقد وصف نفسه بأنه مصوّر عصامي، وأن بدايته كانت من الصحافة الرياضية، وأن مصورين محترفين ساعدوه في تطوير تجربته البصرية. وكان يؤمن بأن المصور الصحفي لا يكتفي بالتقاط ما يحدث، وإنما عليه أن يفهم ما هي القصة الحقيقية داخل الحدث.
وهذه الفكرة تحديداً تبدو واضحة في أهم أعماله: فهو لم يصور «عودة أسير حرب» فحسب، بل التقط لحظة عاطفية تختصر قصة كاملة.
*- 17 مارس 1973… ثانية غيّرت تاريخ الصورة:
كان مطار قاعدة ترافيس الجوية في كاليفورنيا مسرحاً لعودة أسرى الحرب الأميركيين من فيتنام ضمن عملية إعادة الأسرى إلى الوطن.
كان فيدر واحداً من المصورين المكلفين بتغطية الحدث. وكانت الظروف الصحفية مختلفة تماماً عن عصر التصوير الرقمي؛ فالمصورون كانوا محصورين في منطقة مخصصة لهم، وكان عليهم أن يتنافسوا على أفضل زاوية ضمن مساحة محدودة. ووفق رواية فيدر، كان هناك عشرات المصورين في المكان.
وفجأة رأى شيئاً يتحرك من طرف المشهد.
لقد بدأ أفراد عائلة ستيرم بالركض نحو والدهم.
كانت ابنته لوري في المقدمة، وذراعاها ممدودتان إلى الجانبين، وخلفها بقية أفراد العائلة. وفي تلك اللحظة رفع فيدر كاميرته وبدأ بالتصوير.
لم يحتج إلى ترتيب المشهد.
لم يطلب من أحد أن يبتسم.
لم يحتج إلى توجيه العائلة.
الحياة نفسها رتبت الكادر.
وهنا تكمن عبقرية الصورة الصحفية: أن يكون المصور مستعداً عندما تتشكل اللحظة التي لا يمكن إخراجها مرة ثانية.
«انفجار الفرح»… عندما تركض الصورة قبل أن يلتقطها المصور
عند تأمل الصورة، نجد أن العين تُقاد تلقائياً نحو الفتاة التي تتقدم العائلة.
ذراعاها مفتوحتان.
وجهها مضيء.
خطواتها واسعة.
وخلفها تتشكل حركة متصاعدة من أفراد الأسرة.
أما الأب، روبرت ستيرم، فيظهر واقفاً في الجهة المقابلة، مرتدياً زيه العسكري، في حالة تبدو أكثر تحفظاً وهدوءاً من الانفعال العاصف الذي يحيط به.
وهنا تتولد المفارقة البصرية الكبرى.
كل شيء في الصورة يتحرك… إلا الأب تقريباً.
العائلة تندفع نحوه، بينما يقف هو كأنه يحتاج إلى لحظة إضافية ليستوعب معنى العودة.
هذه المفارقة هي أحد أسرار قوة الصورة.
فهي ليست صورة فرح بسيط، وإنما صورة تحمل طبقات من المشاعر المتناقضة.
*الصورة التي تخفي قصة أخرى:
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في «انفجار الفرح» أن عنوانها لا يكشف القصة كاملة.
فالصورة توحي بفرح عائلي كامل، لكن خلف هذا الفرح كانت هناك حياة أكثر تعقيداً.
كان ستيرم قد أمضى أكثر من خمس سنوات أسيراً في فيتنام الشمالية، بعدما أُسقطت طائرته عام 1967.
وبعد سنوات، عُرف أن زوجته كانت قد أرسلت إليه رسالة تطلب فيها إنهاء زواجهما قبل عودته بفترة قصيرة. ولذلك فإن تعبير وجهه المختلف عن اندفاع أطفاله يضيف إلى الصورة معنى آخر: العودة إلى الوطن ليست بالضرورة عودة إلى الحياة التي تركها الإنسان خلفه.
وهكذا يصبح المشهد أكثر تعقيداً:
أطفال يركضون نحو أبيهم… وأب يعود إلى وطنه لكنه لا يعود بالضرورة إلى الماضي نفسه.
وهذه واحدة من أعظم قدرات التصوير الصحفي: أن يلتقط شيئاً يبدو واضحاً للوهلة الأولى، ثم يكتشف المشاهد مع الزمن أنه كان أكثر غموضاً وعمقاً مما ظن.
هندسة الحركة داخل الكادر
من الناحية الفوتوغرافية، تبدو «انفجار الفرح» درساً نموذجياً في التكوين الصحفي الديناميكي.
هناك خط بصري واضح تصنعه حركة أفراد الأسرة من الخلف نحو المقدمة.
الطفلة في المقدمة تشكل نقطة جذب أولى، ثم تنتقل العين إلى بقية أفراد الأسرة، وصولاً إلى الأب.
والصورة لا تعتمد على التماثل؛ بل على التوتر بين الكتل والحركة والفراغ.
فالفراغ الموجود أمام العائلة ليس فراغاً ميتاً، بل مساحة بصرية تشبه الطريق الذي تقطعه الأسرة نحو الأب.
وهنا تتحول المسافة بين الأب وأطفاله إلى عنصر سردي.
إنها ليست مجرد أمتار قليلة على أرض المطار؛ إنها المسافة البصرية التي تختصر سنوات الأسر والانتظار.
اللحظة الحاسمة
تذكّرنا صورة فيدر بفكرة المصور الفرنسي هنري كارتييه-بريسون عن «اللحظة الحاسمة»، حتى وإن كان فيدر يعمل في سياق صحفي مختلف.
المصور لا يصنع اللحظة.
هو ينتظرها.
والفرق بين مصور يرى الحدث ومصور يلتقط الصورة التي ستبقى من الحدث، هو في كثير من الأحيان جزء من الثانية.
كان فيدر بين عشرات المصورين.
وكانت كاميرات كثيرة موجودة.
وكان الجميع يعرف أن الأسرى سيعودون وأن العائلات ستلتقي.
لكن الصورة التي بقيت في الذاكرة هي تلك التي وجد فيها فيدر التكوين العاطفي الأكثر اكتمالاً.
وقد وصف هو نفسه فوزه بالبوليتزر بأنه كان مفاجأة، وأرجع جانباً منه إلى الحظ؛ بل قال إن الفارق بين صورته وصورة مصور آخر كانت متقاربة جداً، لكن ذلك الفارق الصغير كان كافياً.
وهنا درس مهم للمصورين:
الحظ لا يكافئ المصور غير المستعد؛ إنه يكافئ من يكون جاهزاً عندما تصل اللحظة.
*بوليتزر… حين أصبحت الصورة تاريخاً:
في عام 1974 حصل سال فيدر على جائزة بوليتزر للتصوير الفوتوغرافي ــ Feature Photography عن صورة «Burst of Joy».
وبذلك لم تعد الصورة مجرد صورة صحفية منشورة في الصحف، بل تحولت إلى وثيقة تاريخية ورمز بصري لعودة أسرى الحرب الأميركيين من فيتنام. وتدرجها وكالة أسوشيتد برس ضمن صورها الفائزة بجائزة بوليتزر.
كما أن الصورة حازت اهتماماً دولياً؛ فقد سُجلت ضمن مسابقة World Press Photo لعام 1974، حيث حصلت على الجائزة الأولى في فئة الفكاهة/الطرافة آنذاك، في مفارقة تكشف كيف يمكن للصورة الإنسانية أن تتجاوز التصنيفات الصحفية التقليدية.
*سال فيدر… المصور الذي كان يرى القصة قبل الصورة:
لم تكن مسيرة فيدر محصورة في تلك الصورة.
خلال عقود عمله في وكالة أسوشيتد برس، غطى مجموعة واسعة من الأحداث الكبرى؛ من الزلازل والكوارث إلى الرياضة والاحتجاجات السياسية والمحاكمات والأحداث السياسية في كاليفورنيا.
كما وثّق احتجاجات ضد حرب فيتنام، وغطى شخصيات وأحداثاً سياسية بارزة، ومحاكمة وريثة الصحافة باتي هيرست، وأحداث اغتيال عمدة سان فرانسيسكو جورج موسكون والمشرف هارفي ميلك عام 1978، وغيرها من الأحداث التي صنعت تاريخ المنطقة.
وقد ظل التصوير الصحفي بالنسبة إليه أكثر من وظيفة.
كان، بحسب زملائه، صحفياً في القلب قبل أن يكون مصوراً، وكان يؤمن بأهمية العلاقة بين الصورة والكلمة، ويشجع المصورين الشباب على البحث عما يوجد خلف الحدث لا الاكتفاء بسطحه.
*المفارقة الجميلة: صورة عن الفرح وذاكرة عن الحرب:
ربما كان أجمل ما في «انفجار الفرح» أنها لم تصور الحرب نفسها.
لا طائرات مقاتلة.
لا قنابل.
لا دخان.
لا جثث.
لا ساحات معارك.
ومع ذلك، فإن الحرب حاضرة في كل بكسل من الصورة.
إنها موجودة في غياب الأب.
وفي اندفاع الأطفال.
وفي الزي العسكري.
وفي المسافة التي تفصل العائلة عنه.
وفي ذلك الوجه الذي يبدو أكثر تحفظاً من الوجوه المحيطة به.
لقد صور فيدر نتيجة الحرب بدلاً من تصوير الحرب.
وهذا ما منح الصورة قوتها الإنسانية.
فأحياناً تكون صورة العودة أكثر إيلاماً من صورة المعركة.
*الصورة التي أصبحت أكبر من صاحبها:
بعد عقود من التقاط الصورة، ظل «انفجار الفرح» حاضراً في الكتب والمعارض والمجموعات الفوتوغرافية التي تناولت صور القرن العشرين والحرب الفيتنامية.
وفي عام 2008 ظهر فيدر في صورة شهيرة وهو يحمل نسخته من العمل الفائز، في مشهد يعيد المصور إلى جانب الصورة التي جعلته جزءاً من تاريخ التصوير الصحفي.
لكن اللافت في شخصية فيدر أنه لم يتعامل مع البوليتزر باعتباره نهاية الطريق.
لقد استمر في العمل الصحفي سنوات طويلة، ثم تقاعد من وكالة أسوشيتد برس عام 1993. وظل، بحسب زملائه، قريباً من المصورين الشباب، محباً للتعليم والمساعدة والتوجيه.
*رحيل صاحب «انفجار الفرح»:
في 22 أغسطس/آب 2026، توفي سال فيدر في منزله بمقاطعة إل دورادو في كاليفورنيا، عن 99 عاماً، قبل ثمانية أيام من عيد ميلاده المئة. وأكدت عائلته أنه توفي أثناء نومه.
رحل المصور، لكن الصورة بقيت.
وهذا هو الاختبار الأصعب لأي مصور صحفي:
ماذا يبقى من المصور بعد أن يغيب؟
في حالة سال فيدر، بقيت لحظة واحدة.
لحظة ركضت فيها طفلة نحو أبيها.
لحظة اجتمعت فيها الأسرة بعد سنوات من الغياب.
لحظة ضغط فيها المصور على الغالق.
ثم توقفت الحركة.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد تلك اللحظة ملكاً لفيدر وحده.
أصبحت ملكاً لذاكرة التصوير.
*خاتمة: عندما يصبح الغالق شاهداً على التاريخ:
في عالم التصوير الصحفي، لا تقاس عظمة المصور بعدد الصور التي التقطها، ولا بعدد الكاميرات التي امتلكها، ولا حتى بعدد الجوائز التي حصل عليها.
أحياناً تكفي صورة واحدة.
صورة تستطيع أن تقول ما تعجز صفحات كاملة عن قوله.
وهذا ما فعله سال فيدر في 17 مارس 1973.
لقد رأى، وسط عشرات المصورين، عائلة تركض.
ورأى في تلك الحركة أكثر من مجرد فرح.
رأى الحرب وهي تنسحب من المشهد للحظة.
رأى الأب الذي عاد.
والأطفال الذين لم يعرفوا كيف يعبرون عن سنوات الغياب إلا بالركض.
ورأى المسافة الصغيرة التي تفصلهم عنه، لكنها في الحقيقة كانت مسافة خمس سنوات من الحرب والأسر والانتظار.
ضغط الغالق.
فانفجر الفرح.
ومنذ تلك اللحظة، بقيت الصورة تذكرنا بأن أعظم الصور ليست دائماً تلك التي نبحث عنها… بل تلك التي نكون مستعدين لالتقاطها عندما تأتي إلينا.
وهكذا ترك سال فيدر وراءه إرثاً لا يحتاج إلى كثير من الكلمات:
مصوّر رحل… لكن «انفجار الفرح» ما زال يركض.


